لو أن الزمن لا يعود..
لكف ذلك الوخز الوئيد عن لسع أصابعي ، و لأينعت في قلبي أشجار المشمش والخروب و بعض أزهار الليمون.
لو أنك لم تأت……
ما كنت لأتوقف قليلا و أستدير، لربما سعدت بما وهبته لي الحياة و مضيت .
ضدان افترقا.
فلماذا أرتق أفكاري بك منذ تحادثنا ؟ أنسج طيفك من سحب الأمسيات ، أضفر ليلي بنهارك، و أهز أقمارك، فأسمع صلصلة الأجراس في قلبي . لعلي أستعذب هذا الأوار وأحتطب له بما تبقى في ضلوعي . لعله قد حان لرتل الفراشات الذي يرف في داخلي أن يدفع الحصاة خارجا و يطير.
قديما، حاولت أن أفعل بك ما تفعله النساء الغاضبات ؛ حين تقهرهن سياط الحب يجهضن الألم بكتابته .
لم يكن قتلك على الأوارق أمرا استثنائيا، فطالما مارست عليك نزقا ساديا من هذا النوع .
لكن حين قتلتك آخر مرة ، خرجت مني بلا ملامح ، فتشت عنك في رعشة صدري فكنت وجيبا متواترا يقطر الثواني في علو متسق و في هبوط رتيب . و عندما أمعن الحزن في أوراقي أكثر، انجبل الحبر الداكن و مرد أمامي طيفا آخر لا آلفه .
أضحت طقوس الكتابة بعدها كمراسم الحداد ، لا تبهجها التراتيل و لا الأزهار. لا يمسح مرارتها مذاق البن المحروق ، ولا يخفف من سقمها سراب نصوص باهتة.
أطبق الفراغ على أيامي و ابتلعني داخل ثقبه الأسود، و ظللت أنتظر الآخر المجهول ، سيشرق علي حتما من قاع الفنجان و سيكون أشد منك سطوعا !
لو أن الزمن توقف لما التقينا من جديد..
ما كنت لأتقلب الآن على سريري ، أكرر تفاصيل المشهد ، أطمر رأسي في الوسادة، تحت أغطيتي ، بدون غطاء ، آرق مع صوت أم كلثوم ، أسهر أمام الحاسوب، و أفكر ، هل كنت تنظر نحوي من خلف الزجاج قبل أن تقول : ما أخبارك ؟ ، أم أنك قلت ” ما أخباركم ؟ ”
هل كنت تستفهم عني أم عن الكتابة أم عنا ؟
أخبارك ؟ أم أخباركم ؟
هل أشهرت ميم الجمع تلك احتجاجا أم سخرية أم إدانة.
هل كان لهاثك هذا لأن القدر جمعنا في صالة عرض الكتب دون تخطيط مسبق ، أم أنه ذاك اللهاث القديم ؟
هل عنيت ما قلته حين سألتني ، ” هل أنت حقا سعيدة ؟ ” ، و كنت تحرك كوب القهوة بعصبية ، و تنأى ببصرك بعيدا عني ، فقلت ” بالتأكيد ! ” ، و أجبتني ، ” أما أنا ، فلا ! ”
ما أشد حقدك إذا ، كنت تنتظرني ، و قد قلت : أخباركم !
قصتنا العادية لها غبش البدايات ، جذب النهايات ، و ذبذبات المنتصف . لم تكن قصة واضحة ، اعتقدت أنك حالة كتابة ، و أمنت بعد توجس بأنك تعويذة ذهبت رياحها بما أتت به .
لن أتنصل من أنها كانت حجارة لنار قلمي ، طعما لأسماكي ، مسرحا مزركشا لعرائسي !
و لن أنكر أني تضايقت منذ تباعدنا، و أن أكثر ما ضايقني هو أني ما عدت أكتب بالروح التي سكبتك بها على دفاتري !
لم تغفر لي ، لم تفعل .
انتصبت سبابتك في وجهي حين قلت لك بضيق : قصة قديمة ، و الحياة لا تتوقف !!
شددت على أسنانك كما كنت تفعل ، و أعدت جملتي من تحت أضراسك . و بدلا من أن أذهب - كما كنت أتصرف سابقا - أدق الأرض بكعبي ، و أشد قامتي كوتد مقدود من صخر ، تركتني أجاهد دمعة ، و أحشرها في زاوية عيني.
ضدان اجتمعا..
سعيد أنت بانتصارك الصغير. تنام الآن ملء عينك. ستصحو باكرا تتنشق عطر الورد و تذرع الفضاء كحصان بري، و ربما تصفر - و أنت تحلق ذقنك - لحنك المفضل ، وتراقص منشفتك رقصة الفالس و ربما الدبكة.
ستغني أغنيتي التي أحبها ، لن تتأثر، و ستقول لنفسك : قتلتها ، الآن فقط ما عدت أحبها !
ربما يعود الماضي ؛
الحياة لا تتوقف ، و المخدة تقارعني.
اللهيب الوئيد يتسلل إلى أناملي ، و روحي تنتفض من شرنقتها.
أريد سكبك من جديد ، و أريد لرتل الفراش أن يحلق عاليا و يطير.
سأغني أغنية أخرى لا تعرفها .
حاول فقط أن تفك الشفرة .
.
.
إن استطعت !
