الجهاد السياسي هو :"بذل الجهد في إقامة الدولة الإسلامية على أسس من مبادئ الإسلام، وقواعده العامة الشاملة؛ وبالاختصار أن تكون الحاكمية في الدولة لله سبحانه وتعالى وحده"([1]).
ولا جرم أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء حفظ الدين؛أي أن تكون كلمة الله هي العليا، وأهم ما يمكن أن نحفظ به دين الله هو الحكم بما أنزل الله؛ حتى يكون المجتمع إسلاميا، والحكومة إسلامية، ولا يمكن تحقيق هذا
في عصرنا هذا إلا بالجهاد السياسي والقيام لله بالقسط.
وعليه، فإن ولوج الميدان السياسي للحفاظ على كيان الأمة وثوابتها، باب من أبواب الجهاد ومن مستلزماته اليوم، له سند تأصيلي وله معالم نبوية يستضيء بنورها ويهتدي بهديها.
فبعد تربية الأمة تربية إيمانية عالية وأثناءها يجب وجوبا ملحا الاهتمام بالمجال السياسي، أو ولوج باب الجهاد السياسي، وإعداد القوة لإصلاح ما فسد، وبناء ما انهدم، فلا ننتظر أن تعود الأمة إلى مجدها وعزها بمعجزة من السماء، بل يجب الأخذ بالأسباب كما أخذ بها منقذ الأمة ومخرجها من الظلمات إلى سيدنا وسندنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فهذا الباب من الجهاد –السياسي-"تركه العامة، ونفض أيديهم منه أكثر العلماء، وتورع عنه الكثير، حتى تعطل بورع الكذب، أو بجهل ساحق، أو بجبن فاضح، مع أن أحيانا يكون فرض عين، وأحيانا يكون فرض كفاية، وأحيانا يكون مندوبا، وأدى تعطيله بالتالي إلى ضياع الإسلام في أرضه، وسيطرة أهل الفساد، وغلبة الأهواء"([2]).
ولذلك فلا يخفى على أحد أن "المسلمين من لدن فساد الحكم وانتقاله من نبوة وخلافة راشدة إلى ملك عاض ثم جبري ألفوا على مر القرون الوضع الشاذ الذي يكون فيه الحكام المغتصبون كل شيء.
عاشت الأمة هذه القرون في غياب مذهل للأمة الخاصة، وهي جماعة المسلمين التي أمر الله أن تكون منا.
تألفت على مر تاريخنا جماعات تطالب بالحكم، منها ما كان عملها شرعيا سماه علماؤنا قومة (القائم من آل البيت)، ومنها ما كان عصبية وإرادة تسلط على الحكم لإبدال طاغوت بطاغوت سماه علماؤنا ثورة.
لكن جمهور الأمة وقاعدتها عاشت على ذهنية خاملة. على ذهنية أنها رعية ترعى دون حق لها في الاعتراض، وأن الحكم المنتصب شرعي مهما كانت جرائمه.
هذه الذهنية الآن لا تزال سائدة، وإن كانت الصحوة الإسلامية المباركة تزيل عن الأعين شيئا فشيئا هذه الأوهام المزمنة"([3]).
ولدينا تأصيل قرآني للجهاد السياسي، قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾([4]). كما لدينا تأصيل نبوي، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو tقَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:p إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ أَنْ تَقُولُ لِلظَّالِمِ: يا ظَالِم فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْi([5])؛ أي كَبِّر عليها أربعا لوفاتها.
والأحاديث والآيات في الباب كثيرة اكتفيت بما أوردته هنا.
وبهذا فإن "الإنسان الذي ليست له الرغبة أو النية، ثم المشاركة في العمل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا في قطره بإقامة دولة الله وفي العالم الإسلامي بتوحيد أمة الله وفي العالم بإخضاعه لكلمة الله لا يمكن أن يمثل حزب الله حق التمثيل"([6]).
وإن المسلم الذي يرفع شعار لا أتدخل في الشؤون السياسية فهي مما لا يعنيني؛ فهذا إما أنه لا يفهم حقيقة الإسلام، ولم يدرس سيرة النبي العدنان عليه أزكى الصلاة والسلام، أو أنه جبان لا يريد أن يقف بصلابة مع حكم الإسلام.
ولا شك أن هذه العقلية تخرج لنا في النهاية جيل سلبي انهزامي واهم لا يهتم بمصير أمته، ولا يبذل جهده في حل المشاكل اليومية التي تتعرض لها الأمة، تاركا الدنيا للمفسدين يعيثون فيها فسادا.
أما القعود بحجة أننا في العهد المكي الذي يستلزم منا الصبر، فهذا قصور في الفهم، والعهد المكي ليس عهدا خاليا من الجهاد والصراع مع الكفر، بل العكس؛ عندما نقرأ السيرة النبوية نجد أن أعنف مرحلة صراع هي مرحلة العهد المكي، فقد كان هناك صراع فكري وعقدي مرير مع صناديد قريش، فلماذا تعرض النبي المجتبى r للإيذاء؟ ولماذا عذِّب الكثير من الصحابة المستضعفين؟ ولماذا أمر النبي المصطفى r أصحابه بالهجرة إلى الحبشة؟ ولماذا خرج بنفسه r إلى الطائف؟ ولماذا هاجر هو ومن معه إلى المدينة؟...
