نشأت فكرة الحداثة وما تلاها من فلسفات لاحقة أو تابعة لها من مضمونيه الغاية أو أساسية التفكير في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي في مجتمع يتحول تدريجيا من القيم التقليدية الفكرية والدينية والفلسفية ذات الطابع المحلي أو الإقليمي وفي أوسع مجال ذا طابع أوتوقراطي مستبد في فرض قيمه وتصوراته على المجتمع من خلال سطوة الدين والخوف والحذر من النزعات المادية والإلحادية التي كانت هبت على القارة الأوربية خلال ذلك القرن وما قبله بالرغم من عدم قطعنا بالقول إن القارة الأوربية كانت تنخر فيها المادية والإلحادية منذ أمد بعيد ولكن ليس بهذه الحدة من الصراعات,هذا المجتمع في تحوله من هذا العالم الذي فقدت
فيه الهوية الفكرية وضاع فيه الوعي الجمعي بين عشرات التيارات الفكرية والفلسفية والدينية نراه يتحول تدريجيا بفعل ارتدادات الثورة الصناعية والتكنولوجية العلمية التي مضى عليها أكثر من قرن من الزمان لكن التأثير الروحي والوعي بالتغير لم يتجلى في المجتمعات الصناعية إلا أواخر القرن التاسع عشر الذي تغلغلت في ثنايا روحه قيم التقنية والتصنيع الواسع وجنوح العالم الصناعي للتوسع الأفقي والعمودي في مجال الصناعة والتقنية وخاصة خارج القارة وخارج عالم يتميز بمحدودية الموارد البشرية والمادية فكانت الأراضي الجديدة والمستعمرات هدف التوسع الاستيطاني والاقتصادي وما فرض من صراعات فكرية وأيدلوجية محددة بين قوى الصناعة والتقنية أفرزت هذه الصراعات صراعات فكرية مؤيدة ومناقضة لها وفي نفس الفترات الزمنية بنيت أولا على الأخلاقيات ثم تحولت إلى صراعات أيدلوجية فكرية فلسفية تنبع من طبيعة هذا التحول واستجابة لمتطلبات هذا التحول.
نجد هذا الصدى في التحول وأثره الفكرية خاصة في مبدأ الحرية بجميع أنواعها وخاصة الحرية الاقتصادية التي تجد جذورها وأسسها في الحرية العامة للمجتمع ككل واعتقاد دعاة الحرية من الفلاسفة والمفكرين الذين أمنوا بالحرية المطلقة للشعوب الأوربية من كونهم أصحاب رسالة أخلاقية تتمثل في قيادة العالم والتفكير بدلا عنه وبموجب فهمهم ووعيهم الخاص دون الرجوع إلى محددات الزمان والمكان والظروف الفيما حولية للشعوب والأمم ,يبشرون بان عصر الحرية إنما يبدأ من نقطة تاريخية محددة تتمثل في سيادة التقنية على العلاقات الاجتماعية وان على التاريخ والزمن ما قبل التقنية إن ينتهي من الذاكرة الجمعية ليحل محله التاريخ التقني بالرغم من إيمانهم بخطورة التقنية على الإنسان ذاته ولكن في نفس الوقت يمجدون التاريخ التقني وأحكامه الخاصة والعامة((كان لهيجل إذن فضل استشفاف المعالم الأولى للتحولات التاريخية المرافقة للحداثة، وفضل محاولة استخلاص أساسها الفلسفي، مستشعرا أن البشرية قد دخلت مع العصور الحديثة عهدا جديدا أنجز قطيعة جذرية مع الماضي، معلنا عن "بزوغ جديد ورائع للشمس" قوامه الفلسفي الحرية والذاتية كما تبلورت في الأحداث التاريخية الكبرى الفاصلة بين العصور الوسطى والعصور الحديثة. هذا التشخيص يعكس أصداء كنطية وأنوارية واضحة لأن هذه الأخيرة مثلت ثورة التجديد على التقليد، وثورة النقد العقلي ضد الحكم المسبق، وخروجا من حالة القصور إلى حالة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات (كنط)))[1].
لقد كانت الحرية والذاتية هي الهدف من التغيرات التاريخية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي مرت على المجتمعات الإنسانية بها تخلق قيم جديدة منقطعة ومناقضة بالضرورة لما كان من قبل تاريخ التغير والانقلاب,وهذا ما سعت له كل القيم والفلسفات الاجتماعية الأوربية ومن منطلقيها ألمانيا فرنسا بريطانيا على وجه الخصوص باعتبارهما قوائم التغير الاقتصادي والمادي والفكري في القارة الأوربية مقابل قيم وأخلاقيات تمسكت بها جنوب القارة وخاصة ايطاليا مقر الكنيسة البابوية التي وقفت موقفا مناقضا للتغير والحداثة والوجودية المادية بتعبيراتها الخاصة والمحافظة على القيم والعادات الدينية والأخلاقية الأصولية التي نصبت نفسها الحارس الأمين عليها((كان النقاش حول الحداثة، والصراع بين نزعة الحداثة (Modernisme) والنزعة المضادة للحداثة (Antimodernisme)، قد اندلع في ألمانيا منذ أوائل القرن بشكل حاد منذ نشر الرسالة البابوية التي أعلنت الحرب ضد نزعات الحداثة سنة 1907. فالمناهضون للحداثة كانوا يودون الدفاع عن التقليد والتراث وعن عقائد الكنيسة، وعن مبدأ التراتب الوظيفي داخلها. وقد رأى فيهم خصومهم المشايعون للحداثة أنهم يقعون ضمن مؤامرة يقوم بها أناس ظليون مناهضون للروح العلمية الصاعدة ولفكر الأنوار، وللنزعات العقلية، وللنزعة الإنسانية وأفكار التقدم([2]).
