مئة يوم..أتسمعون الأجراس؟

طباعة

عندما غنّتها فيروز في زمن العنفوان، كان لـ نزار رأيٌ آخر لم يُنشر و منه:

 "غنت فيروز مغردةً     وجميع الناس لها تسمع..
الآن الآن وليس غداً      أجراس العودة فلتقرع..
من أين العودة فيروز     والعودة يلزمها مدفع..
عفوا فيروز ومعذرةً     أجراس العودة لن تقرع!. "

و بعد كل هذه السنين، لا يزال كلاهما في ما ذهبا إليه على حق، و كلاهما على خطأ. فيروز و نزار رددا صدى أفئدة الناس بكل ما يعتمل فيها، و بعد كل هذه السنين، لم تتغير هذه القلوب، لا تزال يعمرها الحماس حباً بالحق فتلتهب في لحظة، و لا تزال يهدّها اليأس كتماً و خنق فتنطفئ في لحظة.

أين ذهبت غزة؟ يبدو السؤال سخيفاً، فغزة باقية كما الشمس، لكننا نحن من أدرنا ظهورنا و مضينا، نسينا "تعاطفنا" و ركنّاها تماماً حيث ركنّا من قبل جنين و قانا و القدس و بغداد، و عدنا إلى حياتنا "الطبيعية" و كأننا كنا ننتظر إعلان وقف إطلاق النار لنمنح أرواحنا صلاة نسيانٍ فورية!

مئة يومٍ انقضت منذ ادّعت إسرائيل وقف حربها على غزة، مئة يومٍ عُقدت فيها قممٌ عربية و دولية تناولت مأساتها دون أن تقترب منها، علت فيها قاماتٌ بحجم القمم و ملأ فيها أقزامٌ قاع الحضيض، حكومةٌ صهيونية من النخب الأول عالي التركيز تقدّم أقوى عروض الموسم: السلام مقابل السلام!، و محاولاتٌ يائسة لندب الجرح النازف بين أبناء نضالٍ واحد تسلل إليه بعض أبناء الصدفة دحلاً و دجلاً و سمموه، العالم يكافئ إسرائيل و يسلمها رئاسة لجنة التنمية الأممية كدفعة ثانية من بعد منحها تطوير الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قبيل المجازر، و من لم يحضر مؤتمر ديربان-2 في جنيف حرصاً على مشاعرها الرقيقة لحق به من تبقّى عند أول كلمة حق قيلت بحقها، سي حسني يعتقل رجال السيد حسن بفارق ياء و أربعين عاماً تفصل مصر العروبة و البطولة التي دمّرت ميناء إيلات دون أخذ إذنٍ من السلطات الأردنية، عن مصر المعتدلة التي تحرص على ألا يقع بينها و بين إسرائيل سوء تفاهم ينجم عن تراخيها في دور شرطي الحدود الساهر على أمنها من تهريب سلاح مقاومة، بعد أن كانت عنواناً لدعم كل حركات التحرر الإفريقية بكل الطرق المتاحة، و تحوّل جيشها الأبيّ من جبهة السويس إلى ميدان التحرير يخنق صرخات الملايين المختنقة خشية أن تفضح عورة ملكٍ محنّط.

ماذا اختلف على غزة و أهلها كي ننس؟لا يزال جاثماً على صدورهم حصارٌ خانق و قتلٌ بطيء يختبئ من عدسات الكاميرات ما أمكنه، و يتشرّد إذلالٌ مُحْبَط بين قامات الكرامة التي انبثقت من أكوام الركام الذي جلس فوقه الفلسطينيون، في قلب البرد و الجوع و القصف و الألم و الفجيعة و أنين بكاءٍ مكتوم و بأطرافٍ مفقودة ليقولوا: صامدون .. مزروعون في هذه الأرض التي ترابها من أجسادنا و تسقيها دماؤنا.. باقون مهما شاء الحانقون و المتخاذلون، فلنا ربٌّ وحدها مشيئته تسري علينا.

