الطالبة أو الرقص على ايقاع الليل...

طباعة

نلفت نظر القرّاء الكرام بأنّ جميع وقائع هذه القصة هي من وحي الخيال وعليه فانّ كلّ تشابه في الأحداث أو في الأسماء لا تعدوا أن تكونا إلا ّمن قبيل الصدفة...

هي طوابير من الآليات تحمل داخلها  قطعان من الذئاب السائبة ،تربض على ضفاف الأفئدة الضاجرة العليلة ،حانقة متربصة بطرائد من قطعان  غزلان الخضراء و جحافل المها  الطليقة ، السائمة المتنطعة على ايقاع حالك الليل ...

 الطّالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبة

                      أو

الرّقص على إيقاع اللّيل

كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء من إحدى الليالي الشتوية الغاطسة في ظلمتها الحالكة ،الحركة عادية أمام إحدى المبيتات الأحياء  الجامعية ،تعودت الطالبات به بذلكم الزخم الهائل من السيارات والأشخاص وما يصطحبها  من صيحات وتصفير وإيحاءات وكلام  آخر لا يفهمه غير قلائل  وفي المقابل ضحكات وقهقهات تنبعث من حين إلى آخر من أفواه فتيات اتخذت كل منهنّ من نافذات غرفهنّ مكانا مطلة ومتأملة في رحبة الشارع والساحات المحيطة المتراصة بمن وجد فيهنّ وسيلة للتسلية وقضاء سهرة عادة حمراء تتقاسمها وإياه فتاة شاءت أن ترفه عن نفسها محاولة التخفيف من توترها العصبي وزحمة الدروس وفراغها الجنسي حتى وان كان على حساب عفتها و...

ألقت الفتاة نظرة عاجلة من نافذة غرفتها بالمبيت الجامعي  المطلة على شارع فسيح من شوارع المدينة التي وجهت إلى جامعتها بعد اجتيازها لعقبة الباكالوريا ،التهمت خلال نظراتها الشارع التهاما ...أشخاص وسيارات بشتى الأنواع والألوان تعودت أن تربض في تلكم الأماكن بمحيط المبيت الجامعي للفتيات منتظرة ...

أخذت خصلات من  شعرها الأسود الفاحم الطويل المتهدّل على صدرها بيدها اليسرى ورمت بها  إلى ما وراء كتفيها بحركة عصبية ،ثم لم تلبث أن انصرفت إلى سريرها واستلقت بجسمها الرقيق عليه ،شخّصت بعينيها إلى سقف الغرفة الصغيرة بضوئها الخافت المنبعث من فانوس صغير فوق رأسها ،جالت بفكرها أسئلة عديدة متسارعة  لم تكن لتقدر على الإجابة عليها في تلكم اللحظات ...

أدارت بجسمها على جانبها الأيمن ،ومهمهت ...تريد أن تخاطب زميلتها بالغرفة الطالبة التي تسبقها بسنة جامعية فحسب بتلكم الربوع والتي كانت بصدد وضع اللمسات الأخيرة على هيئتها بشيء من العصبية تتفقد شعرها أهي تعقله؟ أم يا تراها تتركه منسابا على كتفيها ؟ خطوط الكحل بأهذابها ،أحمر الشفاه بشفتيها ،آلفون دي تان على خديها ،،،حركات وترددات  بين ذهاب وإياب داخل مساحة غرفة المبيت الجامعي  الضيقة تعودت عليها قبل أن تغادر إلى سهرة ترفق فيها عادة من ياستهويها من زخم  أولئك المنتظرين  المرابطين أمام المبيت ،هي وغيرها من الطالبات كثيرا ما يجدن لدى هؤلاء ما يستجيب لغرائزهنّ الجنسية المكبوتة أو ما يعوّضهنّ عن يوم دراسي مثقل بالدروس أو أيضا ما ينسيهنّ ذكرى كدر خطوبة ولّت مع الأقدار أو ربما  مغامرة عاطفية مع ابن القرية باءت  بالفشل وفي أحيان أخرى تجدن البعض من الفتيات ضالتهن  المنشودة في هؤلاء الباحثين اللاهثين على اللذة و قضاء السهر واللذين لا يتوانون في الإنفاق  على بنات تستهويهنّ السمر وقضاء الليل خارج حيطان غرف الأحياء الجامعية  أو ربما هنّ كذلك يحاولن الابتعاد قدر الإمكان عن رقابة العائلة وعيون المتطفلين يمنّين النفس والبطن ّ بما لذّ وطاب علاوة على تمكينهن من مبالغ مالية تساعدهن على تجاوز بعض الصعوبات الحياتية أو الدراسية  القاهرة   ...وكلّ بما في أفكارهنّ يرشح ...

