ظاهرة الغموض في الشعر العربي

 

إن القارئ للشعر العربي المعاصر ، ليقف عند توظيف بعض الشعراء المعاصرين للمصطلحات الصعبة الفهم حتى على أهل اللغة و من ألفوا قراءة الشعر و خاصة القديم منه ، و ربما كانت مثل هذا التوظيفات سببا في نفور العديد من المولعين بقراءة الشعر. يقول "عز الدين إسماعيل": «و كثيرا ممن ألفوا قراءة الشعر العربي القديم يواجهون صعوبة كبيرة في التجاوب مع الشعر الجديد

، و ربما رفضوه من أجل هذه الصعوبة. فالمؤكد أن هذا الشعر الجديد يمثل اتجاها جماليا يختلف عن اتجاه الشعر القديم بل ربما و قف منه موقف الطيش. و ربما حاول الجادون أن يتغلبوا على تلك الصعوبة بأن يكيفوا أنفسهم و هذا الاتجاه الجديد ، و لكن كثيرا ما يقف حائلا دونهم و هذا التكيف خاصية في الشعر الجديد هي في الحقيقة مقوم من مقومات وجوده ، و أعني بذلك غموض الشعر...».[1]

إن الشعراء المعاصرين ، و إن كانوا يرون في الغموض ميزة خاصة لأشعارهم إلا أنها تحتاج إلى إعادة نظر ، ذلك أن هناك العديد من الأشعار التي لا يعتريها الغموض ، و لكنها تؤثر في القارئ و تهز كيانه ، و تحقق المتعة المرجوة من قراءته. كما أنه ليس بإمكان الشريحة الكبرى من القراء تحقيق ذلك مع الشعر العربي المعاصر ، فما الفائدة من وراء مثل هذا الشكل من التوظيف إذن؟

و لسنا نتحدث هنا عن الغموض كخاصية ينفرد و يتميز بها الشعر العربي المعاصر ، بل إن الغموض قد شمل الشعر قديمه و جديده ، غير أن الشعر العربي الجديد قد أشتهر بظاهرة الغموض ، لكثرة استعمالها حتى أصبح لا يرى و لا يعرف إلا بها. و أصبح بذلك إنكار حق القارئ شبه منعدم(إنكار القارئ).

و هنا يجب أن نفرق بين مصطلحين هامين هما: الإبهام و الغموض ، فالمتني ، و هو من الشعراء القدامى قد لاحت في شعره  ظاهرة الإبهام  لا الغموض كما يعتقد البعض ، و من ذلك قوله في طلاسمه:

و مـن مثله في الناس إلا ملكـا

                        أبـو أمه حي أبـوه يقاربـه

و في هذا الشأن يقف الباحث "عز الدين إسماعيل" عند مفهومي الغموض و الإبهام ، و يرى ضرورة التمييز بينهما. حيث يقول: «ينبغي أن نميز بين الغموض و الإبهام. و أنا أستخدم هذين اللفظين في مقابل اللفظين الانجليزيين  ambiguity، و obscurity ؛ فنحن نستخدم في الأغلب لفظة الغموض ، و نادرا ما نستخدم لفظة الإبهام ، مع أن الشيء المبهم المستغلق ليس هو دائما بالضرورة الشيء الغامض. و قد سبق أن حلل "أمبسون" صفة الإبهام هذه تحليلا ذكيا في كتابه "أنماط سبعة من الإبهام" (لندن 1930م). أعتقد أنه من النافع هنا الاستفادة منه. فالإبهام عنده صفة نحوية بصفة أساسية ، أس ترتبط بالنحو و تركيب الجملة ، في حين أن الغموض "صفة خيالية" تنشأ قبل مرحلة التعبير المنطقية ، أي قبل مرحلة الصياغة اللغوية النحوية...».[2]

إن الشعر العربي بما حمل من الغموض لا يمثل بهذه الصورة بأي حال نقيضا لمفهوم البساطة و الوضوح ، فبمثل هذه الصورة قد تهز مشاعرنا بعمق المعاني و أبعدها الدلالية المتشعبة. و في ذلك يقول الباحث نفسه: «... الغموض في الشعر ليس نقيض للبساطة و أن الشعر البسيط في الوقت نفسه عميق ، لأن البساطة الساذجة في الشعر لا يمكن أن تهزنا من أعماقنا. و هذه البساطة العميقة التي نصادفها لا تجعلنا نرفض الشعر الغامض بل هي أحرى أن تعطفنا إليه ، لأن البساطة العميقة و الغموض كلاهما شديد المساس بجوهر الشعر الأصيل. و من ثم يمكننا أن نقول أن القدر الأكبر من الشعر القديم يغلب عليه طابع الوضوح و السهولة ، لأنه يستخدم لغة محددة الأبعاد ، منطقية ، لا يميزها عن لغة النثر إلا ما فيها من ارتباط بالأوزان العروضية. إنها حقا تعرف الاستعارة و المجاز ، و لكن في صورة جامدة فيها الابتكار و الأصالة...».[3]



[1] ــ عز الدين إسماعيل ـ الشعر العربي المعاصر(قضاياه و  ظواهره الفنية و المعنوية) ــ دار العودة ــ ط3 ــ بيروت ــ 1981 ــ ص187.

 

[2]ــ عز الدين إسماعيل ـ المرجع السابق ــ ص189.

[3] ــ المصدر نفسه ــ ص(193 ــ 194) .

Please publish modules in offcanvas position.