ترى هل اعتدنا مشاهدة معاناة الفلسطينيين و موتهم حتى سارعنا بمحوهم من ذاكرتنا؟ .. تحتجون؟ فلم يبد و كأننا تنفسنا الصعداء لانتهاء هذا (الانتماء الموسمي) مع نهاية بث صور المجازر المؤلمة و إن لم يتوقف صنعها!؟ يحضرني ما جادلتُ فيه صادق جلال العظم مطولاً: ".. و كل شيءٍ للعرب فإنما هو بديهة و ارتجال و كأنه إلهام، و ليست هناك معاناةٌ و لا مكابدة، و لا إجالة فكرٍ و لا استعانة.." لطالما خطّأته في ظلمه، و لكننا في كل مرة نجيل فيها النظر في أحوالنا يمد لسانه من بين الصفحات و يسخر: "أرأيت؟"

لا تعرف القلوب الكذب، و قلوب هذه الملايين التي تفطّرت قهراً لأجل حالها كما حال فلسطين لم تكذب، لكنها كسرت قيود التعب و اللامبالاة برهةً قبل أن تعود إلى سجنها. لا تزال قلوبنا على خصامٍ مع عقولنا، و لهذا تفتقر غاياتنا النبيلة في سبيل إنجازها إلى منهجية عمل و صدق عزم و طول صبر. أمرٌ آخر يثبط الهمم و يقعدنا عن التصميم على تحقيق أهدافنا، أنّ كل فردٍ منّا يرى في نفسه صلاح الدين الذي يتوقف تحرير القدس على ما سيقوم به، و ما أن يعِ كم هو هائلٌ حجم الجبل الذي قرر حمله على كتفيه، يصاب بالذعر و يندسّ مختبئاً خائباً في قلب مخاوفه: لستُ البطل المنتظر! و ننسى جميعاً أن كلّ جندي من بين مئات الآلاف له دوره في تحرير التراب الطاهر. نعجز أمام الناقوس العملاق الذي لن يدقه جبارٌ وحيد، و نترك كل الأجراس الصغيرة التي بإمكانها أن توقظ الأمل.

هذه ورقة عمل مفتوحة بوابتها غزة و منتهاها الوطن الكبير، مطلوب نقلها و تعديلها و الإضافة إليها، طالما أن فلسطين هي الانتماء الذي لا يُغلق، فليس أن تنتمي إليها أن تكون من نسلها و لا أن تحفظ خرائطها و تاريخها و رسم صورها. أن نعرف القضية شيء، و أن نبقيها حية في نفوسنا شيءٌ مختلف.

v    للناجحين تأثيرٌ ساحر في محيطهم و صدىً مسموع في نفوس مستمعيهم. فلنكن ناجحين، في كل ما نقوم به و نعمل لأجله، عندما نحارب الفساد و نكافح الفقر و الجهل و نرتقي بمجتمعاتنا، فإننا نرتقي بضع درجات في طريق التحرير، فالحياة ليست حلقةً ضخمة، بل سلسلةٌ من الحلقات الصغيرة الملتحمة، فلنصل حلقاتنا.

v    لا يمكن أن ننجح في الدفاع عن قضايانا عندما نكون قاصرين عن فهمها و إدراك أصولها و تحليل أبعادها و الإيمان بكل أهدافها. على كل مثقف أن يزيح الغبار و الشعارات عن القضية و يكشف ما سها الناس عنه و يخاطب عقولهم بعد أن تعبوا من مناشدة عواطفهم و استغلالها، و على كل من يؤمن بحقه أن يخصص ساعةً في اليوم، أو في الأسبوع أو حتى في الشهر، خالصةً لإعادة استكشاف الجذور وصولاً إلى الأغصان، من أبسط الأكاذيب التي باتت مسلّماتٍ غير قابلة للنقاش مثل بيع الفلسطينيين لأرضهم و استشراء الخيانة بينهم و ضعفنا المحتّم جميعاً عن مواجهة كل ما يحصل، مروراً بحرب المصطلحات و تشويه المعاني و وصولاً إلى الدور الوظيفي الذي يلعبه الكيان الصهيوني ضمن لعبة السيطرة العالمية بحيث ندرك حجمه الحقيقي دون استخفاف و لا تهويل.

