وماذا بعد الفوز بالانتخابات في العراق؟

طباعة

لقد أفرزت نتائج انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة واقعا سياسيا وإداريا جديدا تحقق بفعل إرادة الجماهير التي استطاعت باختيارها وإرادتها قلب الواقع والخارطة السياسية والإدارية في البلد وإعادة صياغتها بشكل جديد ولو بشكل جزئي ، وهو ما اعتبره تصحيحا لكل الأوضاع السابقة بما فيها من أخطاء وانحرافات أملتها إرادة القوى الداخلية الخارجية المهيمنة والمتسلطة والآليات والنظم السياسية والانتخابية .

ولعل من أهم تلك النتائج أن الجماهير استطاعت إزاحة وإسقاط كل الفاسدين والمقصرين واللصوص وكل من ساهم في زيادة معاناتها وسرقة حقوقها وأموالها وكل من أكل السحت والحرام وأثرى على حساب أموال وحقوق ودماء هذا الشعب ، فجردتهم من حصانتهم وسلطاتهم وحماياتهم وكل مظاهر وأشكال الغرور والتكبر والتعالي عليها وأعادتهم إلى الواقع الذي جاؤا منه والذي سيعود إليه حتما كل من يقهر الجماهير ويعمل ضد إرادتها ويهضم حقوقها ويتناسى قدراتها.

وحتما انه في الجولات والممارسات الانتخابية القادمة ستكمل الجماهير إزاحة وإسقاط كل الفاسدين والسراق ، فعلى الجميع ولاسيما الفائزين في انتخابات اليوم أو الذين لازالوا في السلطة حتى الآن وينتظرون ما ستفرزه الجولات الانتخابية القريبة القادمة والتي سوف تطيح حتما بآخرين كما أطاحت بهؤلاء أن يلتفتوا جيدا إلى هذا الواقع وان يعلموا أن (الشعب يشور)، وان كل من يريد الإبقاء على واقعه ومستقبله السياسي والإداري وكل من لديه الرغبة في الاستمرار في خوض العملية السياسية والانتخابية عليه الالتفات إلى هذا الواقع الجديد وما أفرزته إرادة الجماهير وان يحذر من قهر ومصادرة حق وإرادة الشعب، وان عليه أن يعمل منذ الآن عل التقرب أكثر من الجماهير والتماس بها وان يكون أكثر صدقا وإخلاصا لها وكثر حرصا ودفاعا عن أموالها وحقوقها وثرواتها ومكاسبها وأكثر عطاء وخدمة لها.

أن هذه الانتخابات ليست نهاية المطاف والأربع سنوات مدة قصيرة في حياة وذاكرة الأمم والشعوب وسرعان ما تنتهي وتبقى فقط آثارها وإنجازاتها وشخوصها في ذاكرة الجماهير. ومن ذاق حلاوة النصر والفوز وحظي بمميزات وامتيازات ونعم المنصب والسلطة اليوم لابد من انه سيخسرها غدا إن كان ساعيا أصلا ورائها .

إن المسؤولية اكبر وأعظم على القوائم الأكبر والتي حظيت بنتائج كبيرة وعدد مقاعد أكثر ونالت قدرا اكبر من ثقة الجماهير، ولعل في مقدمة هذه القوائم ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي والتي فازت بأغلبية كبيرة أو ساحقة في محافظات كثيرة ، وهذا الفوز هو دين للجماهير برقبة الفائزين ويستدعي ثمنا وعطاء كبير تجاه من منحوهم الفوز والثقة .

ولاشك أن هناك أسبابا وعوامل دعت الجماهير إلى الثقة بهذا الائتلاف وانتخابه ونصرته دون غيره، وفي مقدمة هذه العوامل والأسباب:

·   هو نجاح المالكي في بعض جوانب الحكم والإدارة ولاسيما نجاحاته في الجانب الأمني وتحقيق شيء من الأمن والاستقرار.

·   إن الجماهير وبعد تجربتها المريرة مع الإدارات المحلية السابقة والتي لم تقدم شيئا يذكر وبعد تراجع مستويات إنجازها وأدائها إضافة إلى فساد معظمها بدأت البحث عمن يخلص لها ويقدم لها الخدمات والإنجازات ويحافظ ويؤمن حقوقها ومصالحها وهم حتما غير الموجدين حاليا ومن قوى مغايرة بعض الشيء عن كل ما موجود على الساحة الآن.

فالجماهير تريد المزيد والفضل من العطاء والخدمات وملت كثرة مبررات الفشل والتراجع وملت كذلك كثرة الشعارات والوعود الجوفاء والمستهلكة.

