نحفظ القرآن في صدورنا، ونعلّق آياته على الجدران، ونفتتح به مجالسنا، ونقرؤه في العزاء، ونتسابق في تلاوته بأجمل الأصوات. لكن إذا واجه أحدنا مسألةً في ميراثٍ أو طلاقٍ أو بيعٍ وشراء، لم يفتح المصحف، بل سأل: ماذا قال العلماء؟ وما الحديث الوارد؟ وعلى أيّ رأيٍ استقرّ الناس؟ وهكذا صار القرآن في حياة أكثرنا كتاباً نتلوه، وصار غيرُه هو الكتاب الذي نأخذ منه الأحكام.

وهذه ليست شكوى جديدة. فقد قالها قبل نحو ثلاثة عشر قرناً الحسن البصري، وهو من كبار التابعين، أي الجيل الذي تعلّم على أيدي الصحابة. قالها وهو يشرح قوله تعالى ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]:

«وما تدبُّرُ آياته إلا باتّباعه. أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إنّ أحدهم ليقول: قد قرأتُ القرآنَ كلَّه فما أُسقِطُ منه حرفاً واحداً، وقد والله أسقطه كلَّه؛ ما يُرى له القرآنُ في خُلُقٍ ولا عمل.»

يقصد الحسن أنّ تدبّر القرآن هو العمل به، لا حفظ حروفه مع إهمال أحكامه. فقد يحفظه المرء كلّه، ولا يظهر له أثرٌ في أخلاقه ولا في سلوكه.

ونعيد هذه الشكوى اليوم لأنّ «أقلام» نشرت خلال أربعة أسابيع، من 5 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 2026، ثماني دراساتٍ تدعو إلى أمرٍ واحد: أن يعود نصّ القرآن مرجعاً أوّل نحتكم إليه، لا شاهداً نستدعيه بعد أن نكون قد قرّرنا. ونعلم أنّ بعض ما فيها يصدم كثيرين، لأنه يمسّ أحكاماً نشأنا على أنها هي الدين نفسه. ولا نكتب هذا المقال لنخفّف الصدمة أو لنعتذر عنها، بل لنوضّح ما الذي نفعله، وما الذي لا نفعله، ولمن نوجّه كلامنا.

كيف انقلب الترتيب؟

كانت الصفحة في كتب التراث تُقسم أقساماً: في وسطها الكلام الأصلي، ويُسمّى «المتن»، وحوله «شرحٌ» يوضّحه، وعلى أطرافها تعليقاتٌ تُسمّى «الحاشية» أو «الهامش». وما حدث للقرآن في باب الأحكام أنّ هذا الترتيب انقلب: صار كلام العلماء هو الأصل الذي نرجع إليه، وصارت الآية تُذكر في الهامش لتأييد ما قيل.

فالحكم يُؤخذ أوّلاً من كتب المذهب أو من الروايات، ثم يُبحث له عن دليلٍ من القرآن. فإن وافقته الآية فبها، وإن لم توافقه وُجد دائماً مخرج: قيل إنّ حكم الآية أُلغي، وهذا ما يُسمّى «النسخ»، أو إنّ روايةً ضيّقت معناها، أو إنّ العلماء اتّفقوا على أنّ معناها الظاهر غير مقصود. وجرّب أن تستمع إلى درسٍ ديني أو برنامج فتاوى، وعُدّ: كم مرّةً تُقرأ فيه آية، وكم مرّةً تسمع «قال جمهور العلماء» و«رُوي» و«عليه العمل»؟

ولم يكن هذا خافياً على العلماء الأوائل، بل قيل صراحة. فقد رُوي عن يحيى بن أبي كثير، من علماء التابعين: «السنّةُ قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتابُ بقاضٍ على السنّة»، أي إنّ السنّة هي التي تحكم على القرآن وتحدّد معناه، لا العكس. ولمّا سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن هذه العبارة قال: «ما أجسرُ على هذا أن أقوله، ولكنّي أقول: إنّ السنّة تفسّر الكتاب وتبيّنه». فإمام أهل الحديث نفسه لم يجرؤ على قولها، لكنّ ما تهيّبه هو الذي غلب في الواقع.

