بعْدَ ما يزيد على ثلاثة أسابيع مِن بدء العدوان الإسرائيلي الشرس على قطاع غزة توقفت آلة الحرب الصهيونية عن ممارسة هواياتها في ارتكاب الجرائم مخلفة آلافَ الضحايا مِن المدنيين الأبرياء بين قتيل وجريح، ومشاهدَ مرعبة من الدمار والخراب الذي أتى على المنازل والمدارس والمساجد والمرافق الحيوية، فقد تمرّدتْ القيادة الإسرائيلية كعادتها على إرادة المجتمع الدولي المتمثلة في قرار مجلس الأمن ذي الرقم 1860 وواصلت عملياتها العسكرية برا وبحرا وجوا بعد صدور القرار، وأمعنت في عمليات التقتيل باستخدام أسلحة الدمار الشامل المُحرّمة دوليا.
نعَم، لقد أوقفتْ إسرائيلُ عدوانها بعدَ أنْ أزهقتْ آلاف الأرواح، زاعمة أنها حققتْ مُعظمَ أهدافها، وبدأت سَحْب قواتها إلى خارج حدود القطاع الغزيّ، وينبغي عليها الآن أنْ تُراجعَ سياساتها ومواقفها تجاه الشعب الفلسطيني، وتكفّ عن ممارسة سياسة العدوان التي لن تجلبَ لها الأمن والاستقرار، وأنْ تستخلصَ العِبَر من هذه الحملة العسكرية التي لا يمكن اعتبارها ناجحة بسبب ما خلفته مِن دمار وضحايا بين المدنيين الأبرياء، وعليها أنْ تقتنعَ بأنّ سياسة قهر الشعوب لا تجدي نفعا، وأنّه لا يمكن لأيّ جيشٍ نظامي - مهما كانت قوته وجبروته - أنْ ينتصر على المقاومة الشعبية لأيّ شعب من الشعوب.
وإذا كان الصمتُ الدولي وضعفُ الموقف العربي وتصدع الجبهة الفلسطينية قد أغرى المعتدين بالعدوان فإنّ المطلوب الآن مِن الفلسطينيين والعرب أن يقوموا بعملية مراجعة وتأمّل وتمحيص لما جرى، واستخلاص العِبَر ومحاسبة الذات. ففي الجبهة الفلسطينية آن الأوان لقيادتي فتح وحماس القفز على المصالح الفئوية والحزبية الضيقة، والتوجه معا نحو الأهداف الوطنية المشتركة، وهذا يتطلب مِن فتح وقادتها وعناصرها وجمهورها أن تعترف بأنّ حماس جزء لا يتجزأ مِن النسيج الوطني الفلسطيني، وأنها بصمودها أمام العدوان الإسرائيلي الأخير وارتفاع رصيدها من التأييد الشعبي العربي والدولي، قد أحرزت انتصارا عظيما زاد من إيجابياتها، وأنه يتوجب العمل معها كشريك في قيادة دفة السفينة الفلسطينية، وتوجيهها نحو بَرّ الحرية والاستقلال، كما يتطلب أيضا أنْ تخطوَ حركة فتح خطوات حقيقية نحو محاسبة الذات، وإصلاح الخلل، وتطهير بؤر الفساد فيها، وإقصاء المتسببين بها عن المواقع القيادية للسلطة، ووقف الحملات الإعلامية التشهيرية ضد حماس وقاداتها وكوادرها، والكفّ عن وضْع البيض الفلسطيني بكامله في سلة المفاوضات العبثية مع إسرائيل، وعقد مؤتمرها الوطني العام، وتمكين القيادات الشابة مِن أخذ مواقعها في الصف الأول من الحركة.
ويتطلب مِن حركة حماس وقادتها وجماهيرها أنْ تخطوَ خطوات حقيقية نحو الوحدة الوطنية، وتتبنى أجندة تستند إلى عمقها العربي، وتنأى بنفسها عن سياسات الاستقطاب الخارجي، وأنْ تتخلى عن الاستفراد بالسيطرة على قطاع غزة، والكفّ عن عمليات الردح التي يقوم بها بعض عناصرها المقيمين في دمشق وبيروت ضد حركة فتح وقادتها وجماهيرها، متجاهلين الدور الجليل الذي قامت به فتح عبر مراحل النضال الوطني الفلسطيني، وراح ضحيته خيرة قادتها ورموزها، وأن لا تأخذ فتح بجريرة الذين حرفوا دفة سفينتها نحو مهاوي الفساد والاستسلام. كما ينبغي على حماس أنْ تقتنعَ بأنّها لا تستطيع التعامل مع المجتمع الدولي بمفردها في مسألة إعمار غزة، ولا في مسألة تشغيل معبر رفح، لأنّ السلطة الفلسطينية هي المخولة بذلك، وما على حماس إلا أنْ تكون جزءًا فاعلا ومؤثرا في سياسات تلك السلطة.