والحقيقة التي يجب على جميع القوى الخاسرة أو التي تراجعت شعبيتها وواقعها أن تعييها هو الوقوف طويلا والتأمل في أسباب وعوامل هذا الفشل والتراجع ومعالجة كل السياسات والمناهج وحتى الشخصيات الخاطئة والمرفوضة والممقوتة من قبل الجماهير والتي أدت إلى هذا التراجع والفشل .

ومما يجدر ملاحظته أن من فاز في قائمة ائتلاف دولة القانون (هو ليس حزب الدعوة وليس بسبب وجود حزب الدعوة في هذا الائتلاف ) فلو أن حزب الدعوة شارك في الانتخابات باسمه الصريح ومن دون ائتلاف مع الآخرين فان نتائجه لن تكون بهذا المستوى ولن تكون بأفضل من نتائج الآخرين ، ولو أن المالكي فشل في إدارته وحكمه طيلة هذه المدة ولم يحقق ما حقق من إنجازات أو لو أن قيادة أخرى غير المالكي كانت على راس الدعوة ولم تنجز شيئا فان ائتلاف دولة القانون أو حزب الدعوة لن يحقق نتائجا أفضل ، وهاهو الجعفري مثلا زعيم الدعوة ورئيس الوزراء السابق وبرغم ذلك لم يحقق نتائجا تذكر في الانتخابات ، بل إنني أتوقع لو أن حزبا آخر غير الدعوة كان هو الحاكم وأنجز ما أنجزه الدعوة كان ليحقق نفس النتائج ، ولولا وجود قائمة المالكي في الانتخابات فإنني أتوقع أن هناك قوائم أخرى حتى من غير الإسلاميين كانت حققت نتائج كبيرة كما حصل مع فوز الحبوبي في كربلاء الذي حقق بمفرده نتائج كبيرة جدا عجز عن تحقيق ولو جزء بسيط منها قوى وتحالفات كبيرة أو كما حصل في بعض المحافظات السنية التي فازت فيها قوائم محلية صغيرة وجديدة برغم وجود أحزاب كبيرة ومتفوقة خسرت بسبب إخفاقاتها وسياساتها.

والحقيقة الأخرى في هذا الموضوع أن الجماهير لم تعد تهمها المسميات والشخصيات بقدر ما يهمها الإنجازات والمكاسب والعطاء فائتلاف دولة القانون فاز ليس بسبب شخص المالكي كشخص مجرد بل بسبب إنجازاته ونجاحاته ، وفوز الحبوبي في كربلاء ليس بسبب انه مجرد الحبوبي برغم أن هناك الكثيرين قد رشحوا كشخصيات منفردة ومستقلة ، والحبوبي بسب تعلقه بذاكرة الجماهير وحبها له لأنه رجل عطاء وعمل وإنجاز نزل ولامس واقع الناس ومشاعرهم وهمومهم ، وبرغم ابتعاده لسنوات عن أضواء السلطة فانه حين عاد عاد موفقا ومتفوقا على الآخرين بسبب دعم ووفاء الجماهير له.

ولان على الجميع الإقتداء بهذين المثالين المالكي والحبوبي برغم الفوارق بين الحالتين ولكنهما تصلحان درسا ومثالا لكل من يريد الاستمرار في الإدارة والعمل السياسي والنجاح فيهما ولو بعد أربع سنوات مثلا.

وأود هنا أن أوجه الحديث إلى قادة ائتلاف دولة القانون والى المالكي الذين يفكرون حتما في خوض انتخابات مجالس الاقضية والنواحي وانتخابات مجلس النواب القادمة وأنهم يفكرون بديهيا في الفوز بها بنفس فوزهم في انتخابات مجالس المحافظات ، ولكن هل ذلك ممكن تحقيقه بالنسبة لهم ؟

إن تحقيق ذلك ممكن ولكن :

أولا: على المالكي الاستمرار وتصعيد إنجازاته وعطاءاته ومكاسبه وتحقيق المزيد من النجاحات ليس امنيا فقط ولكن في مجالات الاعمار والبناء وتحسين مستويات الخدمات والمعيشة والرفاه الاجتماعي .

ثانيا : العمل وفق قاعدة ( الرجل المناسب في المكان المناسب ) ، فمثلا قوائم ائتلاف دولة القانون هي التي ستحدد وتختار المحافظين ورؤساء مجالس المحافظات التي فازت فيها وحتما ستتدخل بشكل كبير في كافة مفاصل وإدارة هذه المحافظات ومن هنا لابد من يكون الائتلاف دقيقا جدا في اختيار من سيتولون هذه المناصب أو المساهمة مع الآخرين في اختيارهم إن سيكونوا من خارج شخصيات الائتلاف ويجن مراعاة الكفاءة والإخلاص والنزاهة والولاء والانتماء الوطني والسيرة والسمعة والتاريخ النظيف والمشرف وعدم الاكتفاء أو الركون إلى الانتماء أو الولاء للحزب والتاريخ والعمر الحزبي الطويل فقط ، فقد يكون ذلك ضارا بالائتلاف ونجاحاته وضد رغبة وإرادة الجماهير، وهو ما حدث فعلا في السابق وفي بعض الأماكن.

