تصريحات وثنية

طباعة

لم أفكر بالعمر حين تلاعب النسيم بخصلات شعري الرمادية، بل راح ذلك يذكرني بسماء أيلول، و لحظات الخريف المسالمة، كان لا بد لي من أن أكون أكثر عصبية الآن بعد فنجان القهوة الرابع، لكن جسدي يغفو و يغرق ليواصل شيء بداخلي الثوران، كم من الصعب بعد كل ما مر من الوقت أن أعود لهذا الجو السخيف، و المناخ التائه، أن أدعي أن بإمكاني نفض كل هذا الغبار عن أيامي،

 و أستقبل القادم منها بأفكار عقد مضى، هل تستحيل الأفكار رمادية كشعر العجوز؟، أتذبل سماء المشاعر كسقف أيلول؟... رحت أتطلع لبوابة المعرض كأي شخص غريب، أنتقد الواجهة و الحضور، أبتسم سرا ساخرة من الفساتين الملونة، كيف يمكن لشخص يدعي الفن أن يرتدي له لونا غير الأسود، هذا اللون الذي يمتص كل شيء، ويعكس القليل القليل... على نافذة المطعم المجاور أرى انعكاس صورتي على زجاج واجهة المعرض، كاسرة قرارا ما كنت لأسحبه من أرض القناعة، لكن لا أحد لاحظ ذلك، هاتفي لا يتوقف عن الرنين، لم أرد، و لن أرد، راضية بالجلوس كالمتفرج أرقب أطوار القصة من بعيد، أحلل، أفسر، أستبدل مشهدا بآخر، و وجوها بالفراغ، أرفض أن أكون جزءا من يوم أرفضه، أقف فيه عاجزة عن تصويره و نحته، أغيب في سواد فنجان القهوة حاملة إياه بين كفين أبيضين يبثان في قلبي إحساسا بالاغتراب و الشوق للغبار... في وطني أنا نحاتة، أشكل وجعي بألف شكل، و في كل مرة يتجلى كاملا أمامي أرى فيه سببا للغبطة و السعادة، لا تلذذا بالألم، بل توقا لامتصاص الحياة كيفما كان طعم إكسيرها، أتحد مع الجماد ليمنحني القوة و الصبر، و أحس أنه يكاد ينطق تحت أناملي التي تخاطبه بوعي جاد لا ينتظر الإجابة، لكنه في الوقت ذاته يصغي... أؤمن أن الصمت حكيم حين نعرف كيف نصغي له، كيف نرد عليه، و نرتقي له، كيف يدفعنا رغبة و كرها لعشق الوحدة، و الاحتراق بأشواق خواطر تأملاتنا الصوفية أو النرجسية... ربما كنت أبالغ، أعرف أنني أبالغ، كما أعرف أنني امرأة يقتلها الاعتدال، فمن يستطيع لومي؟... عاود هاتفي الرنين، فوق طاولة المطعم أتركه و أذهب، أذهب إلى حيث أنحت نفسي، بعيدا عن أرض الانعكاسات، و عمن يتلونون زهوا في مجالس تجددات الوثنية.

Tweet
Facebook Social Comments