v    فلنجعل القضية ممارسة يومية في حياتنا، فلنتركها تصبغ تفاصيلنا اليومية و لو بإشارةٍ بسيطة تثير التساؤل و تقوم بعدوى الاهتمام لمن حولنا، عصبةٌ سوداء رفيعة تحيط بالذراع تذكرنّا أننا لم نؤد إلى اللحظة دَيْناً سنورثه لمن بعدنا، صورٌ لشهداء لا نعرف أسماءهم نضعها على جدار المدخل أو سطح المكتب فنجعلهم من عائلتنا و نحدّث المتسائلين المندهشين عمّا حلّ بهم و لماذا، إن كنت تقدّم محاضرة جامعية أو عرضاً نظرياً فاحرص على أن تختمه بصورة من وحي فلسطين و اجعلها لا تنمحي من ذهن الحاضرين. لا تنسوا أن تحدّثوا أطفالكم عن فلسطين، و لا تخلطوها لهم بطعم الهزيمة، علّموهم أنها ستبقى دوماً عزيزة.

v    فلنخصص 1% من دخلنا لصالح إعمار فلسطين، قرشاً كان أو جبل ذهب، و المؤسسات الاجتماعية و الخيرية البعيدة عن السياسة و تناقضاتها و الموثوق بأمانتها في إيصال المال إلى مستحقيه معروفة لمن يقصدها. لا تستثقلوا استمرارية التبرّع، فنحن لسنا أوروبيين أو يابانيين كي ندفع مبلغاً لمرةٍ واحدة نشتري فيها راحة ضميرنا. نحن هم، و هم نحن.

v    على نطاقٍ ضيق و بسيط، نجحنا في تجربة كفالة أيتام غزة بعد المذبحة الأخيرة، خمسون يورو شهرياً تؤمن لهذا الطفل الذي فقد عائلته و معيله و منزله أن يستمر ليكون مشروع مقاومة و مشروع وطن، و لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها و بإمكان بضع عائلات أن تتضامن في الاستمرار في إنشاء يتيمٍ واحد، و ما أتمناه لو نستطيع تطوير التجربة إلى أكثر من ديّةٍ مستحقّةٍ علينا، بحيث تصير ترابطاً عائلياً عبر الحدود يجد فيه هذا الطفل الذي فقد أمه أمهاتٍ يسألنه إن كان يأكل جيداً و ماذا يريد أن يعددن له من أطباق عندما يزورهنّ في"بيته"، و يجد آباءً يتابعون أخبار دراسته و أحلامه و يسدونه النصح إلى أن تكتمل رجولته المبكرة. الرسائل تضفي إنسانيةً دافئة و حباً صادقاً على حوالةٍ بريدية لمن له حقٌ مشروع لا في أموالنا فحسب بل في حياتنا.

v    المساهمة في كل مبادرةٍ تتمتع بالاستمرارية، مثال ما اقترحه الكاتب الأكاديمي السعودي عبد الله البريدي لصناعة "كتاب غزة" متعدد اللغات، يتم فيه التركيز على التوثيق المصوّر، و يشرف على منهجيته و دقته في العرض و التحليل لكل الأحداث خلال الحرب على مستوى العالم و التحركات و الشهادات التي صدرت فيها، خبراء سياسيون و نفسيون و اجتماعيون و تاريخيون يعملون على وضع الثوابت الأساسية للقضية الفلسطينية في صدر العمل، و بحيث يناسب جميع الشرائح العمرية و الثقافية، مع إتاحة المساهمة التفاعلية مثل التبرع لعلاج المصابين المعرّفين فيه أو لإعادة الإعمار.

v    فلنرد أن نكن جزءاً من المقاومة، و عندما نصبح كادراً ننقل تدريبنا إلى كوادر جديدة. قد يحول بيننا و بين حمل السلاح أسبابٌ كثيرة، لكننا نستطيع أن نعلّم أبناءنا حقهم في حمله، نستطيع أن نتصدى بالعلم و العقل و المنطق – دون الاستناد إلى العواطف – لكل من يشكك بشرعيتها أو جدواها أو أهميتها لنا إنسانياً أو على صعيد منطقتنا المرتبطة كوحدة متكاملة بذات المصير، نقدر أن نهيّئ تربةً خصبة تنبت فكر مقاومة يرفض الهزيمة قدراً، فلنركّز على الوسائل الإعلامية الجادة التي تتعامل بشرف مع قضايانا و نهجر الإعلام المتخاذل و الهدّام مع الحرص على تبيان ذلك لداعميه خاصةً المستثمرون بنشر إعلاناتهم التجارية بحيث يتخلّون عنه إما لنصرة المبدأ و إما إدراكاً لقلة الجدوى بعد هبوط الإقبال عليه، نعقد صفقاتنا التجارية لدعم الحلفاء الذين لم يبالوا بخسائرهم عندما اتخذوا موقفهم، فنتوجه تجارياً إلى تركيا بدلاً من كندا مثلاً. فلنبق على متابعة وثيقة بكل المبادرات التي تتجاوز قدرتنا بقصد الاطلاع و الفهم لنقلها عند الضرورة و تقديم الدعم الشعبي عندما يلزم الأمر، من ذلك محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الوطنية الأوروبية ذات الصلاحية مثل بلجيكا و ألمانيا و إسبانيا و بريطانيا.

