إن جهاد التَّوحد؛ هو بذل الجهد لتوحيد الأمة الإسلامية، إذ الأصل فيها التوحد لا التفرق والتشرذم، قال الله جل جلاله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([1]). فعلى هذا، فوحدة دار الإسلام ضرورة ملحة وواجب شرعي وأمل عزيز.و وحدة الأمة المسلمة ووحدة قيادتها هما شرطا القوة ومصدر العزة لمواجهات التحديات المعاصرة والمخططات الجاهلية.
ولذلك يكون تتويج الأمة بإكليل النجاح إن شاء الله، "بعد تخطي العقبات السياسية،
والعراقيل التآمرية والعسكرية، والمصاعب الاقتصادية، يوم تنضج الأمة، وتتأهل بإيمانها وعملها الصالح للخلافة في الأرض، فتتوحد وتعود ذلك الجسد الواحد العضوي، المتضامن القوي، وجودا في العالم، عزيمة في مصارع التاريخ، قدرا من قدر الله.
يتوج جهاد جند الله يوم تخرج الأمة كلها من استعباد مترفيها لمستضعفيها، يوم نعود شهداء على الناس كافة، يستطيع من ندعوهم للإسلام أن يقارنوا فساد أنظمة الحكم الجاهلية بصلاح نظامنا، واستقرار شؤوننا بتهافت غيرنا، ونصاعة صراطنا واستقامته بقتامة سبل غيرنا واعوجاجها.
والطريق إلى توحيد الأمة عقبة لن نقتحمها بالأماني العذاب. ها نحن أولاء سجناء في خصوصيات الأقطار التي جزئت إليها دار الإسلام، في كل قطر دولة، وعلى كل دولة طاغوت.
وداخل السجن القطري يصادف جند الله ألوانا من العنت، فلا يجد متنفسا إلا خنقوه، ولا يبدأ مشروعا إلا حاولوا إحباطه، ولا يبرز رجال صادقون إلا عذبوا وشردوا وقتلوا تقتيلا"([2]).
وقد تجلت صور التفرق فيما نراه من شتات في الأقطار تتوزع فيه الأمة قطعا متناثرة. وتمزيق في صفوف القطر الواحد بين المؤمنين، وحرب بين الجيران.
فهل يمكن أن نتخطى كل هذه التحديات في خطوة واحدة ؟
إن حاضر عالمنا اليوم يشهد تكتلات بشرية ضخمة؛ مثل الاتحاد الأوروبي الذي حقق وحدته، والجاهلية أمام مستقبلنا كتل. ونحن ننتمي إلى أمة الخيرية وطنها دار الإسلام ومجال رسالتها كل أرجاء المعمورة، أفلا ترتفع هممنا للاستجابة لنداء الحق جل وعلا لنتوحد ونعتصم بحله المتين! لنكسب مناعة ضد التردي القطري التجزيئي، وضد الاستكبار، وضد التبذير والظلم، وضد الاستبداد في الحكم.
إننا الأمة المسلمة المستضعفة ما زالت تعاني من السجن القطري ومن الحواجز المادية، التي وضعها حكام الجبر، وهذا شاهد على الضآلة التاريخية التي هوت فيها، شاهد على هامشيتنا في مأدبة اللئام.
فكل هذه العقبات التي تعترض طريق توحيد الأمة، لا يمكن النهوض إليها إلا بتعبئة تنفخ فيه روح طلب الشهادة في سبيل الله، وحب لقاء الله، واقتحام العقبة إلى الله بالتخلص من مرض الغثائية، وبالإعراض عن زنة الدنيا، وبإرادة لها غاية كبرى ترجوا الله واليوم الآخر.
فوحدة الأمة المتشتتة هدفنا بل أفقنا. فلا مكان اليوم وغدا في ربوع الأرض لكيانات هزيلة ضعيفة، ومفتقرة مريضة. ولا رسالة لقوميات -أكل عليها الدهر وشر- محصورة في قمقمها كما تحصر العفاريت.
ونصر الله تعالى لا "ينزل على أمة ممزقة الأوصال، عزلاء، جرداء، والعدو يومَنا وغدَنا -إلى أن يأذن الله بالنصر وأسباب النصر-، يغزونا على كل الواجهات، بأسلحة غير ما عهده البشر في تاريخ البشر. أسلحة تدمر الجسوم، وتخرب الديار، وتمتطي إلينا الجو، وترقُبُنا من الفضاء، وتتعاقب علينا جواسيسها الكوكبية آناء اليل وأطراف النهار"([3]).
