السّراب و المطر

طباعة

قد مضى زمن بعيد على سقوط تلك الفتاة ، بُعَيد رحيل الصيف .

أذكر الآن – بعدما أيقظتني من النوم بقبلتها الحانية -  كم غُصتُ في تفاصيلها قديما عندما ألقيت عليها النظرة الأولى وقت ارتياحها بالموت وافتراشها سُحُب التّراب .

لم أكن أعلم أن هيبة الرّحيـل تلك ما هي إلّا وهم ضئيـل قليل ، وأن المهابة الحقيقية تأتي فيما بعــد !

 

ظننتني تعلّمت درسـا رفيع الشأن على يـد السّراب ..

ولكنّني بعد مجيء المطر .. أبصرتُ كلّ شيء .

 

~~~~~~~~

 

كان ذلك قديمـا ..

تصيبني القشعريرة حين أبتدىء الكلام بتلك الغريبة " قديمـا " !

أكان ذلك قديما ؟ أحقّا ؟

كنت حين أُنصِت بخوف لهلوساتِ العجائز وتخاريفهم القَصصية ، أحسّ حالة مماثلة من الجمود والقشعريرة ، بالأخص عندما يبدؤون خيالاتِهم بـ" كان يا ما كان ، في قديم الزمان " .

قد كان "قديم الزمان" يعني لي – في ذلك الوقت – ما هو بعيـد .

أما الآن فلم أعد قادراعلى فهم الفلسفة الشائكة وراء معضلة الزمن !

تعطّل عقلي تماما عن اقتفاء أثر الوقت !

 

أترون ..

لقد تعلّمت دروسا كثيرة في الماضي ..

واختبرت كذلك أحاسيس متعددة .. ومعارف شتّى .

ولكنني الآن – كما أسلفت – أبصرتُ كل شيء .

 

 ~~~~~~~~

 

" بدّي أسألك سؤال .. إنتَ ليش عايش ؟ "

كان ذلك قديمـا ..

عندما حيّرني أحدهم بمسألة الوجود ، وأدخلني دوامة فلسفية لم أخرج منها .. إلاّ قديما !

 

" شو ليش عايش ؟ عايش علشان ربنا خلقني ! "

أذكر رعشتي حين ألقيت على سمعه ذاك الجواب ..

ولكنـه بدا – لي -  ردّا منطقيـا للوهلة الأولى !

 

" بعرف علشان ربنا خلقك ! شو شايفني حمار !؟ "

لطالما أحببت فَهم الحمير .. واحترمت وجودها ، بل وفضّلتُها – في بعض الأحيان – على كثير من البشر !

أذكر حينها أنني دقّقت بملامحه جيدا ، ولكن لم أعثر فيه على ذاك "الحمار" الذي اتّهمني برؤيته !

 

" لا .. حاشَ الحمير ! "

تراودني الآن رغبة بالضحك .. فقد اكتشفت صِدق ردّي !

 

" ولّك عن جد بحكي ، يعني إنتَ حاسس إنّك إذا متّ رح تتأثر الدنيا بشيء ؟ "

على الرغم من أنني أحسست عاصفة هوجاء تقتلع كل رسوخ في كياني جرّاء ذلك الاستفهام .. إلّا أنني أحببت التقليل من شأنه وتفاديه ، لا شيء .. إنما كي لا أشغل عقلي الرضيع بما هو ناضج !

فقد كان للمقولة العريقـة " اللي فيني مكفّيني " أثر كبير على حياتي .. أنا وغيري !