v    الانضمام للمقاومة الالكترونية في متناول يد كل مخلص صبور. سواءً برفد و تغذية مواقع موجودة أصلاً - خاصة تلك المعروفة على نطاقٍ واسع – بصور أو وثائق أو رسائل دعم أو تبرعات أو حتى إخبار أكبر عدد ممكن من المعارف عنها، أو بإنشاء مواقع متعددة اللغات مدروسة و مخططة بعناية لتساهم في صنع شبكة المقاومة و تعريف العالم بالقضية مع التركيز على الصور المعبّرة و مقاطع الفيديو و الوثائق التي لا اختلاف على تأويلها أو صحتها، يمكن أن نضع فيها روابط مواقع أخرى تركز على نقاط محددة كالمذابح و وحشية التاريخ الإسرائيلي، و لا ننس أن فضح أكاذيب المواقع المعادية و حملات الإسرائيليين المدروسة يجدر التصدي له من قبل خبراء و مؤهلين لأننا نواجه عدواً يجيد دوره و تملك مفاتيح قوته، و نحن ليس في يدنا حتى اللحظة سوى الحق، فلنحرص على حمايته من ضعفنا.

v    الفن رسالة عالمية، إن لم نقمها نحن أو نصنعها فلنكن من داعميها بحضورنا إليها، من معارض لوحات فنية أو صور ضوئية أو مسرحية أو سينمائية تتناول قضايانا، ساندوا الفن الفلسطيني من الفولكلور إلى فرق الراب الغنائية كما ظهرت في تجربة "هيب هوب المقلاع" لمخرجته جاكي سلوم التي حصدت جوائز عالمية، طالبوا فنانينكم المحبوبين بإقامة حفلٍ لصالح القضية أو تخصيص جزء من ريعهم لأجل المنكوبين، فليؤدوا في جولاتهم الفنية بعد توجيههم تحية لأرواح من علوا إلى السماء أغنيةً واحدة على الأقل لأجل فلسطين.

v    في الزيارات السياحية، يجدر بنا أن نطبع دليلاً صغيراً لتاريخ الحضارة في هذه البقعة من الأرض يبدي في فصلٍ رئيس مدى الهمجية الصهيونية التي شوّهته بكل ما ارتكبته، و ربط كثيرٍ من المواقع التاريخية و الدينية بجذورها في فلسطين، خاصة المتعلقة بنشوء الرسالة المسيحية السامية التي يحرص الصهاينة على الإساءة إليها حرصهم على مقاتلة رسالة الإسلام الحنيفة.