حاولت الفتاة أن تسأل زميلتها شيء جال برأسها خاصة وقد باءت جميع محاولات زميلتها الطالبة بإقناعها بضرورة نزع ما علق بفكرها من عادات وتقاليد بالية ترى أنّ الدهر  قد أكل عليها وشرب ولم تعد في نظرها سوى  مجرد خزعبلات الأجداد ونظرتهم الحياتية الضيقة بل وأنه آن الأوان للتخلص من تلكم الأفكار الرجعية البائدة ...ولا بدّ عليها من النظر إلى ما يحدث حولها من تغيرات وتحرر ومن حق كل فتاة أن تتصرف في ذاتها وجسمها وأنوثتها كما يعنّ لها دون خوف  ،كانت فيما قبل لم تمكّن رفيقتها وزميلتها الطالبة بنفس الغرفة  مجرد إتاحة الفرصة للتحادث معها في مثل هذه المواضيع التي ترى فيها حسب نظرها الخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه بأيّ شكل من الأشكال أو حتى  مجرد إثارته ،فهي الفتاة الريفية المكبلة بعادات وتقاليد يصعب عليها التخلي عنها كما يصعب على أهلها غض الطرف عنها أو التسامح فيها لعل أبرزه دحض أيّ إمكانية للاختلاط بالجنس الآخر في غير الممكن والمعقول ،حتى أنّ نصائح وتوسلات والدتها لتزال ترن في أذنيها بالابتعاد عن مخالطة الذكور قدر الإمكان وضرورة المحافظة على عفتها وشرفها إلى حين الزواج ...

ترددت الفتاة في إبلاغ صديقتها برغبتها هذه المرة بمرافقتها أو بالأحرى بشعورها بحاجة إلى تغيير الجوّ شيء ما ،فعلا هي أحست بشيء من الرتابة والضيق زيادة على إحساسها ببعض المعاناة نتيجة افتقارها المادي  وأسبابه التي جرتها إلى ترديات معنوية وهي تتواجد مع زميلاتها بالجامعة اللائي كنّ يتبجحن بثورتهن على التقاليد والأعراف ويتفاخرن  بلباسهنّ الجميل ويستعرضن مغامراتهن  العاطفية معية أصدقاء تجمعهن بهم مناسبات وليالي حمراء صارخة غير عابئات بل هن يرون في ذلك متعة وتخفيفا من أعباء ضغوطات الحياة وملاذا من تراكم الالتزامات الدراسية ...حاولت بكل قواها الصمود ضدّ أمواج هذا التيار ألمراهقي الجارف ،تذكر أيضا أنها تصدت بكل ما في وسعها لمعسول الكلام التي ما فتئت تغريها بها صديقتها التي تجمعها بها غرفة المبيت الجامعي التي لم تترك أي طريقة أو وسيلة تمكنها من جرها بها إلى مثل طريقها ومتاهات السهر ...