إن الصراع بين الحداثة والوجودية والمادية وكلها فلسفات قامت على مبدأ الحرية والذاتية في أوربا وبين القيم الاجتماعية السائدة هو صراع وجودي يستهدف كينونة المجتمع وذاته ونظرته للتاريخ(الماضي) والآن(الحاضر) والمستقبل وقدرة الزمن في أن يكون الفيصل الحاكم لهذه الحرية والذاتية,فالزمن وحده دون المكان كان محل الصراع أما ساحته فكان خارج نطاق الذات الأوربية نفسها وان كانت هي التي تقود الصراع الذاتي بامتياز مطلق فهي لم تتصارع خارج الذات الغربية ولم تتصارع مع قيم خارجة عن تكوينها وإنتاجها ولكن صراعها إن امتد إلى خارج النطاق الأوربي فهو من تحصيل الخارج وتأثره بالقيم المتصارع عليها في محاولة التقليد أو الخروج من الأزمة التي عاشتها مجتمعات خارج أوربا ,وهذا ما يحير فعلا فأوربا كانت في هذا الصراع تعيش أزمة هوية وأزمة أخلاقية بالدرجة الأولى بين قيم الثورة الفرنسية الثلاث وبين قيم الحرية والذاتية التي نادت بها الحداثة كواحدة من الفلسفات التي كانت هي جوهر الصراع ومحتواه الفكري فهي بالمنطق العقلي والعلمي غير مهيأ بألا صل لان تكون النموذج المستهدف ولكن قوة الواقع الاقتصادي والحضاري الذي أفرزته الثورة الصناعية كسياسات استعمارية بجميع الوجوه مكنت لهذه الإشكالية الأخلاقية من أن تنفذ في المجتمعات النامية أو التي تحت سطوة وسلطة المستعمر ونقلت معها القيم بالإضافة إلى الأزمة الأخلاقية التي يمكن لأوربا وحدها أن تتجاوزها لان أسس الولادة فيها بما فيها من ظروف وقيم قادرة على تجاوز الأزمة ,أما في المجتمعات التي نقلت إليها الأزمة الأخلاقية الأوربية فلم تستطيع وبعد مرور العشرات من السنين وما شهدته من تغيرات بنيوية وأخلاقية وفكرية لازالت تعيش الأزمة وإفرازاتها لعدم تملكها أصلا مفاتيح الحل المتمثل في القيم الأوربية نفسها فوقعنا في إشكالية التغريب والهجرة وانقطعت أسباب الفهم والوعي بالذات الخاصة بنا لأننا نعيش خارج حدودنا الذاتية ونتنفس من خلال الرؤية الغربية واشتراطاتها.فالحداثة الأوروبية ليست كينونة جوهرانية معزولة عن سياق التاريخ بإحداثياته الزمانية والمكانية، بل هي نتاج صيرورة تاريخية تمتد بجذورها إلى قرون عديدة، ولذا لا يمكن فهم مشروع الحداثة الغربية إلا باستحضاره عبر جدله وتطوره منذ تأسيسه الفلسفي مع ديكارت، وتقعيده ألمفهومي السياسي مع مونتيكسيو وروسو (أقصد مفهوم فصل السلطات، والعقد الاجتماعي)، مرورا بلحظة المراجعة النقدية لأداته الإبستمولوجية (العقل) مع كانت، وانتهاء بالثورة عليه مع فلسفة ما بعد الحداثة لدى نيتشه وفرويد وهيدغر.