v    الموتى لا يصرخون. أما نحن فعلينا أن نفعل في كل فرصة يظن فيها الأعداء أننا لن نقلق راحتهم، لن نتركهم يسيرون على كرامتنا دون أن يتعثروا، فلنكتب رسائل اعتراض إلى الجرائد الغربية و الشخصيات العامة و المناصب السياسية و البرلمانية في كل أمرٍ يمسنا، و إن كان هناك من مستهزئين أو مشككين بجدوى هذه الطريقة، فليتذكروا نجاحها في إلغاء المعرض السياحي الإسرائيلي الثالث في باريس بعد مئات المكالمات الهاتفية و آلاف الرسائل الالكترونية التي تعترض على تنظيمه في فندق إنتركونتننتال، فليتذكروا قرار جامعة هامبشاير الأمريكية سحب استثماراتها من ست شركات محلية تتعامل مع إسرائيل إثر عريضة طلابية مترافقة مع احتجاجات منظمة، نستطيع أن نكتب رسائل استنكار للإدارة الجبانة في BBC (كما وصفها روبرت فيسك) على تمنعها عن نشر إعلان لإغاثة غزة، لوزارة الداخلية البريطانية على اعتقالها بعض مشرفي قافلة الإغاثة التي نظّمها النائب جورج غالاوي "شريان الحياة" مما أدى إلى انخفاض التبرعات بنسبة 80% رغم إطلاق سراحهم جميعاً دون توجيه أي تهم و بما يشي بالطابع الكيدي للأمر، لوزارة الخارجية الإسبانية على تصريحاتها بتدخل الدولة في صلاحيات قضائها منعاً لمحاكمة مطلوبين إسرائيليين بتهمة جرائم حرب، لمفوضية الاتحاد الأوروبي ضد اتفاقيتها لترقية العلاقات مع إسرائيل و لأجل وقف الشراكة الأوروبية الإسرائيلية قبل انصياعها للقرارات الدولية و إعادة كامل الحقوق لأصحابها. بإمكاننا أن نبدأ من إبداء خيبة الأمل و الصدمة في ارتكاب هكذا أفعال في دول الحرية و الديمقراطية و المساواة الإنسانية و ننتهي بإعلامهم بقرارنا تحويل وجهة سفرنا السياحي إلى بلدان أخرى و وضعهم على القائمة السوداء في منتدياتنا و منظماتنا و مؤسساتنا إلى أن يتراجعوا إلى جادة الحق.

v    فلنستخدم كل إمكانياتنا المتاحة أو نقنع من يملكها باستعمالها. من ذلك أن يرفع مزدوجو الجنسية دعاوى قضائية فردية ضد مجرمي إسرائيل خاصة أولئك مزدوجي الجنسية أيضاً بحيث تصبح شرعيتها متاحة تماماً أمام القضاء الوطني، و سيجدون كل دعم من منظمات محلية و دولية في متابعة القضية و لو لسنوات مع تسليط الضوء الإعلامي عليها. الاستثمار في الأراضي المحتلة قد يبدو ضرباً من الجنون، لكن إقامة منشأة صناعية أو مجمع سكني على أرض فلسطين كملكية أجنبية يتيح رفع دعوى تعويض فورية بمجرد اعتداء إسرائيل عليها. أيضاً التعاون لإنجاح اقتراح أطلقه المفكّر فهمي هويدي للتنسيق مع جمعيات غربية و دولية لمعالجة الجرحى بالغي الإصابة في أوروبا خصوصاً و إتاحة عرض مأساتهم في قلب دولهم.

v    فلنعط أصدقاء القضية سبباً للاستمرار و أعداءها دافعاً للاستتار. نراسل المراكز المهتمة بأسماء شخصيات إيجابية و سلبية مع عرض مختصر لما فعلته، ليصار إلى إصدار قائمة دورية يطيب لي أن أدعوها "مدام دوفارج" تيمناً باسم شخصية رواية ديكنز "قصة مدينتين" التي تنسج أسماء أعداء الثورة إلى أن تحين اللحظة المناسبة لملاحقتهم، و لكن قائمتنا ستتضمن الأصدقاء الذين يستحقون الدعم و المساندة و دعوتهم لمحاضرات و ندوات يطورون فيها موقفهم معنا، و الأعداء الذين سينالون من التضييق و المقاطعة و تتبعهم في كل خطأ يرتكبونه إلى أن يصمتوا أو ينالوا ما يستاهلون.

v    في كل ذكرى، لن ننس أن ننظّم مسيرةً أو معرض يعيد القضية إلى وعي الناس بالطريقة الأمثل التي تناسب كل قوم، و علينا أيضاً أن نثبت الحضور الدائم في وجدانهم بمشاركتهم تظاهراتهم و مناسباتهم و الاهتمام بقضاياهم بدل الانغلاق على أنفسنا و الشكوى من لا مبالاة العالم بمشاكلنا. الاهتمام يجب أن يكون متبادلاً.

v    فلنبدع و نشتط في أحلامنا فلا حدود لما يمكن أن تأت به الطاقات الدفينة إن تشاركناها. منذ مئة يوم، أعمل على مشروع  نواة فيلمٍ سينمائي عن مأساة غزة الأخيرة، يمازج الدرامي بالتوثيقي و يصل إلى وجدان المشاهد كأكثر من عرض صور مأساوية عن بشاعة الجريمة متجاوزاً إلى عمق القضية دون الإحاطة بوسعها.