 

~~~~~~~~

 

قد كان ذلك قديمـا ..

عندما بدأت أتأمّل بِنَهم دهاليز ذلك السؤال الفلسفي الكبير ، الذي قيّدني بعِقاله زمنا و ألهمني الكثير ..

ومنحني فيما بعــد .. بعض عِلم .

كان سؤالا يستحِقّ الطّرح ، ويستحقّ عناء الإجابـة .

 

" بتعرف .. الواحد حاسس حياته فاضيـه "

أذكر تلك العبارة جيّـدا ، حين كنت في خِضَمّ الصّراع لمعرفة الفرق بين الحقيقة والسراب .

 

" صادق والله ، بس لازم نحاول نلاقي معنى لحياتنا أو موهبة معينة ترفعنا "

أصابتني تلك الكلمات بِهَمّ إضافيّ !

 

" بس كيف ؟ والله حاسس الشّغلة صعبة ! "

أشعر الآن بغبائي الماضي ..

وأعترف لنفسي .. بضِيق فَهمي !

 

" إنتَ حاسس إنها صعبة لأنك ما بدّك تتعب حالك ! إنتَ بدك تقعد مثل البقرة وجودك وعدمه واحد ! "

لم يكن ذلك شخصا واعيا كما قد ترون ، قد كان شخصا .. فارغا !

كان يعشق التنظير والفلسفة الفارغـة .. متكبرا بعض الشيء !

ولكنني أذكر أن فكرة ما راودتني .. فقد التمعت في ذهني صورة لبقرة جالسـة !

وتساءلت " كيف جلست ؟ "

ولكنني تجاوزت تلك الفكرة كعادتي مع جميع الأفكار الأخرى ، التي قد تستدعي مني ولو قليلا من القلق !

 

" لا يا رجل ، بس حاسس إنّي الأصل بدأت البحث من زمان ! "

هي جملة استعنت بها لطرد تلك الأفكار الخبيثـة !

 

" والله ما بعرف .. الله بيعين "

كان وقعُها عليّ كبيرا .. " الله بيعين ! " ..

لم أدرِ حينها لِمَ أحببتها .. ولكنني الآن أدري ..

فطبيعتي المتواكلة أحبّت أي وهم قادر على منحها الراحـة .. وإن كانت راحة زائفـة !

 

~~~~~~~~

 

كان ذلك قديمـا ..

حين انتهت بي فلسفتي إلى خيط أوصلني بالتدريج .. إلى المعنى .

أذكر جيّدا نبرة صوته المتحمّسـة ..

" صحيح ، إنتّ كتبت خاطرة اليوم ونشرتها على الفيس بوك صح ؟ عجبتني ، حلوة كثير "

أسعدني الإطراء ، وأثار في نفسي تأكيدا لما كنت أظن .

 

" شايف ، اكتشفت إني بعرف أكتب ! "

كنت سعيدا ومبتهجا لوجود موهبـة ما داخل قلمي ..

وسعيدا أكثر لقدرة غيري على رؤيتها وإثبات وجودها !

 

" طيب تمام ، حاول تطوّر حالك وتزيد قدرتك وجمالية كتاباتك أكثر وأكثر "

أذكر أنني توقفت عن البهجة برهـة ، وفكّرت " لم تكن الخاطرة جميلة إذا ! " ..

ولكنني تجاوزت تلك الفكرة – لسبب تعرفونه !

 

" الله بيعين "

قلتها لأرتاح – لسبب تعرفونه أيضـا !

 

~~~~~~~~

 

 

وساقتني أمواج الخواطر والأشعار إلى يابسة ذبت شوقا إليها طويلا .

هناك عالم فيه كل شيء واضح جليّ ، ولا حاجة فيه إلى تبعيّـة أو نِفاق !

أحسست بالنضج الذي ألَمّ بي ..

وبالعواطف والأحاسيس التي اعتملت برفق داخلي ..

 

أحببت عالمي الجديد .. وكوّنتُ بيننا رابِطة قويـة ، مثيرة للعشق .

وعزمت على المسير والعطاء ، إلى آخر قطرة عُمر .

 

كنت عندما أجلس مع الليل في تلك الأيام الخوالي ، مُقلّبا صفحات الأيام ، أصاب بدهشة عجيبة ورغبة جارفة بالضحك !

فقد كنت في تلك السّجلّات الرثّـة يافعـا ، طائشا ، يرافقني جهلي العِلمِيّ .

و بعدما تسلّقت الأسئلة سور حياتي ، تحوّلت شابّا عاقلا .. مليئا بالحياة الحقيقية .

كذلك أبصرت نفسي !

وها أنا الآن .. تصيبني رغبة عارمة بالضحك .. والبكاء أيضا !

 

~~~~~~~~

 

ما زلت أذكر ذلك اليوم ..

وأظن قطعـا ، أن ذاكرتي لن تصاب بالتلاشي كلما تقدم بها الزمان ..

