عمرو موسى والأسلوب غير المقنع

طباعة

         لم يكن السيد عمرو موسى مُوَفقا في الدفاع عن نفسه، ولا في تبرير مواقفه السياسية كأمين عام للجامعة العربية، فخلال اللقاء الذي أجرته معه قناة الجزيرة القطرية يوم العاشر من فبراير كان مُضيفه السيد حسين عبد الغني يُوجِّه إليه الأسئلة اللاذعة بمنتهى الوضوح والصراحة، بينما كان السيد موسى أبعدَ ما يكون عن اجتذاب عقول المشاهدين ولا حتى قلوبهم،

فقد بدا ضعيفَ الحجة واهِيَ البرهان وهو يجتلبُ لِفيهِ الكلمات، ويلوي أعناقها؛ لعلها تطيعُه فتدرأ عنه التهَمَ التي تكيلها له الجماهير العربية، أو لعلها تقيهِِ مواقف الريبة والتشكيك.

 

         ففي مَعرض تبريره لحالة التردّدِ والارتباك التي اعترته في قمة دافوس 2009  في أعقاب التلاسُن الذي جرى بين رئيس الوزراء التركي والرئيس الإسرائيلي بسبب العدوان الظالم على قطاع غزة، فقد أفاد السيد موسى أنه لم يكن يليق به الانسحابُ مِن المؤتمر تأييدا لرئيس الوزراء التركي، فما يناسب (رجب طيب أردوغان) لا يناسبه، ولأنه لا يريد أن يترك الساحة العربية في المؤتمر دون مُدافع، فقد كان يتوقع مِن رئيس الجلسة تلخيصا لما جرى، ولا بُدّ مِن وجودٍ عربي يُصوّب ما قد يتضمنه ذلك التلخيص مِن مُغالطات!! علاوة على أنّ التعبير عن المواقف السياسية بالانسحاب مِن الجلسات عملية سينمائية ليس غير في رأي السيد موسى. ترى  ألا يعلمُ سيادة الأمين العام أنّ كثرة الحجج والتبريرات توجب الظِنّة أكثرَ ممّا تجبّ التهمة!!؟

 

         وردّا على ما يُؤخذ عليه مِن تأييده المستمر والمطلق لمواقف السعودية ومصر قال السيد موسى: " ولِمَ لا؟!! هذه ليست سُبّة يُعيّرُ بها "، ثم أردف قائلا: " أنا بالمقابل أيّدتُ مُطالبة قطر بعقد قمة عربية "، اللهَ اللهَ يا سيد موسى!! فالمواقف السعودية والمصرية مِن العدوان الأمريكي على العراق 2003 والعدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 وعلى غزة 2009 مواقف معروفة جيدا لدى الجماهير العربية، وهي مواقف يَصعب الانحيازُ إليها أو تبريرها أوالدفاع عنها. أما موقفك البطولي بتأييد الدعوة القطرية لعقد قمة عربية فليتكَ تدرك أنّ الجماهير العربية لم تعُدْ تعلق أية آمال على مؤتمرات القمة، ولا يروق لها سماع أخبارها، كما أنها غير معنية بلقاءات المصالحة الزائفة التي تعقد في هذه العاصمة أو تلك وبين هذا الفريق أو ذاك.

 

         وعندما قال مُقدِّم البرنامج بأن الشارع العربي يرى أنّ عمرو موسى بات أسيرَ الهدايا والهبات التي يتلقّاها مِن المسؤولين العرب، وأنه لا يستطيع أنْ يفكّ نفسه من أغلالها، وأنّ تلك الهدايا والهبات تمنعُه مِن أنْ يكون عمرو موسى الذي قيلتْ فيه الأغاني الشعبية نظرا لمواقفه المتشددة مع الساسة الإسرائيليين أيام كان وزيرا لخارجية مصر، لمْ يَخلُ ردّ الأمين العام مِن حِدّة وهو يُعلق على ذلك، فزعمَ أنّ كلَّ ما يتلقاه مِن هدايا وهِبات يَرُدّه إلى الجامعة العربية.  فهل تحوّلتْ أروقة الجامعة العربية في عهده إلى مَعارضَ للسيارات والساعات والخواتم والعطورات والأقلام والملبوسات وغيرها؟!

 

         لقد وجَدَ السيد موسى في مقولة الأغاني الشعبية التي ردَّدها فيه السيد (شعبولا) فرصة لابتلاع ريقه؛ فارتسمت على وجهه علائم الارتياح والزهو، علما بأنّ أغاني السيد (شعبولا) لا ترقى إلى ما قاله كلٌّ مِن ابن الساعاتي وابن القيسراني في مدح صلاح الدين الأيوبي، ولا ترقى إلى ما قاله المتنبي في سيف الدولة الحمداني، أو لما قاله أبوتمام حبيب بن أوس الطائي في المعتصم العباسي، فعَلامَ الزهو إذنْ يا سيادة الأمين العام؟!

 

         السيد موسى يرى أنّ مواقفه السياسية مبنية على قناعاته الشخصية، وأنه لا يعنيه ما تكتبه الصُحفُ مِن نقد أو شتائم، وأنّ هناك كتابا في مصر والوطن العربي معجبون به ويمتدحون مواقفه، وأنه لا بد أنْ يأتي يوم يدرس فيه الباحثون مواقفه من خلال خطاباته وتصريحاته، والحكم عليه. ليتَ السيد عمرو موسى يَعي أنّ التاريخ سيكون حَكما فيصلا بينه وبين الجماهير العربية، وأنّ التاريخ سوف يُصنفه إمّا في قائمة البطولة والانتصار وإمّا في قائمة الهزيمة والاستسلام، فمع تقدّم وسائل الاتصال وسهولة التعبير لم تعُد الحقيقة تخفى على أحد، ولم يعُد بمقدور أحد أن يُضلل جميع الناس في آن، فالشمس لا يغطيها غربال، وعلى السيد موسى ألا يكتفي بقراءة ما يكتبه أصدقاؤه والمعجبون به، بل عليه أنْ يقرأ ما يكتبه المحايدون والخصوم أيضا، ويصغي لما يقوله عامة الناس في مجالسهم، فكثير مِن هؤلاء بات يعتقد أنّ الأمين العام قد حَرَفَ بوصلة الجامعة العربية لتُصبحَ جامعة للحكام والحكومات  عوضا عن كونها جامعة للدول والشعوب، فهذه الجامعة برئاسته هي ولا شك غيرها برئاسة أسلافه مِن مِثلِ محمود رياض والشاذلي القليبي.

 

د. محمد الجاغوب

Tweet
Facebook Social Comments