 لقد كان للدكتور فائز صندوق تجربة شخصية مميزة برأس مالٍ بسيط لإنتاجه فيلماً وثائقياً "لأجل هذا" عن حرب تموز2006 بالاشتراك مع المخرج الفرنسي كريستيان بيل (عيسى أبو الهدى) و التي ركزت على شهادات الأحياء الذين اضطروا للنزوح والعيش في ظروف صعبة مستمرة حتى بعد انتهاء العدوان، و على صور الدمار مع تحاشي مناظر الموت و الألم الفاجع اعتماداً على رؤية المخرج ما يمكن أن يسمح بعرضه في الدول الغربية دون التحجج ببربرية الصور (و كأن المشرفين على الفيلم هم من صنعوها!)، و أهم ما ميّز التجربة كان الحرص على دبلجة الفيلم إلى أهم اللغات العالمية الواسعة الانتشار لإيصال الرسالة.

أيضاً لدينا تجربة المسلسل التلفزيوني "الاجتياح" الذي يتكلم عن مجزرة جنين2002، و رغم سقوطه في فخ التطويل الممل غير المبرر و سذاجة القصة العاطفية التقليدية إلا أنه دون شك قد كشف الكثير من الإمكانيات التقنية و بعداً جديداً في التعامل مع أحداث حقيقية بطريقة مختلفة عما اعتدنا، و مراعاته تنوع المجتمع الفلسطيني الفكري و الثقافي و الديني تماماً كما تعدد فصائل المقاومة مع توحدها في المواجهة.

تبقى أقرب التجارب العربية إلى ما أفكّر به و أكثرها نجاحاً كل من فيلم "ناصر 56" الذي أداه الراحل الكبير أحمد زكي باقتدار في الإحاطة بكل ملابسات الحدث مع إضفاء نكهة خيال على سياقها، و فيلم "الجنة الآن" الذي اقترب من منصة الأوسكار2006 لمخرجه هاني أبو أسعد الذي يعرض بإنسانية مميزة كل ما يسبق خبراً ستتناقله الصحف العالمية عن (عملية إرهابية) منددةً بها متعاميةً عن كل ما أوصل إليها.

و أعترف أن الأفضل كان فيلم "ميونيخ" للعبقري سبيلبرغ، في الارتداد من تفاصيل العملية باتجاه أحداث اغتيال الشخصيات الفلسطينية مع التواصل الإنساني بينها و بين القاتل الإسرائيلي المنتدب للمهمة، و مدى الاضطراب و الشك الذي يساوره بعدالة ما يفعل. و بغض النظر عن نقاط التوافق و التعارض مع رؤية الفيلم و أهدافه، لكنه من الناحية النقدية نجح بامتياز بالدخول إلى العمق النفسي لقضية سياسية تاريخية مثيرة للجدل.

إنني أرى بوضوح ما يجب أن يتم تقديمه في هذا الفيلم، المواقف، الجرائم، المناقشات، الشهادات، تقطيع المشاهد ...كل ما استطعت الحصول عليه حتى اللحظة كان وعداً بتأمين المادة الأرشيفية الكاملة للمجزرة من قناة (رامتان)- المقاتل المجهول في هذه الحرب – و وعداً آخر بتأمين بيئة الإنتاج و تسهيلات التصوير على التراب السوري مع الاتصالات اللازمة للحصول على تعاون الطاقات التمثيلية و الفنية، و تبقى أهم المشاكل في التمويل الضخم المتوقع لإنتاج فيلم على مستوى دولي ينافس في التظاهرات العالمية ناهيك عن الإقليمية، و العثور على مخرج و سيناريست لديهما رؤية كاملة من قلب غزة للحرص على كل التفاصيل الدقيقة في سير العمل.

لا شيء يعجز الإنسان إذا أراد، و المسألة بالنسبة لي موضوع وقت، إما أن تحين لحظتي أو أصل إلى لحظة الإنجاز. المهم أن الاستسلام ملغى في قاموسي.

كلٌ منا يقدر أن يفعل شيئاً و يلتزم أمراً، صغر أم كبر، ما يهم هو الإيمان به.

أتسمعون الأجراس؟ ... أنا أيضاً لم أسمعها، لذلك بدأت بقرع بعضها.

اقرعوا الأجراس

Tweet
Facebook Social Comments