عندي صديق بعيد جداً في الجغرافيا و قريب جدا من القلب إسمه " جو " و هو شاب حالم يكتب شعراً جميلاً بالعامية اللبنانية ، و لكنه مشغول هذه الأيام بالتحليل السياسي ! يكتب كل يوم و يتعب نفسه بالوطنية و القومية و مقاومة التصحر العربي .. و لكن أجمل مافيه أنه معجب بكتاباتي و يخاطبني دائما بإلأستاذ و هذا أمر يفرحني و يحقق لي درجة من الرضا عن الذات أفتقده بين أصدقائي الكُتاب الملاعين الذين يصرون أنني مجرد رسام يتطاول على الكتابة ..
أرى الآن على فضائية لبنانية مطرب بعنق غليظ كأحد المصارعين و توقفت بحذر عند إسمه " بلال مسالخي " و تعجبت من قدرتنا كعرب على إبتكار أسماء غريبة كالمسالخي هذا .
كنت أتمنى أن يكون عندي عدد من " الجوات " / جمع " جو " ليقرأونني و يغدقون عليّ بالإطراء الذي أحتاجه لإستعادة ثقتي بنفسي ..
أنا رجل محترف كآبة و عزلة ، و يتصادف لإكتمال المهزلة أن لدي عدد من الصديقات اللواتي يحترفن الكآبة و الكتابة ، و هن كائنات غريبة تتصرف دائماً ضمن رهاب حس المؤامرة ، و يعتقدن أنهن مستهدفات من جهات عدة ، غريبة .. إجتماعية عشائرية و ثقافية .. و أنا أشاركهن أفكارهن بأنني مستهدف أيضاً مثلهن فيرتحن و يبحن لي بهمومهن المملة التي تزيد من حالة الضجر التي تنتابني كلما التقيت بهن و استمعت لهن ، كنت أحب أن أحتفظ بصداقات بديلة لنساء غبيات جميلات و رشيقات و يضحكن بلا سبب بقهقهات مثيرة تدفع الدماء إلى الرأس و أرجاء البدن و تعيدني إلى حالتي الغرائزية الأولى قبل أن أتعرف على الثقافة و الكآبة ..
تعبت من تحليلات محمد حسنين هيكل الطويلة ، تعبت من مثقفات جمعيات التحرر النسويّ ، تعبت من الشعر الذي لا أفهمه ، تعبت من الفودكا الرخيصة و الوحدة و الوطن ومن إدعاء الفضيلة ، تعبت من محاولة مغازلة زوجتي و انتزاعها من المطبخ لنتحدث و لو قليلاً عن حبنا الذي كان ..
" جو " البعيد القريب قاريء خطير يلتقط الهذر الذي أكتبه و يعرف الأسرار التي أخبئها بين الكلمات ، صرت أخاف منه و أشعر أنه شخص غامض يستهدفني وربما مدفوع من جهة ما لدراسة حالتي كشخص مريب يدعي الهبل لتمرير أفكار خطيرة قد تضر بالإنسجام العاطفي العربي !!
و لأنني مصاب بوباء السهر و أقاوم النوم – كل ليلة – بشراسة حتى أسقط صريعا بالضربة القاضية للنوم بعد بزوغ شمس الصباح ، و هذا يجعلني متواجداَ طوال الليل لأستمع لآهات النساء الساهرات و يعانين من الوحدة مثلي ..
قالت لي صديقة عربية تعاني من أمراض نفسية كثيرة :
هل كنت أحبك يوماً ؟
قلت : لا أعتقد .. قالت : أنا لا أتذكر .. قلت : و أنا أيضاً .. أنا مثلك أراجع طبيباً نفسيا و أبتلع يومياً خمسة حبات لمعالجة القلق و الكآبة ، فرحت هي و صرنا نتحدث عن أصناف الأدوية التي نتعاطاها ، وجدنا أخيراً موضوعاً مشتركاً يجمعنا ..
أعرف أن هذا البوح سيعرضني للبهدلة من الجهات التي ذكرتها في السياق ، و لكن الكتابة كما أرى يجب أن تستوعب تبعات مثل هذه المصارحة التي هدفها ليس إصلاحياً بأي حال ..
أشار عليّ صديق تقدمي كان يعيش في أمريكا بأن أشتري كلباً ليؤنس وحدتي ، و كان يرى أن الكلب يحقق للإنسان نوعاً من التوازن العاطفي الذي يحتاجه ، لم أكن فكرت بالأمر من قبل ، بدأت أبحث في علم الكلاب و أصنافها و كيفية إقتنائها .. أحب الكلاب عن بعد و لكنني لا أحتمل أن يلعق كلبي الحبيب وجهي بلسانه الطويل و لا أعتقد أن هذه العلاقة المقرفة بين لعاب الكلب على وجهي يمكن أن تحقق لي أية بهجة أو فائدة تُذكر .. سوى أنه سيزيد من حالة السرسبة عندي و غسل وجهي بكل مواد التعقيم المتاحة حتى ينسلخ جلدي ..
كنتُ مضجعاً على أريكتي المريحة و أنا أكتب هذا الكلام ، أتأمل برامج متنوعة على الفضائيات ، أوراقي بجانبي و مابين رشفة و أخرى من الفودكا أكتب جملة و أنساها أو أعيد قرائتها و أشعر أن الحياة تحتمل المزيد من هذا الكلام الذي لا طائل منه أو أنه ضروري لتبديد الضجر.
هنا دخل الغرفة مجموعة من المسلحين المقنعين و رفعوا أسلحتهم بوجهي ، بسرعة أخرجت رشاشي السريع من تحت الأريكة و جندلتهم جميعاً ، دمائهم كانت تغطي المكان فاتصلت بالمخرج و طلبت منه أن يأتي بالطاقم السينمائي ليأخذهم و يدفنهم ثم تنظيف المكان من آثارهم ، فقال لي أن هذا المشهد ليس ضمن السيناريو و أن المنتج يرفض دفع أية تكاليف إضافية ليست واردة في ميزانية الفيلم !! ثم نبهني بلهجة حازمة :
يا غبي ألا تعرف أننا في السينما ندفن توابت فارغة و يستحيل أن ندفن ممثلينا ؟!
قلت له : يا استاذ .. قصدي يا حمار .. الدراما يجب أن تلامس الواقع ، أنا قتلتهم و الفيلم لازم ينجح !
مر عنكبوت صغير على طاولتي و انتظرته حتى يمر بهدوء من على أزرار الكيبوبورد ، كنت أخشى إن سحقته أن يتلاشى كل ما كتبته هنا ! العنكبوت أمامي الآن على أرض خالية سحقته بقوة و ارتحت .
( معقولة عنبر يعرف الأشكال دي ؟ ده بيموت في دباديبي .. )
هذا مقطع من فيلم مصري سخيف مر من امامي على الشاشة هذه اللحظات ..
قال الممثل للمثلة الفنانة التي ترسمه :
( إيه يا " هبة " إنتي عاوزاني أأقعد قدامك زي الخشبة عشان ترسميني ؟ حكاية المعرض دي قلقاني قوي .. أنا عندي إحساس إني لازم أرَوَح ……. )
