حديث خطير لعالم نووى مصرى سابق

طباعة

 

لأكثر من نصف قرن دار الصراع العربي-الإسرائيلي حول سعي دول المواجهة العربية الى امتلاك آليات الردع النووي لتحقيق توازن القوى مع إسرائيل، ولكن دائما كان الغرب وإسرائيل يقفان بالمرصاد لإجهاض هذه المحاولات، وعدم التورع عن قتل العلماء العرب النبهاء في علوم الذرة، في ما شكل فصولا درامية ودموية في صفحات هذا الصراع، الذي شهد في بعض فصوله إبعاد مصر قسرا من هذا الطريق بعد معاهدة السلام المصرية -الإسرائيلية، ثم أتى الاحتلال الأميركي

للعراق لتجريد هذا البلد من إمكانياته المادية وكوادره العلمية المتخصصة في المجال النووي، فيما تدير إيران الآن صراعا عنيفا لإجبار العالم على الاعتراف بحقها في امتلاك هذه القدرات، وهو ما ترفضه كل من إسرائيل والغرب، الذين يحاولون إجهاض جهود إيران لتحقيق ذلك، وفي الوقت نفسه تسعى هذه القوى لإقناع العرب بشراء مفاعلات نووية جاهزة لتوليد الطاقة الكهربائية، وعدم السماح للعرب بامتلاك حق تصنيع الوقود النووي، والإصرار على اشتراط تسليم الوقود المستهلك أو المخصب إلى الدول الغربية الموردة، وبالتالي الدوران في فلك هذه الدول والارتباط بها، وتحمل المخاطر الكبيرة لهذه المحطات على البيئة والبشر في المنطقة العربية، في الوقت الذي لا تحتاج فيه معظم دول المنطقة لهذه المفاعلات الخطرة لأن المنطقة تمتلك في الواقع موارد طبيعة كبيرة ومتنوعة من بترول وشمس ورياح تكفي لتأمين احتياجاتها من الطاقة الكهربائية.
ومن داخل المعايشة الحقيقية لهذه القصة النووية العربية الدرامية، يتحدث للمرة الأولى عالم الفيزياء النووية المصري الكبير الدكتور فاضل محمد علي، في هذا الحوار الخاص الذي ادلى به لـ"السياسة"، كمشارك في صناعة معظم أحداث هذه القصة، ومطلع على كثير من أسرارها لمدة نصف قرن ويتحدث عن فصول مثيرة تكشف للمرة الاولى بعض جوانب من هذا الصراع الدرامي.
يقول الدكتور فاضل محمد علي: ان صراع دول المنطقة للحصول على الطاقة النووية وامتلاك أدوات الردع النووي بدأ بعد انتهاء حرب السويس في العام 1956، حيث سعت كل من مصر وإسرائيل لامتلاك تكنولوجيا التصنيع النووي في العام ،1958 اذ بدأت مصر في هذا العام وبالاتفاق مع روسيا على إنشاء أول مفاعل نووي تعليمي صغير في منطقة أنشاص قرب المعادي بالقاهرة، بقدرة محدودة تبلغ ميغاواتين فقط "مليونا واط" لأغراض التدريب والتعليم. كنت وقتذاك في المجر أتدرب ضمن دراستي الأكاديمية على مفاعل شبيه بالمفاعل الروسي، واشرف صلاح هدايت، المستشار العلمي للرئيس جمال عبدالناصر وقتذاك بالإشراف على هذا المشروع، وأقنع عبدالناصر بضرورة إعداد الكوادر العلمية اللازمة لإعداد جيل علمي قادر على استيعاب التكنولوجيا النووية اللازمة لنجاح واستمرار هذا المشروع القومي المهم، وبالفعل دربنا كوادر علمية كثيرة في إطار هذا المشروع، وتمكنت مجموعة من خمسة باحثين برئاستي في العام 1963 من إنجاز أول بحث علمي مصري يخرج من هيئة الطاقة الذرية المصرية لينشر في أكبر مجلة متخصصة في الفيزياء النووية، لكن بعد حربي اليمن (1962) ويونيو 1967 توقف المشروع، وهجرت هذه الكوادر هيئة الطاقة الذرية التي كانت تتبع رئاسة الجمهورية حتى ذلك الوقت.

