الشيء والوجود في الموجود
لم نصل بعد إلى معنى الموجود في الوجود لأننا أما تعبير لفظي أخر وهو الشيء الذي تشير إليه النصوص الكريمة في معرص القضاء بالأشاءة والأرادة,هنا نكون أما سؤال وحيد هل ينطبق معنى الشيء على الوجود؟, وهل ينطبق معنى الوجود على الشيء؟,للأجابة نرجع إلى الآيات التي تتناول الخلق والأشاءة فالله تعالى يقول {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}الأنعام101,وفي نص ثان{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }مريم9,النص الأول مطلق يستوعب
الخلق كله أي الوجود المخلوق الممكن,والنص الثان محصورا بوجود موجود ممكن على صورة واحدة متصل ومنفصل وهو الإنسان,وهنا نشير إلى بعض النقاط المتصلة بفهمنا للنصيين كما يلي:.
· الآيات تشير إلى كونية جامعة واحدة تتصل بوحدة الوجود الموجود الممكن كونها جميعا من أبداع الموجود الأول الباعث,فلا وجود في الموجود ممكن خارج هذا الأبداع وبالتالي أنتفاء فرضا ونتيجة أن يكون هناك وجود لموجود ممكن أخر غير هذا المخلوق بأبداع الله.
· أن الموجود الممكن بالوجود كله من الشيء وليس كل الشيء,لأن الشيء الذي عند الله فيه ومنه الموجود الممكن بالوجود ومصدره,ولا وجود للموجود الممكن خارج هذا الشيء,فمنه المحسوس الذي عرفناه والأخر لازال في دائرة الوجود الممكن خارج المحسوس وهو الذي في حقيقته عالم مماثل للوجود ولكن في الغيب وهو مخلوق لله وبنفس معنى الوجود الموجود الممكن ولكن خارج الأدراك والحس والدليل{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }الحجر21,فالخزائن من خلق الله وفيه أصل الأشياء ومنه تنزل الأشياء ومنه الوجود وبذلك نفسر معنى{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}مريم9,فالوجود الموجود الممكن لم يكن شيئا أي لم يكن له وجود وماهية حتى أخرجه الله من خزائن الشيء,فصار شيئا بقل كن فيكون (مقام الأرادة والأشاءة) ,فلا وجود للموجود الممكن خارج شيئية الموجود في الخزائن,فتكون أصالة الوجود الممكن مخرجة ومنزلة من الخزائن,غير أن الأصل هناك غير متبلور كاملا وليش له شاكلة وصورة لفقدان الزمن وعدم فاعلية المكان حتى يقترن بهما الشيء في عالم الحلول بتقدير قوانين العلة فيصبح الشيء موجود ممكن في الوجود الموجود بديل قوله(مِن قَبْلُ) أي قبل أن تشغل المحل زمانا وهو الذي ما بعد القبل.
· الوجود الغيبي الممكن بالقوة بذلك يكون هو خارج نطاق الزمن أي قبل الزمن وما بعد العلم الوضعي ومنه الفيزياء كسبب كاشف للظاهرة فالجوهر موجود ولكن حركته خانسة لأنفصال بين حركة الجوهر وحركة العرض,والوجود يثبت بتفاعل الحركتين,وحيث لا زمن في ذلك الوجود الممكن المخلوق فلا صورة له كما هي في الموجود الممكن المحسوس في الوجود.
· ثبوت صورة الموجود الممكن في الوجود محتاج للقوانين المتصلة بمقام الأشاءة والأرادة التي يمثلها قوله كن فيكون,فتكون عناصر الشروط الأولية ناقصة حتى يتم قانون العلة فاعليته فتكتمل بها الصورة والأصل ويظهر الموجود الممكن بالوجود بأخراجه من الخزائن للحلول في الوجود,ولكن السؤال هنا هل هذا الوصف منطبق على خلق الخزائن التي فيها الشيء,فالجواب البديهي كون الخزائن من الموجود الممكن فلابد أنها وجدت بالحال التي هي عليها ولكن في عالم مخلوق ولكنه مغيب,فلا ننفي ولا نثبت ما لا نعلم ولكن ممكن لنا أن نتصوره على الأثبات ظناً ويقينا بالتسليم بالنقل المقدس (الوحي) {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }العنكبوت19,فالذي له مبتدأ له منتهى وهذه الحالية تثبت أن كل وجود موجود ممكن مخلوق للوجود المطلق الأول الباعث لابد أن يكون محمولا على أنه بنفس صورة وجوهر وعرض الموجود الممكن المحسوس لأنطباق نفس القانون عليه,قانون الأيجاد ولو كان مغيبا أو حضوريا لكونه في ضمن أطار المدار الموازي لحركة المركز(الوجود الأول) ومحكوم به أبتداً وأنتهاءً{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }القصص88.
