بين بطانة الخير وبطانة السوء يقع متخذ القرار فريسة ، ُتعرض المعلومات المغرضة والتقارير المكذوبة وتتكون الآراء والانطباعات وتنضج الرؤى والأفكار لكنها وللأسف على قاعدة هشة وخاطئة ، فتصدر القرارات الهامة بل والمصيرية لكنها في الاتجاه المعاكس ، هذا ملخص نمط الإدارة في المنطقة العربية وآليات اتخاذ القرار فيها! هذا ما حدث في الآونة الأخيرة تقارير مدسوسة من مصادر مخابراتية ذات مصالح مشبوهة الأول : تمثل في الترويج لتقرير إسرائيلي " بأن إسرائيل تريد توطين أبناء القطاع في سيناء، أو جزء منها، يتم اقتطاعه في إطار قيام الدولة الفلسطينية المستقلة،
واتفاقات تبادل الأراضي ويذهب التقرير المدسوس إلى درجة القول بأن الأمور جاهزة في انتظار خليفة الرئيس حسني مبارك الذي سيصادق على المخطط الجديد، دون أن يحدد من هو هذا الخليفة.
الثاني : صدر عن مؤتمر انعقد في القاهرة، وضم شخصيات فلسطينية ومصرية غير معروفة، أكد أن إقامة الحكومة المصرية سوراً فولاذيا على حدودها مع قطاع غزة تعكس قلقها من تسلل ناشطين يستلهمون فكرالقاعدة' بعد قيام حركة 'حماس' بطردهم من القطاع الذي تسيطر عليه.
'
مناخ مقصود
ربما لم يكن من قبيل الصدفة أن تصدر مثل هذه التقارير بعد الخطاب الناري الذي ألقاه الرئيس حسني مبارك في أواخر يناير الفائت بمناسبة عيد الشرطة، وهاجم فيه حركة 'حماس' بطريقة غير معهودة، وحرص على العزف على وتر العصبية المصرية عندما قال إن 'مصر أولا' وأمنها فوق كل الاعتبارات الأخرى.
التقارير لماذا؟!
تهدف التقارير المكذوبة إلى تعبئة الشعب المصري ضد غزة وحماس لكن لصالح من ؟ أبو مازن ؟ ربما لا ، لأنه مصنف عند المصريين كجزء من منظومة الحكم المصري المستبدة والفاسدة ،هل لصالح الكيان الصهيوني ؟ مستحيل .. لأن التقارير الصهيونية الأخيرة وإن كانت أثنت على العلاقات الأمنية والسياسية الممتازة مع مصر لكنها أقرت بأن التطبيع الثقافي مأساة.. دليل على الرفض الشعبي المصري وغالبية النخبوي للكيان الصهيوني ... ربما لصالح النظام نفسه كأوراق اعتماد هنا أو هناك !! فضلاً عن تبرير العجز الأمني الداخلي،والفشل الاقتصادي والاجتماعي، وتدهور أوضاع المصريين البسطاء بسبب سياساته العشوائية المتضاربة ، بإلقاء التبعية على قطاع غزة المحاصر ، وتحويل أنظار المصريين الوطنيين عن الكيان الصهيوني عدوهم الحقيقي ، إلى أشقائهم في القطاع، وهي محاولة ساذجة رخيصة محكوم عليها بالفشل، لأنها لا يمكن أن تنطلي على المصريين الشرفاء الأذكياء
ملاحظات وردود
الشعب الفلسطيني لا يريد أرضاً غير أرضه، ولا وطناً غير وطنه، والوقائع خير شاهد – في ظل الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة كان العالقون بالآلاف يريدون العبور من مصر الآمنة إلى غزة المحاصرة المدمرة! وحتى مفاوضات تبادل الأراضي التي كان القبول بها كارثة ، ركزت دائماً على أن يتم هذا التبادل داخل الأراضي الفلسطينية وليس خارجها، وأي اقتراح 'لتسمين' قطاع غزة، أي إضافة أراض إليه بسبب ضيق مساحته الجغرافية، واكتظاظه السكاني الأعلى في العالم كان في إطار اتفاق نهائي حصر هذه الإضافات من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 48 م
أما بالنسبة إلى تسلل عناصر من القاعدة من قطاع غزة إلى مصر، فان هذه 'أكذوبة مضافة' لأن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي اجتاحت الوطن العربي بأسره انطلقت من مصر، وانتقلت منها إلى أماكن أخرى وليس العكس !، بل يري البعض إنه بالفرض إذا حدث انتقال بعض عناصر هذه التنظيمات إلى الأراضي المصرية فانه بذلك ينطبق عليها المثل الذي يقول 'بضاعتكم ردت إليكم'.
وأخيراً .... رغم قسوة التصريحات وجمود العلاقات وغياب الدفء بين الأشقاء ، يبقى الرهان على المسئولية الشرعية والقومية لمصر تجاه فلسطين وغزة ، كما يبقى بنفس القدر على قيادات حماس في سرعة التواصل وضعاً للنقاط فوق الحروف ، توضيحاً للرؤى وسداً للطريق على قطاع الطرق ، وما أكثرهم!
محمد السروجي
كاتب مصري