ما علاقتك بإنشاء أول مفاعل نووي مصري؟
/ لقد صدر قرار بانتدابي من جامعة القاهرة إلى هيئة الطاقة الذرية، بعد أن تم اختياري الفيزيائي المسؤول عن المشروع رئيساً للمجموعة الفنية للإشراف على تسلم المفاعل الروسي، بعد ان تم الانتهاء من بناء مفاعل انشاص، كأول مفاعل مصري، في نهاية العام 1962، وعملية تسلم المفاعل تستغرق سنة، وجرى قياس الوقود واهتزازات المفاعل، ومستوى الاشعاع داخله، والتاكد ان الوقود لا ينهار، ومستواه ثابت.. والتأكد من عدم خروج الإشعاعات منه إذا أغلق، وكلها إجراءات مهمة تعلمتها في المجر وقمت وطبقتها على هذا المفاعل. وللأسف، فإن هذا المفاعل كان ضعيفا جدا منذ إنشائه، حيث لم يعمل كثيرا وضعفت قدرته بمرور الوقت حتى انخفضت من ميغاواتين إلى 1.25 ميغاوات، وتاليا لم تستطع مصر بذلك استكمال العمل في المشروع النووي بسبب ضعف الاقتصاد المصري بعد الانفصال عن سورية ودخولها حرب اليمن ثم جرها إلى حرب يونيو العام 1967 التي تسببت في نكسة عسكرية عرضت الاقتصاد إلى هزة كبيرة، واضطرت الدولة إلى توجيه معظم الموارد الاقتصادية والمالية للمجهود الحربي، لإزالة أثار العدوان وبالتالي تقلص الإنفاق المالي على البحث العلمي.

هل كان عبدالناصر جادا في المشروع النووي؟
/ لقد أقنع صلاح هدايت الرئيس عبدالناصر بالمرود العلمي لهذا المشروع الذي يرفع مستوى الدولة، وكانت الدولة تصرف بسخاء على المشروع، وإعداد كوادر علمية في هذا المجال، وكانت تلبي كل طلباتنا، ولقد ساعدنا في ذلك كثيرا البروفيسور النمساوي اورتنر، الذي كان أستاذا بكلية العلوم في جامعة القاهرة لفترة طويلة، وظل على حبه واعتزازه بمصر بعد رحيله إلى بلده وتعيينه رئيسا لوكالة الطاقة الذرية الدولية، حيث قدم لمصر خدمات كثيرة وبالفعل نجحنا في عمل تصميم لمفاعل نووي بقدرة zero power، وكان ذلك بداية لبناء مفاعل أكبر، وبالفعل أحضرنا الوقود والمواد اللازمة لذلك، إلا ان المشروع توقف بالنسبة لي تحديدا بعد أن أصدر عبدالناصر قرارا جمهوريا بسفري إلى العراق، لإعداد مخطط لإنشاء هيئة للطاقة الذرية في العراق وتدريب كوادره العلمية.