ثم أُغلق باب النقاش باسم «الإجماع»، أي اتّفاق العلماء على رأيٍ واحد. مع أنّ الإمام أحمد نفسه قال: «مَن ادّعى الإجماعَ فهو كاذب؛ لعلّ الناس اختلفوا… ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا». يعني أنّ أمانة العالِم تقتضي أن يقول «لا أعرف خلافاً»، لا أن يقول «أجمع العلماء». ومع ذلك صارت كلمة «أجمعوا» تُقال في مسائل اختلف فيها الصحابة أنفسهم، وصار رأي المذهب حدّاً لا يُتجاوز، وشاع أنّ باب الاجتهاد، أي البحث المستقلّ في الأحكام، قد أُغلق.

والنتيجة أنّ «التدبّر»، أي التأمّل في معاني القرآن وفهمها والعمل بها، صار حكراً على المتخصّصين، مع أنّ القرآن يطلبه من الناس جميعاً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. ثم صار كثيرٌ من المتخصّصين أنفسهم ينقلون ما استقرّ أكثر ممّا يبحثون فيه. أمّا القارئ المثقّف، الذي يقرأ الدستور والقصيدة والكتاب الفلسفي بعينٍ ناقدة، فيقف أمام القرآن متردّداً، كأنه أرضٌ ليست أرضه.

ليست فكرةً جديدة: هكذا فعل الصحابة

قد يظنّ بعض الناس أنّ الدعوة إلى تقديم القرآن فكرةٌ حديثة. والحقيقة أنها كانت طريقة الجيل الأوّل، قبل أن تتحوّل الاجتهادات مع الزمن إلى «موروث» لا يُناقش. وهذه أمثلة:

جاءت جدّةٌ إلى أبي بكر الصدّيق تسأله عن نصيبها من الميراث، فبدأ بالقرآن وقال: «ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لكِ في سنّة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس».

وروت فاطمة بنت قيس أنّ المطلّقة ثلاثاً، أي طلاقاً لا رجعة فيه، لا حقّ لها في السكن ولا في النفقة. فردّ عمر بن الخطّاب روايتها وقال: «لا نترك كتابَ الله وسنّةَ نبيّنا ﷺ لقول امرأةٍ لا ندري لعلّها حفظت أو نسيت»، واحتجّ بقوله تعالى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].

ولمّا بلغ عائشةَ حديثٌ يقول إنّ الميّت يُعذَّب ببكاء أهله عليه، قالت: «حسبُكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾» [الأنعام: 164]؛ أي يكفيكم القرآن، وهو يقول إنّ أحداً لا يحمل ذنب غيره.

وكان بعض الناس يقولون إنّ حكم قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8] قد أُلغي. والآية تأمر بإعطاء الأقارب واليتامى والمساكين شيئاً من التركة إذا حضروا قسمتها. فقال ابن عبّاس: «إنّ ناساً يزعمون أنّ هذه الآية نُسخت، ولا والله ما نُسخت، ولكنّها ممّا تهاون الناس»؛ أي إنّ حكمها باقٍ، لكنّ الناس أهملوا العمل به.

وتحفظ لنا الروايات أيضاً اللحظة التي يتحوّل فيها الاجتهاد إلى «موروث». فالقرآن يجعل نصيب الأمّ السدس بدل الثلث إذا كان للميّت ﴿إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11]. وكان ابن عبّاس يرى أنّ الأخوين لا يدخلان في كلمة «إخوة»، لأنّ الجمع في لغة العرب يبدأ من ثلاثة، فقال لعثمان: «فالأخوانِ بلسان قومك ليسا بإخوة». فلم يردّ عثمان على حجّته، بل قال: «لا أستطيع أن أردّ ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، توارثَ به الناس»؛ أي لا أستطيع أن أغيّر حكماً عُمل به قبلي، وانتشر في البلدان، وقسم الناس عليه مواريثهم.

