البنية الإيقاعية لأنشودة مطر لـ"بدر شاكر السياب"

طباعة

إن أهم ما يمكن ملاحظته عند تناول قصائد السياب ، هو وجود نوعين من القصائد.  فالنوع الأول التزم فيه الشاعر بالقالب القديم للبيت بشطريه المتساويين المتناظرين ، و بحر ثابت على طول القصيدة ، كما هو الحال في عدة قصائد منها: مرثية الآلهة ، مرثية جيكور. إلا أن هذا النوع من تجربته الشعرية محدود جدا.

أما النوع الثاني من القصائد السيابية  ،

فهو الأكثر ذيوعا و استعمالا ، بحيث وزع فيها السياب صور التفعيلات توزيعا خاصا ، مشكلا إياها على وحدات إيقاعية متباينة الحدود و الاتساع ، و هذا النموذج أطلق عليه "محمد النويهي" ما يسمى بالجملة الموسيقية ، و قد سماها الناقد "عز الدين إسماعيل": الجملة الشعرية.

و لعل الأول في رأينا كان أقرب إلى المنطق الإيقاعي ، إذ يقول: «أما الشكل الجديد فلا يلتزم فيه الشاعر بأي عدد من التفعيلات ، بل يزيد منه و ينقص بحسب ما تحتاج إليه كل فقرة من معناه ، و كل موجة من موجات عاطفته في جملة من الجمل الموسيقية المتتالية التي تنقسم عاطفته إليها ، و تتابع فيها ، فقد يكون البيت تفعيلة واحدة ، بل جزء من تفعيلة ، و قد يكون أي عدد من التفاعيل يحتاج إليها الشاعر إليها لبناء جملته الموسيقية».[1]

يقول السياب في قصيدته: "أنشودة مطر":

1 ــ و في العراق ألف أفعى تشرب الرحيق   متفعلن متفعلن مستفعلن فعول

2 ــ من زهرة يربها الفرات بالندى             مستفعلن متفعلن متفعلن فعل

3 ــ و أسمع الصدى                              متفعلن فعل

4 ــ يرن في الخليج                               متفعلن فعول

5 ــ مطر.                                          فعل.

6 ــ مطر..                                         فعل..    

7 ــ مطر...                                        فعل...   

8 ــ في كل قطرة من المطر                     مستفعلن متفعلن فعل   

9 ــ حمراء أو صفراء من أجنة الزهر         مستفعلن مستفعلن متفعلن فعل

      10 ــ و كل دمعة من الجياع و العراة             متفعلن متفعلن متفعلن فعول

      11 ــ و كل قطرة تراق من دم العبيد             متفعلن متفعلن متفعلن فعول

      12 ــ فهي إبتسام في انتظار مبسم جديد          مستفعلن مستفعلن متفعلن فعول

      13 ــ أو حلمة توردت على فم الوليد            مستفعلن متفعلن متفعلن متفعلن فعول

      14 ــ في عالم الغد الفتي ، واهب الحياة       مستفعلن متفعلن متفعلن متفعلن فعول

      15 ــ و يهطل المطر..                           متفعلن فعل..

إن هذا المقطع يتكون من خمسة عشر جملة إيقاعية ، و كل واحدة منها تستقل عن غيرها بعدد تفعيلاتها ، كما أنها ذات نسق إيقاعي متنوع ، و ذلك بحسب أحجامها. فعلى سبيل المثال الجملتان الإيقاعيتان الأولى و الثانية طويلتان و متوازنتان ، ثم يختل الإيقاع في الجملتين الثالثة و الرابعة ، و هكذا إلى أن يصل إلى حد من القصر في الجمل الخامسة و السادسة و السابعة ، ليعود إلى التدرج نفسه بين الطول و القصر ، و هو ما يصطلح على تسميته بـ "نسق التهاوي و نسق الإرتقاء".[2]

لقد  وفق الشاعر في اختيار الإيقاع المناسب الذي يتلاءم مع الحركة و لسرعة و العنف ، و الذي تمثل في الرجز. و قد هذا الأخير إيقاع مشاهد الصيد و المفاخرة ، و في وصف السيول ، و الأمطار الجارفة ، و العواصف و الرياح. و قد تناسب الرجز مع أنشودة بدر شاكر السياب ، و التي عبر من خلاله عم يختلج في نفسه من عواطف و أحاسيس جياشة. و من أوجه هذا الانسجام نذكر:

  أ ــ اتفاق الحركة بينهما في اللفظ "فعل".

         ب ــ اتفاقهما في الدلالة على معنى الحركة.

           ج ـــ التوازن بين النفس الثائرة لدى الشاعر في الخير ، و الشر ، و غزارة المطر في النفع و الضر ، إضافة إلى استواء المقاطع اللفظية للرجز لسرعته ، حيث يشتبه فيه المقصور بالممدود.[3]

أما الضرب في هذه الأنشودة ، فقد جاء على نوعين هما "فعو" و "فعول" ، و هما من المتقارب أدخلهما السياب في الرجز ، و لعل نظرة الشاعر إلى التفاعيل بأنها مجرد أشكال صوتية تجسم الأشكال الحركية للإيقاع. و مرد اختلاف الأضرب في أنشودة مطر يعكس الحالة النفسية للشاعر التي تتأرجح بين الفرح و الحزن و بين التأزم و الانفراج ، و كل ما يصيب النفس من تقلبات متضاربة.

أما الروي ، فقد تناسب مع اختلاف هذه الأضرب ، و أخضعه الشاعر لتجربته الشعورية ، و ما تنطوي عليه حالته النفسية من تقلبات ، متمردا على كل أشكال الجمود و التحجر. كما أن المتفحص لهذه الأنشودة يلحظ حضور حرف "الراء" الذي يرمز للحركة و الإضظراب بخلاف الحروف الأخرى ، و هذا الحرف حاضر في الثورة ، و الرجز ، و المطر.

أما فيما تعلق بالقافية في الأنشودة ، فقد اتسمت بالتنوع ، فمنها ما جاء على طريقة واحدة متآلفة كما في الأسطر الخمسة الأولى ، و منها ما تميز عن غيره كما هو في الأسطر السادس و السابع و الثامن...

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ــ محمد الخبو ـ مدخل إلى الشعر الحديث ـ دار الجنوب للنشر ـ تونس ـ 1995 ـ ص68.

[2] ــ محمد الخبو ـ المرجع السابق ـ ص74.

[3] ــ المصدر نفسه ـ ص84.

Tweet
Facebook Social Comments