الإفراط في التفاؤل كما المبالغة في الصبر سلوكان قد يؤديان إلى نتائج غير محمودة.
هذا أنني اطلعت على قول بعض المتفائلين بأن حرب غزة ستكون هي الحرب العربية والفلسطينية الأخيرة.
قرأت هذا الكلام المتفائل باندهاش شديد، إذ إن الهجوم الصهيوني على غزة هو حرب من طرف واحد، يسْتَأسِدُ فيها الوحش الإسرائيلي الضّاري بكل جبروته العسكري
وأسلحته الأمريكية والأوربية وهو مدعوم من طرف «الاعتدال العربي» لكي لا نقول شيئا آخر. وهي حرب تقتل الأطفال والنساء والمدنيين والهدف منها إبادة الشعب الفلسطيني، إنها فصل آخر من فصول محرقة بدأت منذ 60 سنة على يد التنظيمات الإرهابية الصهيونية في فلسطين من أمثال عصابات «شتيرن» و«الهاكانا» و«الإركون» وغيرها، واتخذت أشكالا إجرامية حربية أخرى من عهد بن كوريون ومناحيم بيغنْ وإسحاق شامير وموشي دايان وكولدا مايير إلى عهد شمعون بيريز وشارون وباراك وأولمرت وعمير بيريتس إلخ.
يا أصدقائي وأعزائي، هذا الهجوم على غزة لن يكون الحرب الأخيرة، فإذا كانت الحروب تُشَنُّ من أجل إرغام الفرقاء على الجلوس إلى طاولة المفاوضات فإن حروب إسرائيل تستهدف أولا وأخيرا إبادة الفلسطينيين تكريسا للمقولة الصهيونية القديمة الجديدة والتي تقول: «أرض بلا شعب لِشعْب بلا أرض».
إن إسرائيل تريد قتل الحلم الفلسطيني كذلك لكي لا تقوم قائمة للدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة كل المهجرين إلى فلسطينهم.
بالإضافة إلى الخرافات التي أسَّس عليها الصهاينة إسرائيل، هناك أساطير مستحدثة كثيرة من بينها أن إسرائيل تسعى إلى السلام، ياسلام على السلام الصهيوني الذي نراه اليوم حيّا في غزة. فيما ما يُسمّى بالمجتمع الإسرائيلي غير مؤهل لذلك لا اليوم ولا غدا.
1 – لكونه تأسس على مقولة الاحتلال والاغتصاب..
2 – ونظرا لعسكرة ذلك المجتمع.
3 - ولكونه أصبح لعبة في يد المتشددين الدينيين الذين يؤمنون بأن إسرائيل لن تبنَى إلاّ على جثامين وجماجم الفلسطينيين.
وباختصار فإن أخطر ما يتهدد إسرائيل هو السلام، فعلى افتراض أن هذا السلام تمَّ في يوم من الأيام، فإنه سيفضح التناقضات المميتة داخل ما يسمى المجتمع الإسرائيلي، وهي التناقضات التي يتم تنويمها عبر التلويح بالمخاطر الخارجية وبذكرى المحرقة النازية. إن إسرائيل تتصرف وكأن لها الحق وحدها في الذّاكرة.. ولا حق للفلسطينيين لا في الذاكرة ولا في الأرض ولا في الحياة.
كل هذه الحروب أظهرت أن هناك خللا عميقا داخل المجتمعات العربية بوجه خاص.
1 – الأنظمة في واد والشعوب في واد. والقطيعة بينهما أصبحت هي خاصية وشعار المرحلة.
2 – لم تعمل هذه الأنظمة على الحفاظ على شعوبها، وأصبح هَمُّها الوحيد هو الحفاظ على كراسيها ومصالحها وثرواتها الضخمة جدا. وتحولت جمهورياتنا إلى ملكيات وراثية.
3 – لم تفهم هذه الأنظمة أن الشرعية الحقيقية في هذا العصر لم تعد كما في الماضي مبنية على الوراثة والسُّلالة والطائفة، بل هي مبنيّة على الشرعية التي تتأسس اليوم على الحرية والديمقراطية والمؤسسات المنتخبة بكل شفافية، لا أن يتم تزويرها بكل «نزاهة»، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الشعب.
إسرائيل لن تنتصر ولن تقضي على الشعب الفلسطيني.. وهذه هي الذرائع التي تعلنها إسرائيل كتبرير لمحرقتها الحالية أما ما خَفِيَّ فكان أعظم.
لكن الأخطر من هذا وذاك هو أن بعض الأنظمة العربية هي من أصبحت تجد الذرائع لإسرائيل وتنوب عنها في تبرير حرب إبادتها ضد أطفال غزة.
إسرائيل لم تحلم يوما أن يوفر لها حكام العرب غطاء لحروبها ضد الفلسطينيين، وتحقق لها ذلك اليوم.
لم تحلم إسرائيل أبدا أن تَطلبَ منها أنظمة «الاعتدال» العربية شنَّ حَرْب بالوكالة بدعوى أنه أصبح للعرب والإسرائيليين عدوٌّ مشترك تستحق مُحاربَتُهُ التضحية بالشعب الفلسطيني. واليوم تحقق لها ذلك، بفضل تواطؤ بعض الأنظمة العربية. ولعلنا اليوم في حاجة إلى محاربة صمتنا قبل أن نخوض معارك الوجود الكبرى.
العالم العربي أصبح اليوم –ولله الحمد- يتوفَّر على جيش من المحلّلين السياسيين، بل كان عددهم يفوق عدد الجيوش العربية النظامية التي أنشأتها هذه الأنظمة لمواجهة شعوبها.
كما أن المنطق الذي يسود العالم اليوم يمكن اختزالُه في مقولة: «حلال علينا حرام عليكم».
الغرب وعلى رأسه أمريكا وقف في وجه روسيا دفاعا عن جورجيا، ولكن هذا الغرب غض الطرف عن محرقة إسرائيل في فلسطين بمبرر أن الاحتلال الإسرائيلي يدافع عن نفسه. نعم، حلال على الصهاينة أن يتبجحوا بكون إسرائيل واحة الديمقراطية في المنطقة العربية.. وحرام على الفلسطينيين أن يمارسوا اللُّعبة الديمقراطية وأن تُفرز صناديق الاقتراع ما أفرزت من نتائج لا غبار عليها.
أما الأمم المتحدة «الأمريكية» ومجلس الأمن «أمن إسرائيل» فلم يعد لهما أي دور في حل مشاكلنا أو الانتصار لنا ولقضايانا المصيرية. الأمم المتحدة اختارت مُعسْكرَها منذ زمن بعيد. ولم يعد لها اليوم من دور سوى توفير المظلات والغطاء الأممي للهيمنة
الأمريكية الإسرائيلية.



