الإسلام مابين المادّة والروح

طباعة

التأمّل مليّاً في كتاب الله أو السنة النبويّة المطهّرة يضعنا أمام إدراكاتٍ جليّةٍ لمناحٍ متعدّدةٍ في الحياة , ويقدّم الحلول لكل الأسئلة التي تغزو العقل , وتصوراً شاملاً للمفاهيم التي قد تعزو عن فهم العقل البشريّ الصلف المنحاز إلى صوته فقط مجافياً بذلك قصوره الكامل عن إدراك حِكم الله .

قد لا يجهل مُدركٌ يرى بعين الإنصاف أن التطوير والتجديد أولويةٌ ومطلبٌ إسلاميٌّ بحتٌ بل هو هدفٌ يُنادَى به كتنظيمٍ حياتيٍّ للمسلم , فقراءةٌ لمضامين التشريع الإسلامي بعقل الباحث تكشف مدى تماشي الإسلام مع روح النظام والتطوير بل وتكشف أنّ ماوصل إليه الإنسان من العلم والتقدّم هو بأصله ثمرةٌ من ثمرات العلم الذي حثّ الإسلام على التعاطي معه وسبر عوالمه , فالجمود ليس موروثاً إسلاميّاً اتّكأ المسلمون عليه عصوراً عدّةً والشواهد من التاريخ تُثبت

مدى تماهي الإسلام مع العقل والتجديد .
إذن من غير الإنصاف أن نقول أنّ القصور هو من الإسلام نفسه وننسف بكلّ هذه البراهين والأدلة على حيويّته فهناك فرقٌ بين النظام  كتشريع إسلاميٍّ وبينه كمنفذين له - لا أقصد فرقاً مفروضاً ولكن كحالةٍ واقعة - فهنا شذوذٌ بالتعاطي للنظام والشاذّ لا يُقاس عليه ولا يحكم به , إذن لندرك هنا أنّ الصيرورة الحياتية التي تطالب بها الشريعة الإسلامية باتت تنظيّريّة أكثر منها فعليّةً من قبل القائمين عليها في العصور المتأخّرة والحاليّة وضعفاً في توظفيها الوظيف الصحيح ولكنّها مطلبٌ مؤمنون بوجوبه مهما خذلوه , وليس هذا القصور والضعف من صلب الإسلام نفسه , وهذا هو المأخذ الذي استند ويستند عليه من يرى في الإسلام قصوراً عن التماشي مع الحاضر والمستقبل ويرى فيه عجزاً عن مسايرة العلم والتطوير والنظام .

التجربة الغربية في النظام والتطوير هي تجربةٌ فريدةٌ ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال إقصاؤها عن ساحات النقاش ومنابر التحاور ويجدر بنا إعطاءها حقها الكامل في التنظير والاستقراء الأمثل والامتثال لها أيضاً بما يتوافق مع روح الإسلام بالطبع وهذه التجربة شاهدٌ حيٍّ على جدوى هذا التطوير فالبشر على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم يخضعون للنظام مادام يكفل حقّ الفرد وحقّ الطبيعة و يوفّر الحقّ المعيشيّ الكريم وهذا ما نادى به الإسلام وعمل به النموذج الغربيّ .
إذن المطلب الحقيقي الذي من الأولى أن ننادي به هو العودة إلى روح الإسلام وصياغة القوانين من مضامينه وليس المطالبات بمجتمعٍ يستسقي مضامينة من التجربة الليبرالية التي تُقصي الروح وتخدم المادة , بينما الإسلام يُقدّم الروح مع المادة بتمازجٍ تامٍّ يُعجز نيله وشتّان مابين تشريعٍ إلهيٍّ وقوانين بشرية .

في الختام هذا حديثٌ نبويٌّ شريفٌ وهو ما أوحى إليّ بهذا الطرح : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( كل سلامى من الناس عليه صدقة , كل يومٍ تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل فى دابّته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعة صدقة ، والكلمة الطيّبة صدقة ، وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقة ، وتميط الأذى عن الطريق صدقة )) رواه البخاري ومسلم .

هذا ماقاله الرسول صلى الله عليه وسلّم قبل ألفٍ وأربعمائة سنة !! , حديثٌ يصبّ في عمق النظام ومازج بين المادّة والروح .. تأمّلوه جيداً وقيسوا على ذلك الكثير الكثير ممّا في الكتاب والسنة .

 


.

 

Tweet
Facebook Social Comments