قال بيريز في الندوة الذي جمعته برئيس وزراء تركيا، بحضور أمين عام الأمم المتحدة وأمين عام الجامعة العربية، تحت إدارة صحفي من الواشنطن بوست، قال بصوت مرتفع وبنبرة حادة: "إن إسرائيل لم تفرض حصارا على غزة، فلماذا يقاتلوننا؟ ما الذي يريدونه منا؟ فلم يحدث أن تعرضت غزة ليوم واحد من الجوع؟".
هو قول لطالما دفع به رئيس دولة إسرائيل، مدعيا أن بلاده
"لم تتجاوز القانون الدولي"، وأن سلوكها بإزاء غزة هو من باب رد الفعل، أي من باب درء، وفق ما تقدمه، درء الصواريخ الآتية من غزة، والمتهاطلة على مدن ومستوطنات إسرائيل.
لم يكن ذات الادعاء ليمر مرور الكرام كما يقال، بحضور رئيس وزراء دولة كتركيا، لم تخف تعاطفها مع الفلسطينيين منذ اليوم الأول للعدوان، حتى إذا ما أعطي الكلمة، رد غاضبا على خطاب بيريز، وعلى تصفيقات القاعة التي تساوقت مع خطابه: "أشعر بالحزن عندما يصفق الناس لما قاله (بيريز)، لأن عددا كبيرا من الناس قد قتلوا، وأعتقد أنه من الخطأ وغير الإنساني، أن نصفق لعملية أسفرت عن مثل هذه النتائج".
كان الرجل مسترسلا في تبيان وجهة نظره، وقد هيأ لها فيما يبدو ملفا كاملا بالأحمر، فتابع قائلا في رد مباشر على بيريز: "ما دمت تقوم بإلقاء القنابل وتتعلل بالصواريخ وحماس، ماذا فعلت خلال مدة ستة أشهر من التهدئة، غير قتل 28 فلسطينيا، وقطع الكهرباء والطعام". وتابع القول: "السيد بيريز، أنت أكبر مني سنا، لكن صوتك عال، وهذا يعني وجود أزمة نفسية لديك، وأذكركم بأنكم سبق أن قمتم بقتل الأطفال على ساحل غزة، ولم يكن هناك صواريخ تطلق منها"... فإذا بمدير الجلسة يقاطعه، ويتمادى في مقاطعته لدرجة التشويش عليه، تحت مسوغة "أن وقت عشاء المشاركين قد حان".
يقول أردوغان: إن بيريز "تدخل لمدة زمنية أطول منا جميعا، واستخدم أسلوبا من التدني والتحقير والهجوم، ومن ثمة لم يكن قبول هذا ممكنا". ثم إن "البعض لم يفهم كوني رئيس الحكومة التركية، ولست رئيس حزب العدالة والتنمية فقط".
لم ينهض الرجل، والغضب يتطاير من محياه، لم ينهض لمغادرة المنصة، ومغادرة دافوس جملة وتفصيلا، احتجاجا على ما قاله بيريز فحسب، بل وتحديدا لحرمانه من الحق في التمتع بنفس الحصة الزمنية التي منحت لبيريز، فأرغد هذا الأخير وأزبد، دونما مقاطعة من أو تشويش من أحد.
ثمة قراءات متعددة ومتباينة لانتفاضة أردوغان، وبسياقها للموقف التركي عامة، مما وقع على غزة من عدوان أتى، بظرف ثلاثة أسابيع من الزمن، على الشجر والبشر والحجر، وحول فضاء القطاع، إلى منطقة منكوبة وبكل المقاييس:
+ فثمة من رأى في ذات السلوك، والموقف المنبني عليه، مجرد "عواطف جياشة"، لا تتعدى كونها تعبيرا عن إحساس شخص آلمته بقوة الأحداث، وشلالات الدم التي أريقت دونما موجب، بل وكانت تراق من ذي قبل، دونما أن تطلق حركات المقاومة صاروخا واحدا على جنوب إسرائيل.