أضف إلى ذلك العطب الفادح الذي أصاب الأمة المسلمة من جراء الاستدمار – الاستعمار-الذي أدى إقرار التجزئة في الواقع السياسي بين أبنائها، "وترسيخ الوعي التجزيئي في العقول والنفوس، وتمكين البنية التجزيئية في أرض الاقتصاد والإدارة، مشدودة إلى النظام الاستعماري الرأسمالي بأمراس من الفولاذ. كل قطر في إساره منعزل معزول مغلول محدود بحدود جغرافية سياسية وحدود نفسية وحدود اقتصادية، يرفرف فوق هذه الشظايا القطرية علَم قومي، ويغنيها أنغام الهزيمة التاريخية بنشيد وطني"([4]).
وعلى هذا؛ فالعطب الأفدح من تشتيت الأرض وتمزيق الوحدة هو تجزئة الفكر وزحزحة الإيمان من قلوب المسلمين والهيمنة الثقافية التي صنعت وتصنع من أبناء هذه الأمة بدائل ونظائر للمستخرب المستدمر -يَخْلفُونه من بعد انسحابه-، على شكله قلبا وقالبا؛ في فكره وشعوره ونمط حياته وشُغل عمره، وعادته..
ولهذا فإن المصيبة لا تكمن في أن يحاربنا المستخرب بعساكره هو وسياسته هو وماله هو. لكن المصيبة تكمن في أن يحاربنا بعساكر من بني جلدتنا وبسياستنا ومالنا، وهذا عين المكر.
ومجمل القول: إن "الاجتماع من التفرق ووحدة الاعتصام بحبل الله، يرجع إلى رباط الألفة بين القلوب، وهو المحبة، وهو نور الإيمان يمن الله علينا ويجعلنا إخوانا. فلكي تستمر الألفة ولكي يستمر الاجتماع ينبغي أن يكون منا أمة يدعون إلى الخير ويسهرون على النظام. إن حبل الله يربط الأمة جميعا بالمحبة والذمة والطاعة، لكن يجب أن تكون أمة من الأمة، أي طائفة خاصة هم أهل الدعوة، يحافظون على الحبل المتين وعلى الألفة والأخوة والنظام. أمة خاصة من الأمة العامة هم النخبة، وهم أهل التطوع والإحسان"([5]).
يقول الله تعالى مذكرا إيانا بنعمة الأخوة والوحدة والألفة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}([6]). التمسك بحبل الله المتين الممدود من سماء الوحي إلى أرض الواقع عصمة من التقطع، والسقوط في مهاوي التفرق والتشرذم، ومنعة عن التَّسَيُّب في "أصالة" قومية قبلية أو "معارضة" إيديولوجية يلتمس عندهما المتقطعون جامعا يلُمُّ شَعَثَهم الذي تفرق شذر مذر.
ففي "اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام"([7]).
فالله تبارك وتعالى سمانا مسلمين ليذكرنا بوحدتنا ولم يسمنا شيعة أو سنة...، فربنا جل وعلا واحد، والنبي r واحد، وأمتنا واحدة، والدين واحد، والكتاب واحد، واللغة واحدة، والقبلة واحدة، فلماذا تمزقت وحدة الأمة! وتشتت صفها! وانفرم عقدها! وأُضرمت نار النُّعرات بين أبنائها!... وربنا الله جل جلاله يخاطبنا بقوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}([8]).
وعلى ذلك، فإن أعظم عرقلة في وجه توحيد صف الأمة هي القومية النتنة والنُّعَرة القبلية وحمية الجاهلية أم الفتن التي مزقتنا وأوهنتا ولا تزال.
فالمسلمون مهما افترقت أجناسهم، وتباينت لهجاتُهم يجمعهم الدين جمعا لا يجمع أمة غيرهم، ويزيل الفروق العميقة والأبعاد السحيقة بينهم ما لا يزيله شيء...
ولو كان في الإسلام أدنى أثر للأثرة الجنسية ما انتشرت شريعته في الأرض، ولا اتبعها الأحمر والأسود، ولا ضربت من المشرق وإلى المغرب، حتى ولا اجتمع عليها العرب أنفسُهم، الذين هم قبيلان متناظران متنافسان، قحطان وعدنان ([9]).