لماذا كان المفاعل الروسي ضعيفا وغير قادر على الوفاء بالاحتياجات الفعلية لمصر؟
/ لكون الروس باعوا لنا مفاعلا قديما "خردة" بالكيلو، حنفيات ومواسير وأجهزة إلكترونية، وكان عبدالناصر قد اشترط على الروس الاحتفاظ بالوقود النووي المستهلك من المفاعل، ولكن لأن المفاعل كان ضعيفا فإن الوقود المستخرج منه لا ينفع أن نستخرج منه البلوتونيوم الذي يعتبر أكثر غنى والذي يمكن استخدامه في تصنيع قنابل نووية، وبالتالي فان الوقود كان عبارة عن " نفايات نووية " تم وضعها في حفرة في المنطقة، وتسبب ذلك في مشكلات صحية كبيرة لمجموعة من الجنود لجأوا إلى لتلك الحفرة للاحتماء فيها من حرارة الشمس فأصيبوا بحروق شديدة.
لقد كان هدفنا الاحتفاظ بالوقود المخصب الناتج من عملية الانشطار النووي، وهذا الوقود أكثر غنى ـ كما أوضحت ـ ويستخدم في عملية تصنيع صواريخ مزودة برؤوس نووية أو قنابل نووية، إلا أن المفاعل ضعف بمرور الوقت ولم يشتغل كثيرا، لذلك كانت خطتنا بعد ذلك عمل تصميم مفاعل قوي لتوليد الطاقة الكهربائية بقدرة 150 مليون واط، وليس مليون واط كما في مفاعل انشاص التجريبي، واخترنا منطقة الضبعة على الساحل الشمالي لإنشاء هذه المحطة لوجودها على البحر ولبعد المنطقة عن العمران، وكانت المحطة ستستخدم في توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر، إلا أن إمكانات مصر المادية في ذلك الوقت لم تكن تمكنها من إنشاء هذه المحطة بمفردها، وكانت تحتاج إلى دعم مادي من الدول العربية خاصة بعد حرب العام ،1967 اذ تم تخصيص معظم الموارد للمجهود الحربي، وقد تحمست الكثير من الدول العربية لهذا المشروع في البداية، وعقدت ندوة عالمية في جامعة الدول العربية برئاسة الامير السعودي عبدالله الفيصل، لمناقشة المشروع المصري، والذي كان يهدف الى الاستفادة من الكوادر العلمية المصرية المتخصصة في الطاقة النووية، في إنشاء محطات نووية على الشواطئ العربية، وفي منطقة الخليج العربي، وليبيا تحديداً لتوليد الطاقة الكهربائية، وتحلية مياه البحر، اذ كانت الدول الخليجية تعاني من نقص المياه العذبة رغم توافر البترول بغزارة لديها. وشهدت الجلسات التي عقدت في مبنى الجامعة حماسة كبيرة من الوفود العربية والأجنبية التي شاركت فيها، خصوصاً وأن المشروع المصري كان يتضمن إنشاء مجتمعات زراعية حول هذه المحطات، إلا أن للأسف الشديد الموقف العربي لم يتجاوز حماسة جلسات المؤتمر، وتوقف عند هذا الحد ومات المشروع النووي العربي في المهد.

معنى ذلك أن مصر فكرت جديا في تنشيط مشروعها النووي بعد حرب 1967 لأغراض عدة؟
/ نعم لقد فكرت مصر في ذلك خاصة بعد أن تأكدت من نجاح إسرائيل في اختبار التفجير النووي الذي حدث في صحراء النقب في العام 1966، لقد كنت وقتها في العراق حيث كنت اجري تجارب على "السقط الاشعاعي" ونلم التراب بالشفط لقياس المواد المشعة في الهواء، ووجدنا مواد مشعة ناتجة عن انشطار نووي، وبتحديد التيارات الهوائية والاتجاهات، وعمر المواد المشعة ومنها "اليود 131" الذي لاينتج إلا عن تفجير نووي، وتم تحديد تاريخ الانفجار، ومكانه في صحراء النقب، واتصلت بصلاح هدايت الذي طلب مني العودة إلى القاهرة على وجه السرعة، وبعد ذلك بأسبوع كتب محمد حسنين هيكل في جريدة "الأهرام" ان إسرائيل اجرت تفجيراً في صحراء النقب لحفر قناة موازية لقناة السويس، ولم يقل انها تهدف إلى صنع قنابل نووية استعدادا لمواجهة عسكرية مع مصر حدثت بعدها بعام 1967، وكانت مصر قد خرجت من حرب اليمن منهكة عسكريا واقتصاديا.