بالتالي، يقول ذات الرأي، فلا يمكن أن يقاس على ذات الموقف، للحكم على العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل وتركيا (وكانت الثانية أول من اعترف بوجود الأولى، أواخر أربعينات القرن الماضي)، أو تعكير صفوها، بدليل، يتابع ذات الرأي، أن العسكر بتركيا، لم يتساوقوا كثيرا مع موقف أردوغان، بل ابتعدوا عنه، وتحفظوا عليه بقوة في الشكل والمضمون.
+ وثمة رأي ثان، رأى في غضبة أردوغان وانتفاضته بملتقى دافوس، "سلوكا حضاريا"، أملته على الرجل خلفياته الدينية، ومرجعيته الأخلاقية، ناهيك عن البعد الإنساني الصرف الذي أضمره ذات الموقف، وتماهت معه الجماهير بتركيا، ثم بمعظم الدول العربية والإسلامية، نخبا وشعوبا دون تمييز.
إن سلوك أردوغان، يؤكد ذات الرأي، إنما هو شعور الملايين من البشر، التي خرجت للشوارع بكل دول العالم، وعبرت بحرارة عن تضامنها مع ضحايا غزة، وحددت بدقة من هو الجاني، ومن هي الجهة الضحية.
+ وثمة من رأى، في سياق كل هذا وذاك، أن موقف أردوغان إنما جاء، بملتقى عالمي كملتقى دافوس تحديدا، لتذكير العالم بأن تركيا إنما هي قوة إقليمية بكل الحسابات، ولا يجب بالارتكاز على ذلك تجاوزها، أو غض الطرف عن المبادرات السياسية التي قدمت، أو التمادي في طعنها من الخلف، كما كان الحال مع رئيس وزراء إسرائيل، عندما زار تركيا، و"طمأنها" بأن لا ترتيبات قائمة لشن حرب على غزة، في المنظور من أيام.
قد يكون بصلب كل رأي من هذه الآراء بعض من الوجاهة والصواب. كما قد يكون بهذا الرأي أو ذاك، تشكيك ما في صدقية الرجل، أو في العفوية الواضحة التي تكلم بها، ثم انصرف غاضبا، أو المزايدة على حق بلاده في أن تكون قوة إقليمية، أو ذات صوت مسموع، أو ذات مصداقية، لا يمكن التحايل عليها أو المناورة معها.
قد يكون كل ذلك واردا. إلا أنه بصرف النظر عن كل ذلك، فإن موقف الرجل بملتقى دافوس، قد جاء بكل الأحوال، متناسقا مع المواقف التي أعلنتها تركيا، ودفعت بها منذ اليوم الأول للعدوان، ولربما ضمنتها في ورقتها المشتركة مع مصر، لإيقاف العدوان.
إن موقف تركيا وغضبة أردوغان، إنما أثبتت ثلاث حقائق كبرى، نادرا ما يتم الانتباه إليها كثيرا، أو وضعها في سياق ما جرى ويجري:
+ الأولى، أن ما جرى بغزة، ومن خلفها القضية الفلسطينية، لم يعد قضية عربية صرفة، تتداولها القمم دون نجاعة تذكر، بل بات أيضا وبالأساس قضية إسلامية، وبالمحصلة قضية إنسانية، ليس من القائم اختزالها في صراع بين جهتين غير متكافئتين عدة وعتادا، أوطرفين متصارعين وجها لوجه.
+ الثانية، أن إشارة أردوغان إلى إسرائيل باعتبارها أداة قتل وتجويع وحصار، إنما هو إشارة ضمنية إلى ضرورة تجاوز أطروحة المحرقة، التي لطالما تخفت خلفها إسرائيل، لتبيان أن اليهود هم الضحايا الأولين والأخيرين، وأنهم إنما "يدافعون عن أنفسهم"، بوجه أناس يريدون "رميهم بالبحر".
+ أما الحقيقة الثالثة فهي حقيقة أن النظام العربي قد انتهى تماما، لحظة انصراف أردوغان غاضبا، وبقاء عمرو موسى بالمنصة صامتا...كنت أمني النفس والخاطر لو أن أردوغان تجاهل عمرو موسى وهو يمد يده له... كنت أتمنى لو تبرم عنه، كي لا أقول نهره وإن بأدب.