فقوة المسلمين في وحدتهم واتحادهم. وتخاذلهم في تخالفهم وانشقاقهم. فالمطلوب منا أن نبذل الجهود لجمع الكلمة ولم الشتات، حتى نكون في مستوى أمة الخيرية.
هذا والوحدة الإسلامية حقيقة ثابتة. بمقتضى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فلا يعرف الإسلام الفرقة بالألوان أو بالعناصر والأجناس، أو باللغات والثقافات، وقد كانت حقيقة ثابتة في عهد النبي r، وعهد الراشدين، وما ولاه من العهود ([10]).
وبذا اتضح أن الرسالة المحمدية كانت للناس كافة لا لإقليم، ولا لجنس، ولا لفريق من الناس، بل كانت عامة في دعوتها، وعامة في هدايتها ([11]).
والوحدة التي أقامها سيد الوجود r وحدة دعامتها الرئيسة الاعتصام بحبل الله تعالى وهو القرآن، ولذلك نجد القرآن الكريم عندما يخاطب العرب لا يخاطبهم ويناديهم بعنوان العرب، إنما يخاطبهم ويناديهم الناس بعنوان الناس والإيمان، ويدخل العرب فيهم، إذ ينادي المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}ويدخل في هذا العجم والعرب و الفرس والروم وكل أجناس أهل الأرض إذا آمنوا بالله U.
ويمكننا أن نعبر عن أصل أمة الإسلام ووحدتها؛ بكونها "لها أصل واحد ترجع إليه، وأم واحدة في التاريخ هي الأمة المسلمة من لدن آدم فالأنبياء إلى خاتم الرسالة r. ولهم أم واحدة في المكان هي الأرض هي دار الإسلام. ولهم أم واحدة في المجال الروحي هي هذه الرحمة والرحِمُ بين المسلمين. ولهم أم واحدة في مجال التطلع إلى آفاق المستقبل هي موعود الله بالنصر لمن نصره، وباستخلاف المؤمنين الذين يعملون الصالحات في الأرض مهما استضعفوا. ولهم أم واحدة من حيث مصدر الهداية والبلاغ وتوجيهات العمل هي القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يلتفون حوله التفافا الفزع إلى ربه"([12]).
وعليه، فنلمح من سياق الحديث عن الوحدة الإسلامية، أن وحدة المسلمين فريضة، تحاببهم فريضة، أخوتهم فريضة، تعاونهم مع بعضهم على الخير فريضة، ولاؤهم لبعضهم فريضة، عدم ولائهم للكافرين فريضة، هذه الفرائض كأنها أصبحت مباحات، فأبغض المسلمون بعضهم من أجل نافلة خلافية، وتفرقوا من أجل أمور بسيطة، وأعطى بعضهم ولاءه للكافرين، ومنعه من المؤمنين، وكأن هذا كله أمر عادي ([13]).
ولهذا فإن وحدة أمة الإسلام من مقاصد الشريعة الإسلامية ومطالبها، بل هي أم المقاصد كما يعتبرها الإمام عبد السلام ياسين حيث يقول:"لم يذكر علماؤنا السابقون أثناء حديثهم عن مقاصد الشريعة هذا المقصد الجامع –الوحدة-. أما في زماننا، وقد نشبت فينا مخالب الجاهلية والأنياب، فنشعر بضرورة استعادة الوحدة شعورا عميقا. إنها مسألة حياة أو موت. إنها أم المقاصد وشرط تحقيقها"([14]).
فالحفاظ على مطالب الشريعة ومقاصدها من وحدة أمة الإسلام، وعدل، وشورى... إضافة إلى المقاصد الأخرى المبثوثة في كتب المقاصد والأصول، أمر ضروري وواجب حتمي، يجب بذل الجهود الجبارة لتحقيقها، والتماس السبل للوصول إليها، واقتحام العقبات لاسترجاعها.
هكذا فإن الوحدة الإسلامية أمرٌ شرعي، إسلامُنا مَخرومٌ حتى يجتمع شملُنا، ويجبر كسرنا، ونكون صفا مرصوصا، وأمة واحدة. إذ الوحدة في حق هذه الأمة مطلب شرعي ومكسب يجب التشمير على سواعد الجد لتحقيقه، وبذل المساعي والجهود وخوض المعارك مع القُوى المعاكسة المادية الخارجية والداخلية والنفسية والذاتية والعدوة المعترضة، والموسعة للنفرة بين أبناء الأمة، وللشقاق بين أقطارها.