هذا يدفعني للتساؤل عن القوى التي ساعدت إسرائيل في إنشاء مفاعل "ديمونا" ؟
/ تلك قصة تعود إلى العام 1963، حين أتيحت لمصر والأردن وسورية الفرصة نفسها التي أتاحتها الولايات المتحدة لإسرائيل في عهد الرئيس جون كنيدي لحيازة القدرات النووية، في ما يعرف بعقد "ال80"، اذ حضر وفد من النقطة الرابعة الأميركي إلى الشرق الأوسط، وعرض على كل من مصر وإسرائيل والأردن وسورية إقامة أربع محطات نووية للأغراض السلمية، بشرط اعادة الوقود المستهلك أو المحروق إلى الولايات المتحدة، وهو الوقود الذي يوجد فيه "يورانيوم مغنى"، والذي ترتفع فيه نسبة "اليورانيوم 235" باعلى من النسبة الطبيعية التي تبلغ 7 في المئة إلى 10 في المئة إلى 35 في المئة، وهذا الوقود بعد حرقه في المفاعل ينتج البلوتونيوم الذي لديه القدرة على الانشطار النووي، وتصنع منه القنبلة الذرية، لذلك يحظر دوليا، وهو المأزق الذي تقع فيه حاليا إيران.
والواقع أن العرض الأميركي كان جيدا ومفيدا لمصر، إلا اننا للأسف بسبب اعتمادنا على أهل الثقة وليس المتخصصين وقعنا في خطأ كبير، فقد حضر المفاوضات التي جرت غير المتخصصين، بالإضافة إلى خبير روسي كان يعمل في المخابرات الروسية، وسعى إلى إفشال الاتفاق بين مصر الولايات المتحدة، اذ تم إقناع عبدالناصر بضرورة ان يصر على ان تحتفظ مصر بالوقود النووي المستهلك وألا يرجعه إلى واشنطن تلبية لشرطها، كما حدث مع السوفيات، كما أصر الخبير الروسي في الاجتماعات على ان يتم الحصول على المفاعل من اميركا بالكيلوغرامات كما حدث مع المفاعل الروسي الضعيف في انشاص، ونتيجة لهذا الموقف الذي وضعنا فيه أهل الثقة، ضاعت الفرصة على مصر والدول العربية الاخرى في الحصول على مفاعل نووي للأغراض السلمية كان سيفيدنا كثيرا، ولساهم في تغيير موقفنا في هذه الصناعة وربما في كثير من أحداث التاريخ. ولكن للأسف أعلنت كل من سورية والأردن انهما ستتخذان موقف الشقيقة الكبرى مصر إزاء العرض الأميركي، والذي قبلته إسرائيل كما هو واستطاعت من خلاله ان تبني مفاعلها الأول في صحراء النقب ثم علمت على تطويره بعد ذلك، وتصنع فيه قنابلها الذرية، وتحقق الردع النووي في المنطقة لمصلحتها، في حين ضاعت هذه الفرصة على العرب بسبب ضعف الخبرة وعدم توافر الحنكة السياسية لضباط الجيش الذين كانوا يتولون مقاليد الأمور في ذلك الوقت، وعدم فهمهم لمتغيرات السياسة الاميركية في عهد ادارة الرئيس جون كنيدي، والتي كانت حريصة على إشاعة نوع من العدالة الدولية في المنطقة ولم نستطع ـ للأسف ـ الاستفادة منها، في الوقت الذي أخذنا فيه برأي الخبير الروسي والذي كان في الواقع عنصراً بالمخابرات الروسية والذي كان يسعى الى تحقيق مصالح روسيا أثناء فترة الحرب الباردة، ولو على حساب مصالح العرب.