ثالثا: عدم العمل ضد إرادة ورغبة الجماهير وفرض اختيارات وشخصيات غير مؤهلة وغير مرغوبة جماهيريا تفرضها المصالح والصفقات والتحالفات الحزبية والسياسية وعلى حساب المصالح العامة والجماهيرية ، والوقوع بنفس أخطاء الماضي التي جاءت بالسيئين الذين أصبحوا عبأ ووبالا على قواهم وعلى الجماهير، والإتيان هذه المرة بمن هم أسوأ.

رابعا: لقد أعادت الانتخابات الحالية وبسبب الآلية التي اتبعتها قوى وشخصيات غير مرغوبة فوصلت إلى مجالس المحافظات بالضد من رغبة الجماهير،فعلى الائتلاف تجنب إعادة وتأهيل هذه القوى والشخصيات المرفوضة والفاشلة وإعادتها إلى مناصبها السابقة أو منحها مناصب ومواقع سيادية وحيوية ومهمة ومؤثرة ،بدعوى مبررات المصالح والتحالفات الحزبية وبالضد من المصلحة العامة وإرادة الجماهير والذين قد يسببون الفشل والتراجع للائتلاف.

أخيرا وهي ملاحظة قد تكون شانا حزبيا خاصا ولكن عندما يكون الحزب حاكما فانه ليس ملكا لقياداته وكوادره فحسب وان أخطائه وإخفاقاته الحزبية ستنعكس حتما على السلطة والحكم وبالتالي على عموم الجماهير ، إن ما أود قوله هو أن على المالكي كزعيم للدعوة وعلى قيادات الدعوة الأخرى الالتفات إلى الواقع الذي هم عليه اليوم كحزب حاكم مطالب بتقديم قيادات وشخصيات جماهيرية وللسلطة تكون على مستوى عالي من الكفاءة والنزاهة والوعي والجماهيرية وعلى مستوى عالي من القرب إلى قلوب ونفوس الجماهير والتأثير فيها والاهم انتمائها وولائها العراقي وتاريخها وماضيها الجيد وعدم الاكتفاء بما هو كائن حاليا والانغلاق والانطواء داخل الإطارات الحزبية التقليدية و الضيقة وفي داخل الأبراج العالية والبعيدة والمتعالية على الواقع والجماهير كما حاصل اليوم لدى بعض القيادات ورجال الأحزاب والسلطة، ولابد من التحول إلى السياسات الجماهيرية وعدم الاكتفاء بما هو نظري وتقليدي ورفد الحزب بالدماء الجديدة والواعية القادرة على قيادة الحزب وإشغال السلطة، والاهم هو أنها تستطيع أن تكون عوامل جذب واستقطاب للجماهير نحو هذا الحزب في كل وقت سواء في مواسم الانتخابات أو غيرها وليس عوامل نفور وطرد كما هو الحال مع البعض الآن. فالدعوة مطالب بان يكون حزبا أكثر استقطابا وجماهيرية وعلى كافة المستويات واستثمار ما تحقق له من إنجازات خلال فترة ولاية المالكي والتي زادت من رضى وقبول الجماهير لهذا الحزب أكثر من غيره من الأحزاب الأخرى، فالأحزاب العراقية أصبحت تعمد إلى شراء الموالين والمنتمين والأنصار بالمال والمغريات ، ولاسيما في مواسم الانتخابات، والبحث عن شخصيات معروفة و مرموقة وجماهيرية ترفدا بها قوائمها لأنها تفتقر إلى مثل هذه الشخصيات في أحزابها ، ولذلك نرى تصاعد ظاهرة تحالف بعض القوى والأحزاب الكبرى مع الشخصيات والقوى المستقلة وزجها معها في قوائمها، لان هذه القوى والشخصيات تحظى بقبول ودعم اكبر من الجماهير، وللأسف  إن الكثير من القوى والأحزاب أصبحت تعمد إلى شراء أصوات الناخبين بالمال والهبات لأنها لا تملك سوى المال والقوة في الوقت الذي تفتقر فيه إلى القواعد والواقع الجماهيري الذي يؤهلها للفوز ، ولا تملك سياسات وإنجازات وبرامج  تدفع الجماهير نحوها وتقنعها بها وبانتخابها.

                                                                                 كربلاء المقدسة

                                                                                  5 /3/2009

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عضو الجمعية الوطنية العراقية ورئيس الكتلة الوطنية المستقلة وعضو الأمانة العامة لاتحاد البرلمانيين العراقيين.

 

Tweet
Facebook Social Comments