كانت الطالبة وهي تخرج، بان لها وكأنها تسمع البعض من الزفرات، بل وكأنّ صوتا خفيّ يناديها أن انتظري قليلا...توقفت الطالبة ربيعة هنيهة تتطلع لمصدر الصوت الخافت لعله أحد آخر غيرها ومساكنتها زميلتها بالغرفة  ،ولكنها أدركت سريعا بأن لا أحد سواهما بالغرفة وأنّ مصدر الصوت لا يعدو أن يكون سوى الفتاة سامية زميلتها الطالبة وهي تطلب منها الانتظار قليلا ...؟؟

عادت ربيعة أدراجها ،لتفاجئ بسامية تعلمها بقرارها بأنها تراجعت في ما كانت ذاهبة إليه وبأنها ترغب في مصاحبتها إلى حيث شاءت تغيير الجوّ وتقضي الأمسية في السهر خارج حيطان غرفة المبيت الجامعي ،ولكنها تشترط بعض الشروط ...اهتزت ربيعة هزّا للخبر السعيد الذي كانت بصدد استماعه ومشت حيث تستلقي سامية وجلست على حافة السرير بالقرب منها مهللة مستبشرة قائلة *أأمري يا ستّ الكلّ ...أأمري ،أمرك مطاع ...*كانت ربيعة تعلم بأنّ زميلتها بالغرفة سامية  لتزال تحافظ على عذريتها على غرار جلّ صبايا الأرياف حيث يعتبر ذلك من المقدسات ولا يسمح بأيّ حال من الأحوال للفتاة الريفية الأصيلة والعاملة بطقوس العادات والتقاليد  أن تفقد عذريتها أو أن تتنازل عن عفتها إلا وهي تزفّ إلى بعلها  بمحلّ الزوجية بل لعلّ ذلك من أهمّ  أسس المفاخرة بالمحافظة والفضيلة والشرف ،كانت حينئذ الطالبة الريفية سامية ولتزال على الأقل تحافظ على عذريتها إضافة إلى جمالها الريفي الأخّاذ رغم ضعف إمكانياتها المادية ،فخضرة عينيها اللتين تغطيانها أهذاب طويلة بشفرات مهائية على لون  قشرتها الذهبية وشعرها الأسود الطويل على رقة بدنها الأنثوي يجعلان منها  عروسا فاتنة بلا منازع  ...كل هذه العوامل كفيلة وزيادة لتجعل من سامية  محلّ حفاوة وتبجيل

من قبل أصدقاء سمار الليل  الباحثين عن إمضاء الليالي بعذارى مثيلاتها بل إن الإقبال على مثيلاتها من طرف ذئاب الليل الرابضة تحت نوافذ الغرف بالمبيتات الجامعية لا يضاهي بل لعلهم لا يبخلون في الإغداق بمال وفير ومآدب غنية...

كانت تعليمات سامية وطلباتها واضحة جليّة، بأنها فعلا قرّرت ليلتها أن تتنازل عن أقدس ما تحافظ عليه الفتاة، تاج العذرية التي كانت تحلّي به رأسها ورمز فخرها وأهلها...وحتى يتسنى لها ذلك دون أن تأسف أو تندم على فعلتها، فما على من سيضعه القدر لقضاء الغرض إلا أن يكون في مستوى الحال وسامة ومالا واستجابة للرغبات الظرفية ؟؟بل وأيضا أن يمكّنها أي سامية من أن تعيش تلكم الليلة بما يضاهي ليلة الزفاف فمن حقها أن تعيش ليلتها بأبهى حلة وأبهى زينة تماما كما لو كانت تزفّ لعريسها ...