وما قصة ذهابك إلى العراق والمساهمة في إنشاء هيئة للطاقة الذرية وإعداد كوادر علمية عراقية متخصصة في ذلك؟
/ لقد فوجئت بصدور قرار من الرئيس عبدالناصر بسفري إلى العراق بناء على اتفاق تم بينه والرئيس عبدالسلام عارف رئيس العراق في ذلك الوقت، لإنشاء هيئة للطاقة الذرية في العراق، ولم يكن لدى العراق في ذلك الوقت باحث واحد بدرجة ماجستير في الطاقة النووية، وتم تعييني مستشارا للهيئة، واعددت مخططاً هيكلياً لإنشاء الهيئة، وإعداد كوادر عراقية في الفيزياء النووية في مشهد مكرر لما حدث في مصر، والمساهمة في إنشاء أول مفاعل نووي عراقي، وهو مشابه لم رأيته في المجر أثناء فترة دراستي بها ومشابه للمفاعل المصري، وتم إعداد كوادر عراقية حتى عام 1967، وخلال هذه الفترة بنى العراقيون مفاعلاً نووياً روسياً على نمط مفاعل أنشاص ولكن أكثر تطورا، فقد تمكنوا من زيادة قدرته بعد ذلك من ميغاواتين إلى 10 ميغاوات بالتعاون مع كل من تشيكوسلوفاكيا وكندا. أتى الرئيس أحمد حسن البكر بعد نجاح ثورة البعثيين على القوميين في العراق، ثم خلفه صدام حسين في الحكم بالطريقة المعروفة تاريخيا، وبدأت الأمور تتغير بعد وصول صدام حسين إلى الحكم، وتغييرت وجهة العراق إلى مكان آخر، إلى فرنسا للحصول على مفاعل نووي اكثر تطورا واعداد كوادر اكثر خبرة، وذلك في إطار صفقة اقتصادية تاريخية كبرى.
وكان صدام قد اتفق مع فرنسا على أن تزوده بالمفاعل والوقود مقابل تأمين إمدادها بالنفط الخام لمدة 20 عاما في اتفاق تعاون ستراتيجي جعل فرنسا تدافع عن نظام صدام حسين ومعارضة الإدارة الأميركية في محاولاتها التخلص منه، وهو ما تجلى في المعارضة الفرنسية الشديدة لقرار الحرب على العراق، وقد ساعد هذا الاتفاق العراقيين في نقل التكنولوجيا النووية وتكوين كوادر علمية.
منذ عام 1970 نجح العالم في التوصل إلى تكنولوجيا الطرد المركزي، بعد أن تعاونت كل من ألمانيا، التي فرض عليها حظر دولي في ممارسة أي نشاط نووي حتى الآن، وبلجيكا، وإسرائيل، وجنوب إفريقيا التي كانت واقعة تحت حظر دولي من الأمم المتحدة بسبب سياسة الفصل العنصري، وكان الاتفاق أن تمد إسرائيل جنوب إفريقيا بالزوارق السريعة، وتزودها ألمانيا بالصواريخ مقابل تزويد هذه الدول باليورانيوم الخام من جبالها الغنية بهذا العنصر المشع، ونقل اليورانيوم إلى بلجيكا لإجراء الأبحاث للقيام بالفصل أو الطرد المركزي لليورانيوم 235، وكان ذلك من أصعب ما يمكن في هذا الوقت بدلا من الطرق التقليدية التي تنتج يورانيوم اضعف أو أقل غنى وبتكلفة أعلى، وهكذا تمكنت إسرائيل من الحصول على هذه التكنولوجيا الجديدة وإنتاج قنابل ذرية في وقت قياسي.