إن الله تعالى يقول في سورة الفرقان وهي مكية:{وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً}([7]).
ولذلك فإننا لسنا في مرحلة العهد المكي، بل في مرحلة العهد المدني في انتقال سيدنا رسول الله r إلى الرفيق الأعلى، ومرحلة البعد عن الإسلام، ومرحلة الكيد للإسلام ومحاولة النيل منه وهدم مقدساته سواء في الداخل أم الخارج.
فكفانا جدالا في أمر معلوم من الدين بالضرورة، وكفانا ذلة ما نعانيه لما تقاعسنا وتقاعدنا عن فريضة الجهاد، ولما صرنا نلهث وراء سراب "معاهدات السلام" التي تحفظ للأعداء مصالحهم...
وهذا، ومن المعلوم أن التعاون على الخيرات وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وعلى إقامة الحق وإزهاق الباطل، وبناء دولة الإسلام مكان دولة الفتنة هو المواجهة الأولى والواجب الأسبق في ولاية المؤمنين بعضهم لبعض.
يقول الدكتور محمد خير هيكل:"حين تقوم دولة الخلافة، وذلك بمبايعة خليفة للمسلمين في قطر من الأقطار الإسلامية، على أنه إمام لجميع المسلمين في الدنيا لإقامة حكم الإسلام في جميع العلاقات الداخلية، وجعلِه محور العلاقات الخارجية، وحملِه رسالةً إلى العالَمِ ففي هذه الحال، تكونُ قد لَزِمَتْ بيعة الإمام عُنُقَ كلِّ مسلمٍ لا يعتبرُه إمامًا. له عليه حق الطاعة"([8]) يصدق عليه الحديث النبوي الشريف:pومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليةi([9]).
في مقابل ذلك؛ وبعد إعداد القوة بجهاد النفس والمال والتعليم... تأتي مرحلة التنفيذ، إذ بعد التربية يأتي الجهاد، بعد الشدة الفرج، بعد ولوج أبواب الجهاد كلها: جهاد النفس، جهاد المال، جهاد الدعوة، جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جهاد التوحيد، الجهاد البياني، جهاد البناء، جهاد الاقتصاد، جهاد الإعداد، جهاد التعليم، جهاد القتال... كما سنتحدث عنها في كل حلقة من هذه السلسلة، تأتي مرحلة تنفيذ الخطة المحكمة، لإقامة دين الله في الأرض، ونصرة شريعته، والدفاع عن المستضعفين في الأرض، وكسر شوكة الطغاة المتجبرين الناكثين لعهد الله وعهد رسوله الأمين r...
هذا كله بعد لَمِّ شمل الأمة الممزق، وتقريب الشقة بين مكوناتها التي تعمل للإسلام؛ حتى لا تذهب الجهود المشتتة أدراج الرياح.
وتوحيد الصف حقيقة قرآنية تحدث عنها في آيات كثيرة، فالأمة المكللة بتاج الخيرية والشهادة على الأمم هي الأمة المتماسكة الواحدة، فالوحدة تاج مقدس، يجب أن تحافظ عليه الأمة، بل أن تسترجعه وتعيده إلى رأسها، لتبقى معززة مكرمة.
ولعل مما سبق يمكننا القول أن مناط النصر والتمكين هو التربية الإيمانية الصحيحة، والرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة نبييه المصطفى r، والتنظيم المحكم، وولوج أبواب الجهاد كلها، بهذا تُتوج الأمة بإكليل الخلافة الثانية على منهاج النوة.
وبهذا المعنى فإنه " لا نَصْر إلا بجهاد، ولا ثمرة إلا بجهد ولا مجد إلا بعرق وكفاح، أما أن ننتظر من القرآن أن ينشئ لنا عالما ونحن كسالى مهملون فذلك ما لا يكون.." ([10]).
وهنا لابد إلى أن أشير إلى الطريقة السلمية في إقامة الدولة الإسلامية، لا طريقة القتال كما يرى الدكتور محمد خير هيكل في رسالته الدكتوراه، ودعم رأيه بأقوال بعض المفكرين، وأدرج ذلك في قتال البغاة([11]) فأسوتنا سيد الوجود r الذي أقام دولة الإسلام دون سفك الدماء.
([1]) حتى يعلم الشباب، عبد الله ناصح علوان، ص82.
([2]) جند الله ثقافة وأخلاقا، سعيد حوى، ص380.
([3]) المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ص408.
([4]) سورة التوبة:73/ وسورة التحريم 9.
([5]) المستدرك على الصحيحين،كتاب الأحكام ح7039.
([6]) جند الله ثقافة وأخلاقا، ص27.
([8]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، 1/363.
([9]) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، ح1851.
([10]) واقعية المنهج القرآني، توفيق محمد سع، ص45.
([11]) انظر رسالته: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، 1/285-323.