ارتبكت ربيعة صديقتها وزميلتها بغرفة المبيت الجامعي عن الطلب الغريب نوعا ما لفتاة جامعية مثلها حيث لم يسبق لغيرها أن تتطلب ما طلبته سامية ولكن من حقها ذلك إن شاءت ...ابتسمت ربيعة لصديقتها وأعلمتها أنّ شخص كانت قد عرفته في إحدى الأمسيات الصاخبة قد كان طلب ودّها ورغب في أن يقضّي معها سمر ليلة خاصة جدّا ؟؟ سوف تتصل به في الحال وتنظر إن كان ليزال راغبا في مسعاه...وسرعان ما ضغطت على ملامس هاتفها الجوال الذي كان قد أهداه إياها أحد معارفها من رواد* البومات *الكثيرة التي تعودت ربيعة على ارتيادها ...لحظات وكان الصديق اللاهث وراء الصبايا الجامعيات واللذات على الخط من الجهة الأخرى ...حيّته ربيعة  بلغة مشفرة يفهمانها ،فردّ الصديق بأحلى منها معربا عن استعداده لتحمل كلّ النفقات اللازمة من أجل النيل من الفتاة  الريفية العذراء  سامية ...بل لعله رغب في رؤية هذه الأخيرة على وجه الفور إذا لزم الحال ...طمأنته ربيعة ،أومأت برأسها لسامية بوجود الحبيب وهو لا يعدو أن يكون إلا *زربيّة* تحت ساقيها بل هو يتطلع لرؤيتها على عجل ...لم تمهل ربيعة صديق الليل ودخلت معه  في الحال  تساومه الغنيمة ؟؟ في الأثناء كانت سامية الطالبة الريفية تحملق في سقف الغرفة التي تؤويها مرّت بذاكرتها ضيق الحال التي تعيشه واستفزازات صديقاتها ونعتها بالمتخلفة من ناحية وتأوّهات أصدقاءها وإغراءاتهم المتعددة لها بكل الوسائل  كلما انفردوا بها في كواليس قاعات الدروس أو في الممرات بالحرم الجامعي ،بل وأكثر من كل ذلك حالة  الكبت الجنسي الذي كانت تعيشه وهي الصبية اليافعة لم تستطع الصمود أمام كل تلكم التفاعلات ولم تجد بدّا غير الانهيار وإتباع  التيار الجارف الذي يعصف بأكثرية من مثيلاتها ...فكّرت في عائلتها وأهل قريتها والعادات والتقاليد التي تربّت عليها بريفها الحالم  وليلة الزفاف إذا كان *حلّ ربّي مكتوبها *في مستقبل الأيام وكيف يكون الموقف أمام بعلها المستقبلي....؟؟فكّرت في كلّ ذلك ولكن القوى الغريزية العنيفة التي كانت تهزّها هزّا وتعصف بها بل وتدحرجها إلى نيل غايتها أفقدتها التفكير في العاقبة بل لم تمهلها حتى لمجرد التراجع في قرارها المصيري في حياتها الذي قد يغيّر مجراها كليّا...قرٍّرت سامية فعلا التخلص من أفكار وعادات بالنسبة إليها قد مرّ عليه الزمان بل أكل عليه الدهر وشرب ولم يعد يتماشى مع روح التطور والتفتح حسب رأيها...؟؟هي ستتبع مثيلاتها الكثر وتعيش أيامها ،كفاها غبنا ،كفاها كبتا ،كفاها معاناة ...كلّهنّ في الحيّ الجامعي متبرجات ،جميعهنّ متفتحات ،بل أغلبهنّ لا يؤمنّ بالعادات ولا يعرن التقاليد البالية  أيّة أهميّة ؟؟

والفتاة سامية في غمرة قمّة صراعاتها النفسية ، تحاول التغلّب على موانع بيئية وتبحث عن إجابات بينها وبين نفسها لأسئلة كثيرة متواترة تمرّ بخلدها عميقة الحدّة ،قويّة على مشاعرها وعواطفها لكم أيقظت مضجعها وهمّشت وجدانها وبدّدت أحلامها وأنهكت بدنها الرقيق إلى حدّ تلكم الدقائق الحاسمة في عمر عذريتها وشرفها ...صعبة هي تلكم اللحظات ،تيه بين التردد والتحرر ألم التسيّب ومعاناة الكبت وصرخة الحاجة ... وهي على ما هي عليه  في غمرة الأخذ والردّ كانت في الآن ذاته اتخذت قرارها النهائي يغمرها دفع دافق من الشعور الجنسي الغريب الذي  لم تكن تشعر به من قبل...هي  تستعدّ نفسانيا ومعنويا لأن تضع نفسها بين يدي جنس آخر لم تألفه سابقا...وبينما هي كذلك إذ به تستمع لصوت صديقتها يناديها بلطف بأن استعدّي للالتقاء براغب ودّها وفارس سهرها الذي ستضعه الأقدار لمصاحبتها ومقاسمتها ما تفتقده من الحنان...هو كما ترغب ولعله بالمقاس الذي تحلم به...