في هذا التوقيت ما هو الدور الذي اداه العقيد معمر القذافي في مساعدة باكستان للحصول على التكنولوجيا الجديدة من بلجيكا، وتأمين حصولها على اليورانيوم الخام؟
/ بعد نجاح ثورة الفاتح من سبتمبر، بدأ القذافي في مساعدة باكستان بشكل كبير لإنتاج قنبلة ذرية بسبب الحصار الذي كان يواجه العرب في حيازة السلاح النووي لتحقيق التوازن مع إسرائيل، وارسل القذافي مجموعة من الفيزيائيين النوويين الباكستانيين، تضم خمسة خبراء منهم رئيس هئية الطاقة الذرية الباكستاني عبدالقدير خان، وكان وقتذاك شابا، إلى بلجيكا لتدريبهم على تكنولوجيا الطرد المركزي، واستطاع القذافي أن ينقل بطريقة غير مباشرة نوع المعدن الذي يستخدم في الدوران، من بلجيكا الى باكستان، واخذت ليبيا طن يورانيوم من إقليم أوزو (شمال تشاد)، وارسلته إلى باكستان عن طريق ميناء سرت الليبي في سرية تامة، و نجحت باكستان في إجراء عملية الطرد المركزي لليورانيوم وإنتاج قنبلة ذرية، وقد مارست الولايات المتحدة وباكستان ضغوطا كبيرة لوأد هذا المشروع حتى نجحت الهند في إنتاج قنبلة ذرية، ولكن بالطريقة التقليدية القديمة. واجرت الدولتان أول اختبار نووي في اليوم نفسه، ودخلتا إلى النادي النووي الدولي، ووجد القذافي في هذا النجاح فرصة للقيام بمغامرة لاحتلال منطقة أوزو شمال تشاد بعد ظهور أهميتها لما تحتويه من خام اليورانيوم، إلا أن فرنسا والولايات المتحدة دعمتا حكومة تشاد في حربها مع ليبيا ونجحت في طرد الجيش الليبي من الإقليم.
وهكذا تبين للعراق في بداية فترة صدام ضرورة استخدام آلية الطرد أو الفصل المركزي لليورانيوم للحصول على البلوتونيوم الغني ، وتم تعديل الاتفاقية بين البلدين بين عامي 1978 و1979 لتتضمن اليورانيوم 235 بنسبة تركيز 94 في المئة، وكان على العراق أن يرسل الى فرنسا وفدا يضم فيزيائيين ومهندسين نوويين لإنجاز هذا الاتفاق، وهنا بدأت مأساة العالم المصري الدكتور يحيى المشد. لقد كانت المخابرات الأميركية والإسرائيلية مخترقة النشاط العراقي عن طريق الدكتور جعفر ضياء جعفر ابن اللواء ضياء جعفر، رئيس القوات الجوية، الذي هرب بطائرة ومعه أسرته الى المانيا ومعهم ثرواتهم، حيث طلب حق اللجوء السياسي بسبب الأوضاع في العراق ، وهناك حصل ابنه جعفر على الدكتوراه، وعندما جاء صدام إلى السلطة فتح ذراعيه لكل الطيور المهاجرة العراقية والعربية بمن فيهم جعفر ضياء الذي تولى مسؤولية هذا الملف حتى سمي أبو المشروع النووي العراقي، وعندما عرض على الوفد السفر إلى فرنسا بمن فيهم أنا رفضت السفر، وحذرت يحيى المشد وقلت له ستقتل، وكان ذلك في منزله في نوفمبر العام 1979 بحضور زوجته وزوجتي إلا أنه قال لي: مصيبة متوقعة أو كرب محقق! فسألته: ماذا تعني بذلك فقال: "الكرب الذي نعيشه الآن أن علماءنا يتسولون في الخارج وهذه مصيبة"، وأضاف: "إذا رجعت إلى مصر لن أستطيع أن أطعم أولادي، والمصيبة المتوقعة هي الموت، والأعمار بيد الله"، وهكذا اضطر المشد إلى السفر إلى باريس والوقوع في الفخ الدموي.

منذ متى كنت تعرف الدكتور المشد؟
/ لقد تعرفت الى يحيى المشد بعد عودته من بعثته العلمية من موسكو في عام 1963، والتحاقه بالعمل في هيئة الطاقة الذرية بعد تعيينه في جامعة الإسكندرية، حيث كلفنا صلاح هدايت بتصميم مفاعل نووي بقدرة 150 مليون واط، بدلا من المفاعل الروسي الذي تبلغ قدرته مليونا واط فقط. سافر المشد إلى العراق عام 1975 بسبب تجميد المشروع النووي المصري بعد حرب أكتوبر عام ،1973 وسوء الأوضاع المالية للعلماء المصريين، وحصل على إعارة إلى العراق لمدة أربع سنوات من الجامعة، ولما كانت الإعارة المصرية محددة بأربع سنوات فقط اضطر المشد للاستقالة من جامعة الإسكندرية، وتجديد عقده مع العراق، واضطر بسبب هذه الظروف الى أن يوافق على السفر إلى فرنسا مع الوفد العراقي، وهناك حدثت المؤامرة على حياة يحيى المشد، حيث تم إنزاله في فندق وحده بعيدا من الوفد العراقي، على عكس عادة وفود الدول، الذين ينزلون في فندق واحد للتشاور ، وأصر جعفر ضياء على نزول المشد في فندق آخر، وهكذا قدم المشد فريسة سهلة للمخابرات الإسرائيلية "الموساد"، فاستفردوا به ودخلوا عليه غرفته واستجوبوه بعنف وكسروا جمجمته واخرجوا دماغه وتركوه مضرجا في دمائه لتخسر الأمة العربية عالما نوويا ذا قيمة كبيرة.