وفي صحيح مسلم عن ابن عبّاس أنّ الطلاق بالثلاث، أي أن يقول الرجل لزوجته «أنتِ طالقٌ ثلاثاً» بكلمةٍ واحدة، كان يُحسب طلقةً واحدة في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وفي أوّل سنتين من خلافة عمر. ثم قال عمر: «إنّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم»، أي إنّ الناس تعجّلوا في أمرٍ أُعطوا فيه مهلة، فلنُلزمهم بما قالوا. فجعله ثلاث طلقات. كان ذلك قراراً من الخليفة لمعالجة حالٍ في زمنه، ثم صار مع القرون رأيَ أكثر العلماء، وادّعى بعضهم أنه أمرٌ مُجمَعٌ عليه.

وعمر نفسه، وهو من كبار المجتهدين بين الصحابة، قال على المنبر: «وثلاثٌ وددتُ أنّ رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً: الجَدّ، والكلالة، وأبوابٌ من أبواب الربا»؛ أي تمنّيتُ لو ترك لنا النبيّ ﷺ قولاً فاصلاً في ثلاث مسائل: ميراث الجدّ، ومسألة الكلالة في الميراث، وبعض صور الربا. فإذا كان رجلٌ بمكانة عمر يعترف بأنّ هذه المسائل موضع اجتهاد، فكيف جاء بعده من جعل اجتهاده واجتهاد غيره أحكاماً قاطعةً لا تُمسّ؟ إنّ الذي تغيّر ليس النصّ، بل علاقتنا به.

ماذا نشرت «أقلام»؟

تختلف الدراسات الثماني في موضوعاتها، لكن يجمعها سؤالٌ واحد صاغته إحداها هكذا: ضع نصّ القرآن إلى جانب الحكم المعمول به، ثم اسأل: «أيّهما قال الآخر؟». أي: هل جاء الحكم من الآية، أم جاء من مصدرٍ آخر ثم نُسب إليها؟

عن مكانة الحديث من القرآن. عرضت دراسة «حصر الوحي المُلزِم في القرآن الكريم» أقوى حجج من يرون أنّ ما يُلزم المسلمين في التشريع هو ما نزل في القرآن وحده. ثم خصّصت باباً كاملاً لأقوى الاعتراضات عليهم، وذكرت رأياً ثالثاً يقبل الأحاديث بشرط أن تُعرض على القرآن، وأن يُفحص نصّها ومضمونها.

وفحصت دراسة «الصحيحان في ميزان القرآن» صحيحَي البخاري ومسلم بمعيارٍ من القرآن نفسه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، أي إنّ كلام الله لا يتناقض. فعرضت أمثلةً لرواياتٍ فيهما تخالف القرآن، وأخرى يخالف بعضها بعضاً، وأمثلةً من نقد علماء الحديث أنفسهم لبعض ما في الكتابين. وناقشت دراسة «نقض نظريّة النسخ في القرآن» القولَ بأنّ في القرآن آياتٍ أُلغي حكمها أو حُذف لفظها، وردّت عليه من القرآن نفسه، ومن صحيحَي البخاري ومسلم، ومن كتب التراث.

عن الميراث. نشرنا ثلاث دراساتٍ وأداةً للحساب. الأولى «أرقامٌ قاطعة، وأحكامٌ مختلَفٌ فيها»، وتبيّن أنّ الأنصبة التي حدّدها القرآن، كالنصف والربع والثلث، واضحةٌ لا خلاف فيها، وأنّ القواعد التي أُضيفت حولها، مثل إنقاص كلّ الأنصبة حين يزيد مجموعها على التركة، وإعطاء ما يتبقّى لأقرب رجلٍ في العائلة، اختلف في بعضها الصحابة أنفسهم، ثم المذاهب، وما زال الخلاف فيها قائماً بين السنّة والشيعة الجعفرية.

والثانية «التجاوزات على النصّ القرآنيّ في أحكام المواريث»، وتقوم على قاعدةٍ واحدة: ما لم يقله القرآن لا يجوز أن يُلغي ما قاله. والثالثة «قسمة المواريث من نصّ القرآن وحده»، وتقرأ الآيات كما هي، وتبني عليها طريقة حسابٍ كاملة، ثم تقارنها بالمذهبين السنّي والجعفري، وتسجّل كلّ موضعٍ يحتاج إلى مراجعة. أمّا «حاسبة المواريث» فتقسم التركة بالطرق الثلاث جنباً إلى جنب، وتبيّن سبب الاختلاف، والدليل على كلّ نصيبٍ في القسمة المأخوذة من النصّ.