...أسرعت ربيعة إلى نافذة غرفة  المبيت الجامعي الصغيرة المطلّة على الشارع ،لمحت توقف سيارة  الصديق مراد وهي سيارة سياحية صغيرة ليست من النوع الفاخر التي تعوّدن الفتيات الحالمات من بنات الليل المفاخرة والتبجّج  بامتطائها لقضاء السهر برفقة أصدقاء الليل و لم يكن يوحي مظهرها بالرفاهة الراقية  ...رمقت ربيعة صديقتها سامية بنظرة يفهمانها  مفادها بأنّ الصديق ينتظرهما على باب المبيت ليقلّ ما أوقعه اليمّ في شبكته ...نزلتا الفتاتين يطويان مدرج عمارة المبيت الجامعي، لم تشعر سامية بتعب كانت غالبا ما تشكوه إلى صديقتها في كلّ مرّة تصعد أو تنزل من غرفتها الموجودة بالطابق الخامس...دقائق والطالبتان عند الصديق يسلّمان عليه  بالقبل ،قدّمت ربيعة الطرفان بعضهما لبعض ،ابتهج الاثنان وعلت ابتسامة على محيّا سامية أردفها مراد كعادته مع الفتيات مثيلاتها في ذلكم الموقف بقبلة حارّة لم تعهدها الفتاة الرقيقة ...أنت جميلة يا سامية ،ما شاء الله عليك...ثم مسح بلطف على شعرها الأسود الطويل وامتدّت يده إلى جفنها الغزالي ثم إلى وجنتيها ،كان يريد أن يضمّها إلى صدره  إلا أنّ ربيعة انسحبت بلطف مؤجّلة ذلك إلى حين ...أحسّ مراد بدفيء ونعومة غير عاديين يسريان في بدنه, أحست سامية هي الأخرى بشيء من الإحساس اللذيذ شيء لم تعهده من قبل، حنان، دفيء، رقّة العواطف...نظر مراد إلى ربيعة التي كانت تتابع الموقف بابتسامة وغنج وروح من الانتصار ،كان كلّ ذلك عادي بالنسبة إليها خاصة وهي المتعوّدة على مثل تلكم المواقف ،رغب مراد في الاختلاء قليلا بربيعة الذي سلّمها مبلغا ماليا متفق عليه البعض منه مخصص للطالبة سامية  مقابل الخدمات العاطفية بما في ذلك افتضاض بكارتها ولعله النصيب الأكبر  من المبلغ والبعض الآخر   عمولتها في اقتناص صيد ثمين من المراهقات العذارى لمؤانسته ليله الذي  لم يتوانى في وضعه بكلّ حبور بين نهديها مثلما تعوّد على ذلك في مثل تلكم الحالات  معها أو مع غيرها من الوسيطات  طبع مراد بعض القبلات الحميمية على وجنتي ربيعة وبشيء من الدلع طلب منها أن ترافق العروسة سامية إلى حيث إحدى الحلاّقات الغير بعيدة عن الحيّ طبق للاتفاق الحاصل بينهما ... امتطى مراد سيارته وأدار محركها وانصرف على أن يلتقي الفتاتين بعد ساعة على الأقصى تتجمل خلالها سامية كما لو أنها لم تتجمل إطلاقا أو كأنها ستزفّ ليلتها عروسا إلى بعلها حسب رغبتها...

بين المسرّة والمعاناة مسرّة الحصول على مبلغ ماليا لم يكن ليخطر على بالها أنها سوف تلقاه بين يديها في يوم من الأيام  خاصّة وهي الريفية الفقيرة المحتاجة إلى أشياء كثيرة لباس ،أكل ،تسريحات الشعر ،أدوات تبرّج ،مصاريف السهر على غرار ما تشاهد وما تسمع عن زميلاتها الطالبات ،شيء يفوق خيالها أحيانا لمغامرات الليل ولذّة السمر،ثمّ لعلّ معاناتها تكمن في سعيها الذي لا رجعة فيه للتمرّد على طقوس العادات والتقاليد المقدسة في ريفها الحالم الجميل ،أن تفقد أعزّ ما تمتلكه الفتاة في غير وقته وأوانه ،أمور كثيرة كانت تدور برأسها ولكنها تحسّ برغبة جنسية جامحة وإصرار على تجاوز تلكم العقبات الاجتماعية البالية حسب ما قالته لها أغلب صديقاتها وزميلاتها اللائي هنّ من حولها ... ترجلت سامية برفقة

