أوراق من دفتر الثورة

طباعة

(بلاد العرب أوطاني) لقد مرّ على الوطن العربي الكثير من الأنظمة الدكتاتوريّة من محيطه الى خليجه , ومن هذه الدكتاتوريات من ركب موجة القوميّة مرة وارتدى عبائة الشيوعية والاشتراكية مرة أخرى , ومنها من اتّبع الرأسمالية نظاما اقتصاديّا وادّعى اللبراليّة ونادى بالعلمانيّة ولو بشكل غير مباشر . تكثر الأنواع والأشكال والطرق , ولكن على وجه العموم , اذا أردنا أن نحصر هذه الدكتاتوريّات بنوعين اثنين فهي امّا أنظمة متشدّدة جاءت بانقلابات عسكريّة , وشكّلت لُحمة يمكن تسميتها بالممانعة اذا استخدمنا لغة يومنا هذه في وصفها , وقد استقت قوّتها الخارجيّة بتحالفها مع المعسكر الشيوعي الممثل بالاتحاد السوفيتي انذاك , واستعانت بالتوجّه العام السائد في فترتها والذي امنت به الشعوب , وهو التحرر

من تبعية الغرب بالتمركز في المحور المناوئ للغرب , وتطبيق أفكاره ومبادئه وايمان النخب المثقّفة في ذلك الوقت بأن الحلّ انّما بارتداء الزي الأحمر وحمل المطرقة والمنجل , وأما المعارضة في ظل هذه الأنظمة فقد أبيدت عن بكرة أبيها امّا بمحاكمات عسكريّة وامّا باعدامات بدون أي محاكمات والتهم الموجّهة فقط تكون أحيانا الصلاة على النبيّ وأحيانا أخرى تكون فقط الوعي السياسي المفرط . أمّا النوع الثاني وهو نوع مطوّر وأكثر ذكاء وتطوّرا , هو ذلك النوع من الدكتاتوريّات التي تزعم أنّها ليبراليّة وغربيّة الشكل والطباع , وهي في الحقيقة ليست سوى أدوات في يد الغرب وعلى رأسهم أمريكا , تنفّذ مشاريعها وتحمي أمن حليفها الاستراتيجي في المنطقة وهو دون أدنى شك أو لبس اسرائيل , وانتهجت هذه الأنظمة منهجا يقوم على التعدّدية الحزبيّة الكاذبة والتي تعطي هامشا للحريّات قد يمنع الشارع من الانفجار وتعطي أيضا طابعا للمراقب غير المهتم والمتعمّق أن هناك هامش لا بأس به من الحرّيّات , فسمح للصحافة والاذاعة والتلفزيون أن تكون متعدّدة الأشكال والأسماء ولكنّها بجذر واحد تقريبا , ولكن وعندما يشتد الموقف أو حتّى تحسّبا من تفجّره , فهي تمارس أساليب القمع المباشرة كالاعتقال والملاحقة والضرب والاغتيال أحيانا . والنوع الثاني من الدكتاتوريّات هذه هو أكثر انتشارا بسبب انقراض الأول بانهيار المعسكر الشيوعي , وأشدّ خطرا لأنّه قد يمرر على الطبقات غير المثقّفة في شعوبه أفكارا من الممكن لها أن تكون برّاقة في بعض الأحيان ولكّنها مسمومة خائنة في جوهرها فباسم الانفتاح ....يحاولون نزع قيمنا وأخلاقنا وحتّى لغتنا , ليحلّ محلّها قيم وعادات ولغات غربيّة ليست منّا في شيء وباسم اللبراليّة .... يحرمون أوطاننا من سيادتها على نفسها , وتصبح التبعيّة هي الوطنيّة وباسم العلمانيّة .... يحارب الدّين ويمنع الحجاب وتراقب االجوامع وتصبح الصلاة ارهابا والصيام تهمة فأصبحت المسألة امّا الغرب أو التخلّف والرجعية والانحطاط , وهذا ما أثبت خطأه جملة وتفصيلا , ليس لدينا كعرب فقط , بل لدى حضارات وقوميّات أخرى كثيرة . انّ فلسفة امّا أو هذه, تصوّر السياسات على أنه لا بديل لها الّا نقيضها , وهذا مفهوم خاطئ حتّى بالشكل الفلسفي النظري له , فهذا هو التطرّف الذي يرفضه كل عاقل ولذا فقد صوّره الغرب ودكتاتورياته التي فرضها علينا على أنه الواقع , على أن الواقع يقول غير كل ذلك تماما . فاليساري الشيوعي التقدّمي في الوطن العربي ليس ستالين والاخوان المسلمون ليسو بن لادن وليسوا القاعدة والعلمانيّون الان ليسو أتاتورك ولا يقولون بما تقوله العلمانية بمفهومها الفرنسي. (ديمقراطيّة - معارضة) ان فكرة الديمقراطيّة هي فكرة غربيّة بكل ما تحمل الكلمة من معنى , وهذا شيء لا يمكن نفيه أو انكاره , وهي كلمة ذات وقع فتّان في الاذان , وهي ما نسعى له نحن هنا في الشرق , وقد يقول قائل أنه اذا كانت الديمقراطيّة موروثا غربيّا فكيف نسعى لتطبيقه وقد كنّا ننادي باستقلال الشخصيّة العربيّة و التخلّص من التبعيّة؟ فكيف نرفض تبعيّة وثقافة أمم ونأخذ فكرهم لا وبل نثور لأجله؟ في هذا الطرح لا بدّ لنا أن نمايز بين مفهومين قد يلتبسان علينا , وهما مفهومان فرّق بينهما الكثيرون من الباحثين والدارسين للحضارات . فقد ميّزوا بين الغربنة والتحديث فالغربنة هي احلال ثقافة الغرب ومبادئه وقيمه وحتّى لغته مكان ثقافات ومبادئ وقيم ولغات حضارتنا, أما التحديث فهو الاستفادة من خبرات وعلوم وتجارب الأمم الأخرى للتقدّم بأمتنا وهو ما حثّ عليه الاسلام وحثّ عليه واتبعه قوميّون عرب شرفاء , وبالتالي فليست الديمقراطيّة ولا السعي خلفها ولا حتّى الثورة من أجل الحصول عليها من التّبعية والانسياق الأعمى وراء الغرب والانسلاخ من الهويّة في شيء. وبالعودة للديمقراطيّة فهناك جزئيّة لا يمكن تهميشها في هذا السياق , ألا وهي المعارضة , وما أودّ قوله باختصار هنا , ان المعارضة هي موقف سياسي اصلاحي (من وجهة نظر من فيه) وليس ايدولوجيّة أو حتّى فكر أو مبدئ , فقد تكون تقدّميّا وطنيّا معارضا لحكومتك الاسلاميّة , والعكس صحيح , وهي ظاهرة صحيّة لا بدّ لها من الوجود في ظل الديمقراطيّات المعتبرة , وهي صحيّة أيضا اذا تكلّمنا عنها في سياق التحوّل الديمقراطي القادم لمصر . بقي أن أنوه _على ذكر الديمقراطيّة هنا_ أنّني وبالتأكيد لا أعني الديمقراطيّة كما شرحها قائد الثورة الليبيّة وملك ملوك افريقيا العميد معمّر القذّافي في نظريّته الخاصّة (ديمو – كراسي) نظرة فيزيائيّة – سياسة الكم ان الأفكار والفلسفات تتغيّر وتتبدّل وتتطوّر عبر الحقب الزمنيّة المتعاقبة , وبعض المبادئ تعيد انتاج نفسها على اثر هذا التطوّر ولكن بشكل أكثر ايجابية (على الأقل ايجابية من وجهة نظر حاملها) , وكانت تخلق في زمن غابر من العدم أحيانا. ولذا فانّنا وكما يقول الكثير من المثقّفين أننا لا نريد اعادة اختراع العجلة , هذا صحيح , ولكنّنا قادرين على تطويرها من شكل قد يصبح باليا الى شكل قد نحصل على براءة اختراع فيه , وهو ما نرى بوادره في الثورة المصرية المجيدة . كنت قد أعجبت بتعريف أحد المثقّفين للخيانة , وقد بدأت أستخدمه لتعريفها منذ ذلك الحين وهو أن الخيانة ليست أن لا تحارب اسرائيل وأمريكا , وليست أن لا تستطيع أن تحقق معدّلات للنمو في بلادك , انّما الخيانة هي أن تربط مصلحة ومستقبل أمّتك بعدوّها, وهذا ما كانت عليه الأنظمة العربيّة كلّها , الّا من رحم ربّي. هناك علاقة (ستاتيكيّة) ثابتة القوة والترابط ما بين الفكر والأهداف الاستراتيجيّة بعيدة المدى من جهة والمبدئ أو العقيدة المولّدة لمبدئ من جهة أخرى , وهناك علاقة (ديناميكيّة) بين الأهداف غير الاستراتيجيّة والأهداف القصيرة المدى من جهة والسياسات المرحليّة والمعلنة أحيانا من جهة أخرى وهذه العلاقة هي علاقة براغماتيّة قائمة على المصلحة . ولا يجوز الخلط في نواميس ومعادلات وقوانين هاتين العلاقتين (وهو ما اعتادت الأنظمة العربيّة فعله) , فقوانين الحركة لا تنطبق على قوانين الثبات والسكون وانّما تتناغم معها في نموذج وطنيّ قوميّ يرفع مصلحة الشعب والأمّة شعارا له . (اخيرا وليس اخرا) في النهاية أقول أن هذا الحراك الشعبيّ في الوطن العربي والّذي بدأ بثورة أشعلتها سيدي بو زيد و البوعزيزي , ومشى على نهجها ميدان التحرير , وسيتابع هذا القطار مسيره من المحيط للخليج ليس بالضرورة على هيئة ثورات , فقد يأتي على شكل اصلاحات مسبقة والتي يبدو أن الأنظمة العربيّة بدأت به لتسبق شعوبها بخطوة على عكس ما حصل في تونس ومصر , ان هذا الحراك وهذه الثورات انّما اتية من انتقاص أنظمتنا وحكوماتنا لكرامتنا , ومنعنا من تحديد وتعريف أنفسنا بما نشاء , نعم أطلقها الجوع ... ولكنّها ستمرّ بالسيّاسة , لتنتهي باعلاننا غير خائفين من هويّتنا الحضاريّة ووعينا لذواتنا وتعريف نفسنا بما نشاء , كل ذلك أصبح أقل صعوبة الان لا سيما في عصر السرعة وتناقل المعلومات. كل ما تطلبه الشعوب العربيّة انمّا هي مطالب مشروعة وقابلة للقياس ستتحقق انشاء الله وشاءت الشعوب_ وقد شاءت_ , سيصبح الوطن العربيّ "هايد بارك" ولكن على الطريقة العربيّة الشرقيّة الاسلاميّة. وكما تقول حكمة الأجداد (ما بضيع حق وراه مطالب) بقلم : ظافر عبدالحق 

Tweet
Facebook Social Comments