عن الطلاق. تقرأ دراسة «الطلاق في القرآن: من التربّص إلى التسريح» الطلاقَ في القرآن على أنه طريقٌ له مراحل، لا كلمةٌ تُقال فتقع: مدّة انتظار أربعة أشهر، ثم طلقةٌ في الوقت الذي حدّده القرآن بقوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، أمام شاهدين عادلين، ثم عدّةٌ تقضيها المرأة في بيت الزوجية، ثم قرارٌ أخير: إمّا أن يبقيا معاً بالمعروف، وإمّا أن يفترقا بالمعروف. والقرآن يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229].

وتتوقّف الدراسة عند قوله تعالى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]. فقد فهمه أكثر المفسّرين على أنه في البنات الصغيرات، واستُدلّ به على جواز تزويجهنّ. أمّا الدراسة فتقرؤه في ضوء قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، فترى أنه في نساءٍ بالغات لم يأتهنّ الحيض، أو انقطع عنهنّ لسببٍ مرضي. ثم تفحص ما يُقال إنه «إجماع» في مسائل الطلاق، مسألةً مسألة.

عن علامات القيامة. تقارن دراسة «بغتةً لا بعلامة» ما شاع بين الناس من قائمةٍ مرتّبة لعلامات الساعة، صغيرها وكبيرها، بقوله تعالى ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]، أي إنها تأتي فجأة.

لماذا يصدم هذا الكلام؟ وما الذي لا نقصده

الصدمة مفهومة. فحين يكتشف المرء أنّ حكماً تعلّمه على أنه «الدين» هو في الحقيقة اجتهادُ علماء، أجلّاء لكنّهم بشر، يشعر كأنّ الأرض تهتزّ تحت قدميه. والصدمة في الحقيقة ليست في النتائج، بل في اكتشاف المسافة بين ما قاله النصّ وما قيل عنه.

ولأنّ الصدمة قد تسبّب سوء فهم، نوضّح ما لا نقصده:

لا نطلب من أحدٍ أن يتبنّى نتائجنا. فدراساتنا نفسها لا تقف عند رأيٍ واحد: بعضها يعرض في أقوى صورة القولَ بأنّ القرآن وحده هو المُلزِم في التشريع، وبعضها يناقش الروايات ويزنها بالقرآن. والذي يجمعها هو ترتيب المراجع، القرآن أوّلاً، لا نتيجةٌ بعينها.

ولا نحتقر العلماء، ولا نرمي التراث. فهذه الدراسات مبنيّةٌ على كتبهم: تنقل عن الطبري والقرطبي والكاساني وابن قدامة وابن رشد، وتعرض اختلافهم بأمانة. ونقد الرأي ليس طعناً في صاحبه؛ فقد اختلف الصحابة أنفسهم، ولم يطعن بعضهم في بعض.

ولا نقول إنّ لكلّ أحدٍ أن يفهم القرآن على هواه. فللتدبّر أدوات: احترام اللغة العربية، ومراعاة سياق الآية، وجمع الآيات التي تتناول الموضوع نفسه، وتفسير القرآن بالقرآن، وفهم الآية غير الواضحة في ضوء الآيات الواضحة.

ولا ندّعي أنّنا لا نخطئ. فأكثر هذه الدراسات يعرض الرأي المخالف في أقوى صوره، وبعضها يقيّم كلّ خطوةٍ في حجّته. فدراسة الطلاق تعدّ ثلاثاً من خطواتها ثابتةً بنصّ القرآن، وتقول عن القول بانتظار أربعة أشهر قبل كلّ طلاق إنه «أضعف حلقاتها نصّاً»، أي أضعف خطواتها دليلاً، وتعترف بأنّ أحداً لم يقل به قبلها. وحاسبة المواريث تنصّ على أنها ليست فتوى، ولا يُعمل بها قبل مراجعة أهل الاختصاص. ومن يكتب بهذه الطريقة لا يطلب التصفيق، بل يطلب النقد.