إلى أن وصلتا قاعة حلاقة للنساء...دخلتا، ثمّ سلّمتا على صاحبة القاعة التي كانت منهمكة في إعداد ماكياج بعض النسوة والفتيات برفقة مساعدات تجميل لها...همست ربيعة بلطف في أذن نادرة صاحبة القاعة فهمت هذه الأخيرة غايتها وسرعان ما نادت على إيمان وهي من بين مساعداتها وطلبت منها أن تصطحب سامية إلى غرفة متفرّعة عن صالون حلاقتها لتختار فستان زفّتها وثمّ  إعداد تسريحة شعرها وتجميلها   عروسا تزفّ ...

في المقابل كان مراد بسيارته بصدد الاتصال بأحد الأصدقاء يعلمه بوليمة خاصة، طالبة في ربيع العمر بجمالها الريفي الأخّاذ، عذراء...دفع فيها مالا كثيرا تقضّي معه الليل بين أحضانه...كان يبدو أن صديقه صابر كان على الخطّ المقابل قد تفاعل أيّما تفاعل مع الوليمة، بل لعلّه اقترح على صديقه مراد تقاسمها إذا أراد ذلك على أن يتولّى هو ذاته تحمّل جميع مصاريف زيجة صدف الليل...بل هو على استعداد على دفع ما يريد إذا تنازل له عن وليمته ليتمتّع بها لوحده...؟؟

كان مراد يعلم مسبقا تفاعل صديقه وزميله زير النساء صابر لذلك فهو أجابه في الحين بأن له ما يريد...على أن يوافيه بالمبلغ المضاعف مصاريف وعمولة....

لم يكن أحد من كلّ هؤلاء يعلم بأن كان أحد الطلبة واسمه عمّار من معارف الفتاة سامية بل لعلّه أحد أبناء ريفها الجميل الذي كان يحتسي كأس شاي بأحد المقاهي المجاور للمبيت الجامعي للذكور حيث يقطن هو الآخر ،تراءى له لمّا كان برفقة أحد زملاءه بأن الفتاة سامية الذي عرفها بهدوء طباعها  وخجلها العذري و محافظتها على العادات والتقاليد الريفية ...لاحظ تصرفات غير معهودة لديها ،لا تمتّ لطباعها بتاتا ،بل الأكثر أنها معيّة  الطالبة ربيعة المعروفة بتفتحها المبالغ فيه بل بسوء أخلاقها ومرافقتها لأصدقاء المتعة وسهّار الليل الباحثين على اللذّة...استراب عمّار في الأمر ولكنّه كتم ذلك عن مرافقه  هذا الأخير الذي لم يفته أن لاحظ ذلك على مجالسه الطالب الشاب عمّار ...كانت ضحكات وقهقهات سامية وربيعة وتنقلاتهما على بساط الأحداث تارة وملتصقات بطالب اللذّة مراد مبعثا للاستغراب والشكّ  وأنّ سامية سوف تجرّ ليلتها  من خلال تصرفاتها المسترابة والمعهودة للعاهرات والفتيات الطائشات فحسب و على غير عادتها بأنها سوف تقاد  إلى سوء سبيل  ،والى ما لا ترتضيه أخلاقيات وعادات  ريفها المحافظ ...انصرف عمّار من المقهى بعد أن أكمل احتساء كأس الشاي دون أن يثير انتباه صديقه الذي يجلس إلى جانبه أو كذلك من هم حوله ودون أن يحرّك بابنة شفة...ثم أسرع إلى حيث دخلتا سامية وربيعة إلى قاعة الحلاقة المعروفة بالحي الجامعي وبروادها من الفتيات الطالبات بالمكان ...اندهش وانبهر بما رأى ،سامية وهي بأبهى حلل الزينة وليس هذا فحسب بل هي كالملاك الساحر ،وكأنها عروسا تزفّ إلى عريسها ،ولعلّ الحلاقة هي في فترة التجميل الأخيرة أو هي بصدد وضع اللمسات الأخيرة  على ماكياجها وتوضيب فستان الزفّة  قبل تسريحها إلى غايتها ...ذهل عمّار لما يشاهد سامية تزف الليلة وهو لا يعلم لها خطيبا أو عريسا...وفي الالتفاتة من سامية التقت عيناها الجميلتين بأعينه ،ارتبكت بعض الشيء ،تصوّرت بأن لا أحد يعلم بما هي قادمة على فعله في تلكم الليلة ،باستثناء صديقتها ربيعة التي حطتها الأقدار في طريقها ولكن...تمنت لو تبتلعها الأرض خاصة وهي تعلم بأنّ عمار ابن قريتها ليس بالغبيّ، خافت من الفضيحة، ارتعشت ولكن...

