النقد واللغة

طباعة
إن الأدب هو محصلة الذات الإنسانية ، و ما يصطرع بداخلها من عواطف و أحاسيس قوية كانت أو ضعيفة ، و صياغة ذلك في أسلوب جمالي يسمو بهذا المزيج في مده و جزره الدائم إلى الخارج  ليطلع عليها الآخرون (القراء) ، و هو يستدعي حضور اللغة ، و من ثم الكتابة لتكون الوعاء الذي يحوي كل ما جاءت به تلك المحصلة في صورة لها من الجمالية ، و التفرد ، و التميز ، مم  يؤهلها للتأثير في المتلقي.
و إذا كان حضور العناصر السالفة الذكر ضروري لإحداث التواصل ، فإن حضور الكاتب أو المبدع الذي يعتبر المتحكم الفاعل في انسجامها ضروري أيضا لاستكمال الوظيفة (إحداث الأثر).
إن اللغة بقدر ما هي عصب الأدب و مادته التي تكفل له الحياة ، فإنها سجينة الذاكرة الإنسانية و المعاجم و المؤلفات ، و هي تنتظر في شوق دائم أديبا محنكا و قارئا موهوبا يمكنها من استعادة حيويتها و إبراز جمالياتها ، فإذا كان الرسام يعنى باستخدام الألوان في إنجاز لوحته الفنية ، فإن الدور المنوط بالأديب هو أن يستخدم اللغة لإنجاز لوحات فنية في أعماله الأدبية ، و متى كان هذا الاستخدام لهذه اللغة لائقا و بارعا كان الأثر بارزا و عظيما.
إن قيمة النص الأدبي لا تكمن في الكم الهائل في توظيف اللغة  ، فبقدر ما يكون النظام اللغوي قد أعطي حقه من العناية بكل وعي و مسؤولية ، بقدر ما يتحقق الوقع الجمالي لهذا الكائن الحي (النص) على القارئ استمتاعا و فائدة. يقول "عبد المالك مرتاض": «اللغة عطاء قائم ، و سخاء دائم ، إنها سيلان صوتي و دلالي لا ينضب له معين ، و لا يبكي لجريانه غراب. و اللغة وعاء يظرف كل الأفكار ،  و يحوي كل القيم الفكرية ، و الروحية ، و المادية جميعا ، فهي فوق التاريخ ، و قبل الفلسفة  ، و ذلك بأنها هي مادة الإبداع ، و هي أساس المعرفة بالمعنيين الفلسفي و العام جميعا».[1]
أما الأسلوب ، فهو الذي يسمو باللغة أو ينزل بها ؛ ذلك أنه بقدر ما يجيد المبدع صياغة أجزاء اللغة ليعبئها بأحاسيسه و مشاعره و أفكاره ، بقدر ما يحدث الوقع الجمالي اللغوي عند القارئ. و يقول الباحث نفسه في هذا الشأن: «إن الأسلوب بالقياس إلى اللغة كالطراز الزخرفي الذي ينتقيه المهندس المعماري ، من بين ألف طراز ، لبناء قصر أو عمارة ، أو منزل فاخر ، فهو يفترض من هذه و جود حد أدنى من الذوق الفني. أما النسيج اللغوي ، فلا يكن إلا بمثابة الهيكل العام الذي ينظمه هذا الطراز ، أي شبكة من التقنيات اللسانية الشكلية و الصوتية و الدلالية التي تجسد ذلك البناء المركب العجيب. و أما اللغة فلا تكون إلا وعاء عاما يظرف المظهرين الاثنين ، أي أنها أداة تقنية بواسطتها تتم عملية البناء في شكليه الداخلي و الخارجي ، أو الأفقي  و العمودي معا».[2]




[1] ــ عبد المالك مرتاض ـ في نظرية النقد ـ دار هومه ـ الجزائر ـ 2002 ـ ص160.
[2] ــ عبد المالك مرتاض ـ المرجع السابق ـ ص168.
Tweet
Facebook Social Comments