· أذن الخزائن التي فيها ألشيء هي مصدر الأبداع محلا ويمكن أن نسلم به ولكن كيف لنا أن نفسر خلقها الوجودي الممكن,هل من خلق سابق وجد أم من لا شيء أيضا؟,الجواب وبحسب النصوص التي بين أيدينا تشير إلى مصدر أعلى وهو الملكوت {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }المؤمنون88,{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }يس83,النصان يشيران للمصدرية الأصلية للوجود الموجود الممكن وهو الملكوت الذي في معناه الجامع تملك الله على القدرة والتي يستعلي بها وبها يملك أزمة الوجود الموجود كله المغيب والحضوري وهو حال توسطي بين الوجود الواجب وبين الوجود الممكن فهو ليس من هذا الأول الواجب لأنه متصل به وليس من ذاته لأنه بين يديه فهو خارج عن ذات الموجود الواجب,وليس من ما خلق فيكون ممكنا وجودا لأنه لو كان كذلك لكان له علة سابقة وشروط أولية كونه موجود ممكن وفيه جوهر وعرض,ولكنه في الحقيقة هو صورة القدرة الإلهية الخالقة في الخارج والتي تظهر لنا كما في الآية التالية{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}الأنعام75,فهي صورة القدرة وليست ذات القدرة,وذات القدرة متعلقة بذات الموجود الواجب.
· النتيجة أن الوجود الكلي نوعان الأول واجب الوجود (الأول الباعث) وهو وجود مستقل ومنفصل ولكنه حاكم على الموجودات المحكومة له ولا يماثلها بالشاكلة ولا بالجوهر والعرض ولكنه أقدم منها أزلي خارج الزمن والمكان وغير معلوم الحال إلا بالأثر الخارجي الصادر عنه,والوجود الثاني الممكن بالقوة وهو على نوعين مغيب وحضوري وكلاهما بنفس قانون الأيجاد وتحت نفس الحكم الأرادي بالأشاءة ولا ينفلتان منه ولا يخرجان عنه بالفرض ولا بالنتيجة ولكل منهما جوهر وعرض متصلان ومتفاعلان ومنفعلان بالقضية الخلقية,فما موجود في الأنسان من جزئيات وكليات لها أس وجودي في الشيء الذي في خزائن الله,وهذا هو مفهوم الحكمة القديمة(أن الذرات في الأجسام ما هي إلا صورة مصغرة للكون الوجودي).
فالوجود من الشيء والشيء بحسب فهمنا للنصوص هو كل حال ممكن بالقوة أن يحل في المحلول ليكون وجودا سواء أكان هذا الحال مادي أو معنوي ولكنه وجود ممكن له الآن أن يكون بالقوة جوهر وعرض,وهذا في كل الآيات التي تناولت لفظة الشيء{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ}البقرة113,والشيء هنا لوصف حال العلم والعلم وجود ممكن مخلوق لله فهو حلول الشيئية في العلم ليكون وجود,{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة155,والجوع والخوف حال حل به البلاء كموجود وصفي معنوي موجود له جوهر وعرض ولكنهما معنويان محكومان بنفس القانون الوجودي,{ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}البقرة178,فالشيء هنا الحياة وأجزائها حلت بالعفو وهو من المخلوقات كصفة أي من الوجود ومحكوم بالجوهر والعرض أيضا وإن كان معنويا.
فكل وجود أتى من حلول الشيء في المحل المستوعب له يكون وجودا بالقوة طالما كان الحلول ضروريا ضمن الشروط الأساسية والأسباب وقوانين العلية,فهو مساوق للوجود كنتيجة نهائية وكظاهرة مرتبطتان ويظهران صورة واحدة متصلة ومنفصلة في آن واحد,وبذلك يكون الشيء أسبق من الوجود وأصله وله قانون خاص به خلق معه وهو قانون الثنائية الشيئية{وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }الذاريات49,لا يتم الوجود ولا يستمر ألا بتفاعلهما معا,وبهذه الزوجية وجه أخر للمفارقة بين الوجود الأول الباعث وبين الوجود الممكن في الوجود كون الأول خارج الشيئية فيكون خارج الزوجية{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً }الجن3,والمعنى من النص معروف بتنزيه الله من الزوجية وقوانينها ونتائجها.