وفي الأثناء وهما على تلك الحال  ،ابتعد عمار على صالون الحلاقة متسترا بجناح الليل وأخرج من جيبه هاتفه الجوّال واتصل بمنير أحد أبناء عمومة سامية وهو من الشباب اليافع  ،يتميّز بأخلاق رفيعة ويعمل مربيا بمسقط رأسه ،بالريف حيث تقطن سامية وكذلك عمار وأعلمه بكلّ ما يجري من حوله وبأن عليه أن يكتم السرّ وأن يتصرّف بهدوء وحكمة لتحوّل سامية إلى حيث مسكنه وتزفّ إليه عروسا على سنة الله ورسوله خاصة  وقد كان عبّر له وفي مناسبات عديدة عن حبه وإعجابه بسامية ورغبته في الارتباط بها ولعله فعل ذلك وتقدّم لخطبتها إلا أنّ أهلها طلبوا منه التريث حتى تنهي دراستها الجامعية وتتمكّن من مساعدة العائلة على الخروج من وضعها الاجتماعي المتردّي وذلك بعد تخرجها وإتمام دراستها الجامعية بنجاح .فكّر منير بسرعة ووافق على ما طلبه منه عمّار اتقاء للفضيحة وحفاظا على عادات القرية وتقاليدها خاصة والاثنين يعلمان حقّ العلم الظروف الاجتماعية  التي تمرّ بها الفتاة سامية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الجوّ السائد في الحياة الجامعية وما يأتينه غالبية من فتيات المبيتات الجامعية اللائي يعشن موغلات إلى حدّ كبير في بوتقة الكبت وضجر معاناة مكبلات عادات وتقاليد تبدو لهنّ من قبل الأطلال ومن باليات زمان مثلما يتصوّرن ويرون في ذلك ضرورة تغيّر نظرتهم لطقوس الحياة بمجرّد أن تطأ قدماهنّ الأحياء الجامعية ...

مرّت ساعة منذ الموعد الأول ،وإذا بسيارة مراد تصل أمام صالون الحلاقة ،تباطأت سامية نوعا ما خوفا ...؟؟ارتجفت قليلا ولا تدري سببا لذلك ...بقي مراد داخل سيارته في الخارج ينتظر وليمته بفارغ صبر... في الأثناء وصلت مكالمة هاتفية إلى الحلاقة بأن تمهّل قليلا في السماح لسامية ومرافقتها بمغادرة المحلّ...أحست الحلاقة على غير العادة بأنّ في الأمر شيء غير معهود ....حاولت إخفاء ذلك على الجميع ،وطلبت من سامية أن تمهلي بعض الوقت لإتمام بعض الرتوش على الماكياج ... مرّت الدقائق ولم تأت سامية ...هتف مراد  إلى صديقته ربيعة يستفسر الأحوال ،فأعلمته هذه الأخيرة التي لم تكن هذه المرّة على علم بما يحدث وسببا في التأخير لإعداد الطريدة ولكن طلبت من مراد   بأن انتظر قليلا ريثما تكمل الحلاقة مهمتها وتعدّ عروس الصدفة  كأحسن ما يكون...