ربّما .. لأن الزمان هنا ليس حيّـا كما الماضي .

أو ربمـا .. لأن بقعة سوداء ابتلعته للأبــد !

 

كنت يومها أتجوّل وحيـدا في إحدى صور الطبيعة الساحرة .. في رحاب الجامعـة .

كنت أشاهد الحياة ..

كنت خائفـا .. وضعيفـا .

فكلما تذوّقت قدرة الحياة وقوّتها .. أحسست بضآلتي .

وكلّما بدت لي ضآلتي ، وبان لي حجم ضعفي ، تذكّرت نداءاتِ بعضِهم حين يخاطبونني ..

" كيف حالك يا كبير " !

وأبتسم .. دامِعـا .

 

أذكر أنني حلّقتُ كثيرا في سماء تلك الصورة ، وتأمّلت تفاصيلها طويلا .

لم أكن أعلم أن هذه الصورة ستتشبّث بي .. إلى الآن !

 

لم أقوى على المغادرة ..

أحببت أن أبقى ،  أن أشتري خيمـة وأنصُبها في خريف الطبيعـة ..

أن أعيش هناك أبدا .. في قلب الحقيقة .

" قلبُ الحقيقة ! " أءسفُ الآن على مثل ذاك الاعتقاد !

 

~~~~~~~~

 

أذكر حينها – وبعد ساعات من التجوال – أنني سُرِقتُ ناحيـة تلك الشّجرة المتهالكـة ، التي أثكلتها قبضـة الأيام فأماتت أوراقهـا .

أذكر تلك اللحظة – بالذات – بوضوح استثنائي .. فقط لأنني لم أكن أعلم وقتها أنني سأُسرَقُ للآن !

وسقطت عيني على واحدة من بناتها الساحرات ..

فامتدّت إليها يدي بحنان ، واحتضنَتها برفق ، وقرّبَتهَا من فمي لتُقَبّلها شفتاي بحُرقـة !

هي حُرقـة لم أختبرها في حياتي قبل ذلك .

أذكر أنني تأثرت كثيرا ، وشارفت حينها على البكاء .. لم أدرِ لِمَ .

ولكنني لم أبكي ، لأنني – كما تعلّمنا قديما – " رَجُـل " !

 

 

أبحرتُ طويلا في تفاصيل تلك الفتاة ، وهي ملقاة – بغير حَول – بين يديّ .. صفراءَ شاحبـة .

أحببتُها ..

وصوّرتُ لها في مخيّلتي أجمل تاريخ ..

أغرِمتُ بها كثيرا ، وخاطبتُها أيضـا ..

" لماذا لم تَسرقي عينيّ قبل الآن ؟ ولماذا فعلتِها الآن ؟ "

ولم تُجِبنِي ..!

 

" لكنّني أسامحكِ ، فقد كنتُ أعلم أنّكِ خجلَى .. لا تحبين لفت النّظر – كما الأخريات - ، أنتِ عذراء صافيـة "

وتذكّرت إحداهُنّ - كنت قد أحببتها قبلا - وظننت أنّي لن أفارق حبّها أبدا .

ولكن .. بعد أن بانت فتاتي المستريحـة فوق كفّي ، نسيتها ونسيت كلّ الباقيات ..

فهُنّ لسنَ كمِثلِها .. أبـدا .

 

حفِظتُها على كفّي ، ومشَيت بهـا ..

ضحِكتُ معهـا ، ووعدتها بالسّعادة والهناء .. معي .

 

~~~~~~~~

 

ما زلت أذكر ذلك اليوم .. ولن أنسى .

حين دخلتُ – بِرِفقتها – حافلة الرّحيـل !

وجلستُ بوقار على أحد المقاعد المتهالكة ، وأجلّستُها بهدوء فوق قلبي .

لم أدرِ لِمَ راودتني تلك الرغبـة العاصفـة بالقراءة !

فقد حرصت على أن أمَتَعها بكلام عَذب من بنات قلبي ، ولكنني لحظتها افتقرت إلى البيان .

فأخرجتُ من حقيبتي كتابا لطالما أحببتُه .. ورحت أقرأ – لها – صامتـا .