وعلى شاكلة ما سبق فإنه لا يكفي"أن نعرف ما ينخر في ذاتنا وقوانا الداخلية وإن كانت المعرفة بالمرض مقدمة ضرورية للعلاج. ولا يكفي أن نعرف الحمولة التاريخية ومراحل تطارحها علينا وإن كانت هذه المعرفة شرطا أساسيا. إنما نبرأ من المرض المتوغل ونتحرر من الحمل القاصم للظهور باليقظة الإيمانية والهبة الإحسانية والتعبئة الجهادية.
ومع يقظتنا وهبتنا إلى الجهاد نحتاج إلى الاستفادة من تجارب تاريخنا وإلى عرض ما نتج عن أوزار الماضي وسلبياته نستخرج منه دروسا إيجابية لتاريخ مستأنف.
وعندئذ نختار عن وعي كامل، وعن استعداد لما تتطلبه منا المهام العالية. هل نختار الدخول بفُرقتنا وتجزئة فكرنا وموروث خلافاتنا في ميزان القوى العالمي تطحننا رحاهم، أو نختار التقارب، فالتفاهم، فالتعاون، فتوحيد النية وتجريد العزم على توحيد الأمة واستعادة ما ضاع من متانة تركيبها الأول"([15]).
فتبذير جهود الأمة، وتعميق جرحها، وتوسيع الشقة بين أبنائها ومكوناتها، عملية تجند لها أعداء الدين من قديم، وهم في عصرنا أكثر تجندا لها.
يقول القس سيمون: إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد على التملص من السيطرة الأوربية، والتبشير ([16]) عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة، من أجل ذلك يجب أن نحوّل "بالتبشير" اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية ([17]).
ويقول المنصر لورانس براون:"إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا، أو أمكن أن يصبحوا أيضا نعمة له. أما إذا بقوا متفرقين، فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير.
ويكمل حديثه: يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير ([18]).
هكذا يُعبرون بهذا الخبث والحقد الأسود المتأجج الذي ملأ شغاف نفوسهم، يريدون أن يبق المسلمون دائما أذيالا لهم، كالنعاج التي تساق إلى مصيرها المحتوم.
والحاصل: أن مواجهة كل هذه التحديات، واقتحام العقبات، والتغلب على شرك الولاء لغير الإسلام... لا تكون مواجهة حقيقية إلا بتوحيد الإسلام، "و لا يمكن علاج القلوب المريضة المستجيبة للأنانيات المفرقة، والعصبيات الطاغوتية، والخلافات المذهبية، والسيادات الإقليمية، والعادات المحلية، والخصوصيات العرقية، إلا بتقوية الإيمان. ولا مطمح للأمة في استعادة هويتها وتثبيت وجودها في العالم إلا بتأليف القلوب، ذلك التأليف الذي لا تتحكم فيه الإرادة البشرية ولا تتصرف فيه الحيلة السياسية، وإنما يأتي نصرا من عند الله عز وجل وتأييدا يتنزَّل بركات من سماء الفضل الإلهي على جماعة المؤمنين حين تتوجه القلوب إلى ربها مخلصة ضارعة.{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} ([19])"([20]).
ما هي السبل إذن، لتوحيد الأمة المسلمة؟ السبل كثيرة لكنها تستقي من معين واحد لها أصل واحد؛ هو علاج المرض الكلّي الذي أصاب الأمة الإسلامية منذ الانكسار التاريخي ذلك الانحراف الخطير في تاريخ الأمة، فأصبحت الأمة المسلمة كمًّا غثائيا.ذلك المرض –الكلي- الذي وصفه سيد الوجود r بأنه الوهْن؛ فعَنْ ثَوْبَانَ t قَال: َقَالَ سيدنا رَسُولُ اللَّهِ r: pيُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَال:َ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِير،ٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِi"([21]). الوهْن حب الدنيا وكراهية الموت كما عرفه الحبيب الطبيب. حب الدنيا وكراهية الموت هو مرض الأمة المسلمة اليوم، وكل الأمراض التي نراها اليوم ما هي إلا أعراض لهذا المرض الدفين.
([16]) أفضل استعمال كلمة "التنصير" التي تتناسب مع طموحات العدو وما يتشوفون إلى تحقيقه، بدل من كلمة "التبشير" التي لها دلالتها ومعانيها الخاصة.
([21]) سنن أبو داود، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام، ح4297. قال الشيخ محمد ناصر الألباني في السلسلة الصحيح: حديث صحيح.ح958، 2/647.