دعوةٌ إلى كلّ قارئٍ واعٍ

نوجّه هذا المقال إلى القارئ الواعي، الذي لا يقبل الفكرة لأنها مألوفة، ولا يرفضها لأنها غريبة. ونطلب منه أن يقرأ القرآن كما يقرأ أيّ نصٍّ مهمّ: يقف عند الكلمات، ويراعي السياق، وينتبه إلى أن يكون الفهم متّسقاً. فالقرآن يصف نفسه بأنه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، أي بلغةٍ عربيةٍ واضحة، ويقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].

ونطلب منه أن يقرأ الدراسات نفسها، لا ما يُقال عنها، ثم أن يحكم عليها، وعلى الردود عليها، بالشروط التي وضعتها دراسة الطلاق للجواب المقبول:

  • أن يكون الدليل من القرآن؛
  • وألّا يُدّعى «الإجماع» في مسألةٍ خالف فيها عالمٌ معروفٌ باسمه؛
  • وألّا يُستدلّ على الحكم بالحكم نفسه، فيدور الدليل في حلقةٍ مفرغة؛
  • وأن تُطبَّق القاعدة نفسها في كلّ المسائل، لا في بعضها دون بعض.

وقد قلنا حين أعلنّا انطلاقة «أقلام» الجديدة في يوليو الماضي إنّ المجلة كانت، طوال مسيرتها، منبراً حرّاً للكلمة الحرّة. وهذا الوعد يعني اليوم أنّ صفحاتنا مفتوحةٌ لكلّ نقدٍ يلتزم هذه الشروط.

وما ندعو إليه في النهاية هو ما دعا إليه القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]؛ أي أن يفكّر الإنسان وحده أو مع صاحبه، بعيداً عن الحشود. فالحشود تصفّق وتغضب، أمّا التفكير فيحدث حين يخلو المرء بنفسه، أو يجلس إلى محاورٍ منصف. والقرآن لا يمدح من يقبل كلّ قول، ولا من يرفض كلّ جديد، بل يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17–18].

لسنا نطلب من أحدٍ أن يصدّقنا. نطلب منه أن يفتح المصحف، ويقرأ، ثم يحكم. فإن وصل إلى غير ما وصلنا إليه، بدليلٍ من القرآن، فهذا بالضبط ما ندعو إليه.

الدراسات التي ذكرناها

مرتّبةً حسب تاريخ النشر:

مصادر النصوص المنقولة

  • قول الحسن البصري: كتاب «الزهد» لعبد الله بن المبارك، من طريق مَعمر عن يحيى بن المختار عن الحسن.
  • قول يحيى بن أبي كثير وجواب الإمام أحمد (من رواية الفضل بن زياد عنه): تفسير القرطبي «الجامع لأحكام القرآن»، المقدّمة، باب تبيين الكتاب بالسنّة، ومنه أخذنا اللفظ. ورواه الدارمي في «السنن» (المقدّمة، باب السنّة قاضيةٌ على كتاب الله) بلفظ: «السنّة قاضيةٌ على القرآن، وليس القرآن بقاضٍ على السنّة».
  • قول أحمد في الإجماع: رواه عنه ابنه عبد الله في «مسائل الإمام أحمد»، ونقله ابن القيّم في «إعلام الموقّعين»، وتختلف ألفاظه قليلاً من نقلٍ إلى آخر.
  • أبو بكر والجدّة: «الموطّأ» للإمام مالك، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدّة.
  • عمر وحديث فاطمة بنت قيس: صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلّقة ثلاثاً لا نفقة لها.
  • عائشة: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبيّ ﷺ «يُعذَّب الميّت ببعض بكاء أهله عليه»؛ وصحيح مسلم، كتاب الجنائز.
  • ابن عبّاس وآية القسمة: صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾.
  • ابن عبّاس وعثمان في نصيب الأمّ: «المستدرك» للحاكم، كتاب الفرائض، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي؛ و«السنن الكبرى» للبيهقي، كتاب الفرائض. وفي إسناده شعبة مولى ابن عبّاس، وقال ابن كثير في تفسيره: «في صحّة هذا الأثر نظر»، أي إنه يشكّ في صحّته.
  • طلاق الثلاث في عهد عمر: صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث.
  • قول عمر «وثلاثٌ وددتُ»: صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء في أنّ الخمر ما خامر العقل من الشراب؛ وصحيح مسلم، كتاب التفسير.