ويتطلب مِن جماهير الشعب الفلسطيني المنحازة لفتح أولحماس أنْ تثوبَ إلى رشدها، وتحكم عقولها بدلا مِن عواطفها، وأنْ لا تنجذب لدعاية مُغرضة مِن هنا أو هناك، وأنْ لا تعطي ثقتها المطلقة لهذا الطرف أو ذاك نتيجة ميل عاطفي، أو تضليل إعلامي، فالانحياز لا ينبغي إلا أنْ يكونَ انحيازا للوطن، أمّا الانحياز إلى طرف ضد آخر فيزيد مِن حالة التشرذم والانقسام، ويؤجج نار الفتنة، وموقظ الفتنة ملعون.
ويتطلبُ مِن التنظيمين الكبيرين أنْ يتناديا إلى تشكيل قيادة انتقالية مشتركة، تضم جناحي الوطن في غزة والضفة، وأنْ يعملا على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة، تفرز قيادة شرعية موحدة للشعب الفلسطيني، تكون قادرة على قيادة دفة القضية في المرحلة القادمة، وتحمل مسؤولية لمِّ الصف الوطني، وكسر الحصار وفتح المعابر، وإعمار ما خرّبته الحرب، وتكون قادرة على التعامل مع المعطيات الدولية، والقيادات الجديدة في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، والبدء بشنِّ هجوم دبلوماسي وقانوني مخطط له ضد إسرائيل؛ لمطالبتها بثمن سياسي وقانوني يتناسب ودماء الضحايا البريئة التي أزهقها عدوانها ، ويتناسب وحجم التأييد الشعبي الذي نالته القضية الفلسطينية خلال ذلك العدوان.
ويتطلب مِن القيادات العربية أنْ تصغيَ جيدا إلى هدير الشارع العربي، وأنْ تتحرك بجدية لدعم الموقف الفلسطيني دعما حقيقيا بالمال والسلاح، وأن لا تكتفي بموقف الوسيط المحايد، ولا ينبغي لها أن تظلِّ رهينة الخوف من إسرائيل، ولا رهينة الحرص على علاقاتها الحميمة مع أمريكا، وأنْ تتنبَّه إلى ما تملكه من وسائل القوة الاقتصادية والبشرية، ورصيدها مِن العلاقات الدولية، فتوظف كلَّ ذلك لخدمة القضية المركزية قضية فلسطين.
فكلما اقتربت تلك القيادات مِن جماهيرها كان وضعُها الداخلي أكثر قوة ومتانة وأمنا واستقرارا وقدرة على مواجهة التحديات، وكلما نأتْ عن جماهيرها كانت أكثر اقترابا مِن حافة الانهيار؛ والشواهد على ذلك من التاريخ كثيرة، فالرئيس الفنزويلي (هوغو تشافيز) لم يأبه بتهديدات الجار الأمريكي؛ لأن شعبَه يلتفُّ حوله ويدافع عنه. وكذلك الحال مع (روبرت موغابي) الذي تعاديه أمريكا وأوروبا، وهو لا يأبه بهما؛ لأن شعبَه لا يزال ينظر إليه على أنّه قاد عملية تحرير (زيمبابوي) مِن نظام (إيان سميث) العنصري، وقادَ عملية تأميم المزارع التي يمتلكها البيض من أصول أوروبية وتوزيعها على سكان البلاد الأصليين. كما أنّ (محمد رضا بهلوي) لم ينفعه الاعتماد على الدعم الأمريكي في مواجهة غضب الشارع الإيراني.
فهل يرتقي المسؤولون الفلسطينيون إلى مستوى الحدث، وهل يستخلص القادة العرب العبرة مِن غيرهم؟ أسئلة لا بد أنْ تميط اللثامَ عن إجاباتها الأيامُ القادمة.
د. محمد الجاغوب