بدأت بالفصل الأخير من المسرحيـة .. لم أدرِ لِمَ !

لكنني أقنعت نفسي حينها بظّنّ مـا ، أنّ الفصل الختامي لمسرحيـة " روميو و جولييت " هو الأجمل .

هكذا ظننت .. وهكذا جهِلت !

 

أعلم الآن .. أن مصيرنا أشبَهَ – إلى حدّ ما – مصير البطلين ..!

فالحقيقة أنني قرأت ذلك الفصل الأخير لِشَبَه ما بيني وبين "روميو" وبينها وبين "جولييت" ..

أن الحبيب يموت مُرغَما حين – يظُنّ – رحيـل الحبيبة .

 

~~~~~~~~

 

ما زلت أذكر ذلك اليوم .. ولم أنسَى .

قرأت لها كثيرا ..

وكنت أحِسّ فرحـة خفيّة تقتحمني كلما تقدّمت بالقراءة  ، فقد استولى عليّ شوق الوصول إلى الخاتمة ..

و أحسستُ فرحتها .. فشاطرتها الإحساس .

ولكنني لم أكن أعلم أنّ شِدّة الحُبّ سَتُجبِرُ الأقدار على أخذِي .. لأشاطرها ذات المصير أيضا !

 

كم أحببتُ أن أتمّم اللقطة الختاميـة قبل الرحيـل !

ولكنّها الأقدار شاءت أن تُتَمّم ذاك الختام حقيقة ، وتَعرِضَهُ ببعض التحريف .. في بطلين جديدين !

 

~~~~~~~~

 

ما زلت أذكر ذلك اليوم .. وتِلك الظُّلمةُ الأخيرة .

 

إنّني سعيـد الآن ..

فأنا لم أعاني في تلك اللحظـة الكثير .

فقد رَحِمتني الأقدار سريعـا .. بلا ألم  - أنا وغيري من المسافرين في حافلة الرحيل تلك !

ولكن .. هناك سبب آخر يستثير سعادتي .

فحبيبتي وأنا .. هنا !

 

 

هي أيقظتني مرتين ..

قديمـا .. عندما علّمَتني درس المحبّة .

والآن أيضـا .. أيقظتني .

فقد كنت لدى وصولي نائمـا ، سابحا في متاهات الفراغ ..

حين أحسستُ عذوبة شفتَيها ، إذ ترسمان على وجنتي قُبلة دافئة فريدة ..

وتُريني صورة ثانية للمكان .

هو ذات المكان ..!

وهذه خيمـة .. كنتُ قد فكّرتُ فيها قديما .

وهذه الشّجرة الأم .. قويّة ناضرة من جديد !

وها هي البِنت .. مبتهِجَة خضراءُ على وجنتي كما لم أرها قديمـا .

وهذه هي الحياة .. التي أشاهدها للمرة الأولى كما لم أشاهدها قديما .

 

سعيـد أنا الآن ..

وتداعبني رغبـة بالابتسـام !

فعندما تعود بك الأيام إلى حيث السراب .. ترى نفسك ساذجا !

وتبتلعك البهجـة حين تُشفى ..!

وقد شُفيت .

 

~~~~~~~~

 

ولكنني .. أسترجع بعض الذكريات .

وأنظر من هنا .. إلى هناك .

فأرى " أحَدَهم " و " إحداهُنّ " بعد رحيلي ما جرى بهما ..

كيف عادوا للسرور ، وكأن قلبي لم يذُب في بعضهم .. زمنا قديما !

لقد رحلتُ .. وانتظروا !

 

لم أعُد أبالي ..

قد اكتسبت من العلم ما هو حقّ .. وتخلّصت – أخيرا – من عذابات الصراع .

وطهُرتُ من درن السراب .. بالمطر !

وها أنا الآن .. وحبيبتي .. معـا .

ماذا أريد أكثر !

 

هنـا .. أقلّبُ العُمر .

وأكتُبُ .. لا لشيء .. إلّا لأنني علِمتُ الحقيقة بعدما فات الزمان .

وبعد كل علم قديم جمعتُه .. أوَقّعُ في حاشية اليقين :

" على قارعـة الخريـف ..

 تعلّمتُ .. جَهلِي " !

 

Tweet
Facebook Social Comments