إيران تواجه حاليا صراعا مع الغرب وإسرائيل لحيازة القدرات النووية بعد نجاحها في إنتاج صواريخ تصل الى عمق إسرائيل، فهل ستنجح في ذلك ؟
/ إيران تسعى الى فصل الوقود بطرق كيماوية عن طريق الطرد المركزي، وهي الطريقة نفسها التي نجحت كوريا الشمالية بها لإنتاج قنابل نووية، والمأزق الذي تواجهه إيران هو الحظر الدولي على تملك الوقود المحروق، فالغرب ليس خائفا أن تنتج إيران قنابل ذرية، ولكنهم خائفون أن يكون لديها وقود محروق burned fuel الذي يحتوي على نسبة عالية من البلوتونيوم 239، وبالتالي تستخدمه في صناعة مفاعل ثان، ولهذا فإن إسرائيل والولايات المتحدة يهددانها باستمرار بضرب مفاعلها، حتى تكون إسرائيل هي القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط خصوصاً بعد احتلال العراق، وتجريده تماما من امكاناته العلمية والمادية النووية.

ذكرت أن مصر فكرت بالعودة إلى إحياء مشروعها النووي في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي لتوليد الكهرباء، لماذا توقف هذا المشروع ؟
/ منذ أوائل السبعينات كانت الفكرة المصرية ـ كما أوضحت ـ لإنشاء مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، إلا أن المشروع فشل بسبب عدم توافر الامكانات المادية لمصر، وان تم في عام 1974 تخصيص ارض في منطقة الضبعة على الساحل الشمالي لإنشاء هذه المحطة، وتم إنشاء هيئة المفاعلات النووية للمساعدة في إنشاء هذه المحطات، وانتقلت تبعيتها من رئاسة الجمهورية لوزارة الكهرباء، إلا أن وزير الكهرباء السابق المهندس ماهر أباظة الذي كان متحمسا في البداية للمشروع، وجد بعد ذلك أن تكلفته كبيرة ومخاطره أكبر في حين تتوافر لمصر امكانات أخرى طبيعية بديلة، مثل الشمس والرياح يمكن استغلالها لتوليد الكهرباء، وزاد من تلك القناعة حادثة التسرب النووي في مفاعل "تشرنوبل" السوفياتي الشهيرة، وهكذا بقيت هيئة المفاعلات النووية من دون محطات نووية، ولم يعد لدينا الآن الامكانات ولا الكوادر العلمية لهذا، ثم لماذا نتجه إلى إنشاء هذه المحطات النووية التي تحمل في داخلها مخاطر كبيرة على البيئة والإنسان في حالة حدوث أي خطا في تشغيلها، أو داخلها لأي سبب كان، وفي الوقت الذي يتخلص فيه الغرب من هذه المحطات، فالمانيا على سبيل المثال، التي كانت تعتمد بنسبة 100 في المئة على هذه المحطات لتوليد الكهرباء وضعت برنامجا لمدة ست سنوات للتخلص منها.