في الأثناء كان منير على منت سيارة * البيجو العائلية *وهي على ملكة أحد أصدقاءه من أبناء قريته يطوي الأرض طياّ يرافقه عدلي إشهاد ...كان ينظر إلى ساعته المرّة تلو المرّة وبين الفينة والفينة كان يهتف إلى صديقه عماّر ليسأل على آخر التطوّرات، كان يبدو على عصبية وقلق شديدين...

وصل منير ومرافقيه صالون الحلاقة ،ليجد عمّار بانتظارهم الذي ما إن رآهم حتى التحق بهم في الحين ،كان مراد ليزال ينتظر هو الآخر بسيارته ،يشعل السيجارة تلو السيجارة خاصة وقد نفذ صبر صديقه  صابر الذي كان بدوره ينتظر طالبة من  فتيات الريف الجميلة يقضي برفقتها أرقى سمر الليل ،ويبدو أنه أسقط ما بيده ... وقف الجمع أمام الصالون حيث تتواجد سامية وربيعة وجمع آخر من الحريفات ...نزل مراد من سيارته وتقدّم إلى باب الصالون يطلب سامية على أساس أنها قريبته يأخذها إلى حفل زفاف بإحدى قاعات الاحتفالات بالمدينة المجاورة...في حين قفز عمّار إلى داخل قاعة الحلاقة غير مكترث ،وأمر سامية بمرافقته ،هذه الأخيرة التي لم تتمالك نفسها من هول المفاجأة لتسقط مغشيا عليها بأرضية الصالون  أمام ذهول كلّ من كان بداخله ...

وبينما الحال على ما هي عليه ،لم يرى مراد بدّا غير التقهقر إلى الوراء  بل إلى خارج قاعة التجميل  وهو مذهول ،لا يدري ما يحدث ،بكلّ لطف خاطبه عمّار بأنّ فتاة الغفلة وعروس الليل سامية لا تعدو أن تكون إلا إحدى قريباته ،وهذا زوجها بانتظار كتابة عقد قرانه عليها ،الآن وحالا...

في الأثناء كانت سامية قد تماثلت للاستفاقة من دهشتها حتى سقطت مرّة أخرى على بساط الصالون لا تفقه شيء بمجرّد رؤية الشيخ علي إمام مسجد بقريتها وعدل الإشهاد بمنطقتها الجبلية ومرافقيه بل وكذلك  لما سمعته على لسان الطالب الشاب  عمار المعروف لدى الجميع بريفها أو بالحيّ الجامعي الذي تقاسمه فيه زمالتها  بدماثة أخلاقه وجديته ...

طلبت الحلاقة من الجميع بأن تفضلوا بالدخول إلى داخل القاعة تفاديا لما عسا أن يطرأ مما قد يلوّث رّيما سمعة محلها ويسيء لحريفاتها ...هناك شرح صابر لمراد كلّ تفاصيل الحكاية وسبب وجوده في ذلكم الوقت بهذا الصالون بل وتمسّك قريته بتقاليدهم وعاداتهم الطيبة وإصراره على المحافظة على سمعة ابنة بلده سامية بالزواج منها حالا وعلى سنة الله ورسوله...سقط كل ما بيد مراد بل استحسن الفكرة والغاية النبيلة لصابر الذي قبل الزواج من سامية الضجرة بمعاناة الحياة وتردي أوضاعها الاجتماعية...

استفاقت سامية من دهشتها ومما حلّ بها على طلب الشيخ علي عدل الإشهاد وهو يسألها إن كانت ترغب في الزواج وحالا من ابن قريتها المربي صابر ،فأجابت بالموافقة ...تعالت زغاريد الحاضرات مهللات بما يسمعنه من راقي معاني  الشهامة

وتمّت زيجة العروسين، وأصرّ مراد على نقل العريسين إلى حيث محلّ الزوجية بريفهما الجميل مباركا مرددا تحت وطأة الصدمة والذهول ألف مبروك، ألف مبروك، والحمد لله، الحمد لله...

الأستاذ لطفي بن العجمي الخروبي*-بومرداس -تونس

*كاتب وشاعر بالصحافة التونسية

Tweet
Facebook Social Comments