إن اشتراكنا في الكثير من المفاهيم الفكرية ومن مصنعات الوعي البشري كالدين الإلهي والقيم الإنسانية المطلقة التي تفرض نمط معين من الوعي كحب الخير والعيش بسلام وقيم المحبة والعيش المشترك لا يعني بأي صورة من الصور تطابق المحددات بيننا ولبين بقية المجتمعات لان تأثير المشترك بيننا أقل في فعلة من تأثير أسباب الخلاف ففي الرغم مثلا اشتراكنا مع المجتمعات الأوربية بقيمة التكوين والوجود الفكري الكينوني ((وهذا واضح بصفة خاصة في الأساطير التي تحكي أصل الإنسان والتي توجد تقريبا في جميع الثقافات. والعالم الغربي المسيحي يتصل اتصالا وثيقا بالتفسير العبراني للأصول البشرية الذي يحكي لنا كيف خلق الإنسان من طين الأرض ثم نفخ فيه نسمة حياة أو روحا (سفر التكوين الإصحاح الثاني آية ٧) وقبل أن يعتقد أي شخص في هذه القصة كتفسير لحادثة ما وقعت في الماضي))[3],فهذا المحدد موجود أيضا في عقائدنا كعرب ومسلمين وبنفس الصياغة والتصور لاتحادهما في المصدر والإنشاء,لكن فهم الاوربين يقوم من هذه الناحية وبالتوازي عل قيم فكرية وعلمية منتجه من وعيهم ورؤيتهم وإن لم نسلم بها نحن تقوم هذه المعتقدات على أسس غير أخلاقية ومناقضة تماما للمبدأ السابق المشترك بيننا من كوننا نحن أبناء المخلوق من ماء وطين فهو ينظرون إلى النظرية بعين الريبة والشك الذي يجعلها محل تزعزع بفعل مفهوم نظرية التطور الداروينية وما بنيت عليه من تفضيلات عنصرية جنسية على أساس مبني فكريا على نظرية سمو العنصر الأوربي وقدرة هذا العنصر على القيادة وعدم فائدة الأجناس البقية ويستمدون الحرية من خلال هذه الفكرة لان البقاء للأقوى والأصلح دون ضمان حق البقاء للجميع كما في القيم الدينية المشتركة بيننا وبينهم ولكن الذاتية المفرطة المقرونة بالحرية المطلقة تمنح الأوربي فهما استعلائيا قائم على حقه بالحرية وتقديس ذاته ولو كان على حساب القيم والأخلاقيات.
فجاءت الوجودية والحداثة لتنتقم من القيم والأخلاق وتدعو إلى تحطيم كل ما هو ثابت ومتعارف عليه مقابل تقديس قيمها هي ولو على حساب الذات التي يقدسونها,فان كان نبذ الماضي وقيمه وأخلاقه ونبذ الأسطورة والتاريخ والميتيفيزقيا بدعوى مناقضتها للخطاب الوجودي والفكر الحداثي ,وتغافلت كل القيم التي تدعو للذات والحرية إن الإنسان هو أبن الأمس وقيمه وولد في خضم تفاعلاته وتغذى ونشأ برؤى تنتمي إلى التاريخ والى الأخلاق والى فهم دور الأسطورة والدين والميتافيزيقا وليس له أن ينكرها لان في إنكارها تغيب وتجاهل للحقيقتين التاليتين:
· إن الماضي والتاريخ ما هما إلا الوجه الأخر للمستقبل بموجب قانون الشيئية الثانية ولا يعرف المستقبل إلا من خلال فهم وإدراك الماضي.
· إن الماضي قد أسس الحاضر الذي ندعوا فيه إلى تجاهل الماضي وإهماله تحقيقا لأمنية بناء مستقبل منفصل عنه له ذاتيه خاصة تنطلق من قيم الحاضر لا من قيم الماضي وبالحقيقة فان هذا القول هو خداع وسفسطة لا فائدة منها لان الحاضر بتجاوزه للحظة الآنية يتحول إلى ماضي ويكون المستقبل فيه حاضرا فإهمالنا للماضي يتبع بالضرورة إهمالنا للحاضر الآني وقيمه بما فيها المطالبة بتقديس الذاتية والحرية.
· إن الماضي أمتلك رصيدا من الوعي والفكر والعلم والرؤية التي بها نقيس ونحكم على الأشياء من خلال منظومة من المحددات العقلية وهي التي بإفرازاتها أوصلتنا إلى مفهوم الوجودية والحداثة من بعض هذه المنظومة وليس بكاملها ,فلو عزلنا الماضي وجردنا ذاتيتنا وحريتنا عنه نكون كمن سحب الأسس البنائية التي يستند فيها وعليها للبناء والتكوين وبذلك حرمنا أنفسنا من القواعد التأسيسية التي تبرر الولادة الجديدة للفكر الحداثي أو للفكر الوجودي فيكون مولدا غير شرعيا للحاضر يحمل في تكوينه عوامل الانهيار والتفكك التكويني.
· في علم المنطق تبنى الحقائق الإجمالية على المقدمات التكوينية أي أن لكل نتيجة مقدمة وحيث إن الحداثة والوجودية كفلسفتان تبنيان لمستقبل متصور لديهما بصورة ما لابد لهذا المستقبل من كونه نتيجة غائية من مقدمة تكوينية يستند عليها كمقياس ومعيار للتغير هذه المقدمة والمعيار لابد أن يكون الماضي والتاريخ وقيمهما,ففي نفيهما نفي للنتائج ذاتها وانتهاك للمنطق العلمي واستهتار غير أخلاقي بقيم العقل والذات العاقلة نفسها.
[1]الوعي الفلسفي بالحداثة بين هيجل وهيدجر ,محمد سبيلا ,مدارات فلسفية ج2
[2]نفس المصدر السابق
[3]كتاب الوجودية ,من سلسلة عالم المعرفة .جون ماكوري العدد58