ما الذي يخيفك من إنشاء هذه المحطات في مصر أو الدول العربية ؟
/ دعنا نعترف نحن شعب بطبيعتنا "مستهلك للتكنولوجيا" ونأخذ التكنولوجيا من أطرافها، ولا ندرسها، فاذا اشترينا جهازا جديدا لا نقرأ الكتالوغ ونستسهل الأمر، ونشغله فقط من دون معرفة إمكاناته الحقيقية، فالمشكلة في مصر هي نقل التكنولوجيا، والخطأ في مفاعل نووي غير الخطأ في تشغيل موبايل، ولسنا بعيدين من انفجار محطة "تشرنوبيل" النووية في روسيا، فقد حدث الانفجار بسبب عدم السيطرة على حرارة المفاعل، وربما بسبب قدم الأجهزة أو تلفها، فحدث غليان شديد للوقود النووي، وتبخر وانفجر المفاعل وحدثت الكارثة، ومثل هذا الخطأ إذا ما حدث في مصر سيكون كارثة باهظة الثمن، ثم لماذا نلجأ الى هذه التكنولوجيا الخطرة لتوليد الكهرباء، ولدينا موارد طبيعية تمكننا من إنتاج الطاقة التي نحتاجها، مثل الشمس والرياح؟ فالرياح في منطقة البحر الأحمر قوية، ويمكن استخدامها بنجاح، وكذلك الشمس التي يمكن تكثيف الأبحاث العلمية لإنتاج الطاقة الكهربائية منها بتكلفة اقتصادية. ثم افترض أن الدول التي اشتريت منها مفاعلات نووية رفضت إمدادك بالوقود النووي بزعم عدم الالتزام بشروط الاتفاق، أو لأي سبب او لخلاف سياسي، كما أن الدول العربية التي ستشتري هذه المحطات لن يكون لديها استقلالية في الاحتفاظ بالوقود النووي لأن هناك حظرا من وكالة الطاقة الذرية تقوم بالتفتيش للتأكد من ذلك، وإذا ما خالفت كما حدث مع العراق من قبل، ومع إيران الآن، ستدخل في مواجهة مع المجتمع الدولي والوكالة الدولية، ثم أن شراء هذه المحطات لا تعني أنك على علاقة بالعصر النووي، لأن هذه المحطات عبارة عن مصانع فقط لأنه لم يعد لدينا الكوادر العلمية المؤهلة لذلك، وأرى أن هذه المحطات نوعا جديدا من الاستعمار يتيح للدول الكبرى التدخل في شؤوننا الداخلية.

هل تحاول سورية فعليا دخول المجال النووي كما بدا في حادثة دير الزور؟
/ حتى ثلاث سنوات مضت لم يكن لدى سوريا كوادر في المجال النووي، وأعتقد أن مزاعم الولايات المتحدة وإسرائيل عبارة عن زوبعة سياسية لتبرير توجيه ضربة عسكرية أخرى لسورية، في الوقت الذي تنتج فيه إسرائيل القنابل الذرية والصواريخ حاملة الرؤوس النووية التي توجهها إلى كل الدول العربية يحرم العرب من الردع.

هل الوكالة الدولية للطاقة يمكن ان تضمن حصول الدول العربية على الوقود اللازم لتشغيل هذه المحطات في حالة بنائها ؟
/ الوكالة لا تمد أحداً بالوقود لأنها رقيب فقط، تفتش للتأكد من أن الدول غير أعضاء النادي النووي لا تهدد السلم العالمي، لكون الدول أعضاء النادي النووي تحظر على بقية الدول امتلاك هذه القدرات، والوكالة لا تفتش على إسرائيل لأنها مستثناه، لأن إسرائيل تقدم خدمات للغرب لحماية مصالحه في المنطقة، ولذلك فمن مصلحة الغرب أن تظل دول المنطقة ضعيفة جدا، إذن ما المبرر أن أصرف مبالغ باهظة لشراء محطات نووية لست في حاجة إليها لتوليد الكهرباء من الطاقة.

وأخيرا سألت الدكتور فاضل محمد علي: لماذا غيرت نشاطك العلمي من العمل في الفيزياء النووية إلى الفيزياء الحيوية؟
/ حينما عدت إلى مصر عام 1979 وقررت إنشاء أول قسم للفيزياء الحيوية في مصر والشرق الأوسط وإفريقيا، لكونه هو علم المستقبل الذي سيفيد الأجيال القادمة، وعن طريقه يمكن الاستغناء عن المبيدات والكيماويات في مواجهة الحشرات والفطريات والفيروسات التي تفتك بحياة الإنسان والبيئة، ولذا أركز أبحاثي حاليا على مخاطبة خلايا الميكروبات والفيروسات لتحويرها حتى يتمكن الجهاز المناعي للإنسان من التهامها والقضاء عليها من دون استخدام كيماويات، وذلك عن طريق حزمة معينة من الموجات الكهرومغناطيسية توجه الى هذه الفيروسات لتحوير صفاتها الوراثية لتسهيل الأمر على الجهاز المناعي للإنسان للقضاء عليها.

 

Tweet
Facebook Social Comments