.. انحسرت اكمام الثوب الاسود الفضفاض عن يدان معروقتان فبدتا كعودان من قصب جاف نالت قساوة الحياة منهما الشيء الكثير حين تناولت عن راسها قفصا من طيور داجنة ، نصبته امامها ثم تربعت على قطعة خيش بالية .. تلك جلستها المعتادة التي تتخذها كل صباح عند مدخل " سوق الخضار الكبير " ، ثم راحت تعدل باهتمام بالغ من طرحتها الرمادية و تعض باحدى اطرافها على فمها حتى تواري خلفها ملامح وجهها الاسمر الرفيع ، في حين ظلت عيناها تحملق بكل ما يدور حولها ، كانهما مصباحين صغيرين ينوسان بشعاع خافت
امتدت خيوطه الواهنة في المدى البعيد ..
هنا زعيق ابواق السيارات المحموم و صراخ مبحوح ، متقطع لباعة يقفون خلف بسطاتهم ، ازيز عربات لباعة متجولون على طرفي الشارع .. و موزعي الصحف تراهم لاهثون يتحركون بخطى سريعة .. و بدت رائحة القهوة و دخان السجائر تضوع بارجاء المكان لرجال عاطلون عن العمل جلسوا مبكرا على ابواب المقاهي .. اما هي فتراها من حين لاخر تسعل بحدة ، و تدق على صدرها جراء سحب الدخان العادم الذي بدأ يتسلل الى رئتيها المعلولتين .. في حين بدأ قرص الشمس يتوهج و يرسل اشعته اللاهبة لتلفح وجهها الممصوص ..
.. تبدو ساعات النهار طويلة في هذه الرقده ، و بدأت من حين لاخر تجتاحها نوبات حادة متقطعة من الملل .. فتبادر الى زجاجة ماء تعفر بها على وجهها و تنقط على راسها ، و غيوم من القهر لا تنفك تشيع في ذاتها الضعيفة .. وقد بدت كسحابة قاتمة ، حائمة في سماء الحياة المظلمة توشك بنزول دموعا ثقال معباة بطعم من الحرمان المر !
قضت يوما شاقا و حارا وقد امضها التعب و السأم ، و حين تراجعت اشعة الشمس ، و لم يتبقى من ضوء النهار الا قليله ، بدات تجمع شتاتها و تلملم اشيائها و تحشو بها في اكياس كثيرة و هي بقايا ما جمعته من حبات البندورة و البطاطا و التين التقطتها من صناديق الخضار الفاسدة المركونة بجانب حاويات القمامة ..
اة ..! كم هي لقمة العيش مرة – قالتها في نفسها –
ثم نهضت من جلستها و نفضت الغبار عن ثوبها و دست قدميها المتسختين في شبشبها البلاستيكي و شدت احدى اطراف طرحتها و ربطت عليها القروش القليلة التي غنمتها طيلة هذا النهار بعقد ثلاث و رفعت القفص الى راسها ، و راحت تجر جسدها النحيل بخطى وئيدة و عبرت السوق كانها حية تسعى .. وقفت امام ثلاجة لعرض اللحوم مطولا و تفحصت الذبائج المعلقة ثم عادت و اطمأنت على القروش المعصوبة بذيل طرحتها ، ركنت القفص في الخارج و دلفت الى الداخل و بدأت تقلب قطع اللحم المعروضة و تجس باصبعها المتسخ مدى طراوتها و تصفق عليها من جوانب عده ، و الجزار يراقبها بحنق و ازدراء و قد تفصد جبينة عرقا و انتفخت اوداجه و كادت بفعلتها هذه ان تسحب صاعق الصبر الذي تحلى به قبل ان ينفجر كي تبادره بالقول :
- اسمع ..؟ اقطع لي وقية لحمة .. شقف صغيرة للملوخية ! بشرط ان تكون حمره .. دير بالك بدون عظم .. و بدون دهن ، و لا تنسى تقوى الله بالميزان !
- اكيد انت تعرف قول الله " ويل للمطففين " و تعرف كذلك قوله " و اذا كالوهم او وزنوهم يخسرون " !
و كاد ان يدفع الساطور الى صدرها و لكنه تمالك نفسه و تفل و زفر كل ما اعتمل بصدرة من حرارة ..
- صلي على النبي ، يا خوي انت زعلت ؟
- خلاص اعطني القطعة اللي تعجبك ؟!
- المهم تكون شقفة طرية ، تذوب من اول غلوه !!
ثم استدارت لتداعب طرف طرحتها و تعالج فك العقد الثلاث عن القروش المخبأة في ظلمات ثلاث !
.. و حين صعدت الى الباص العائد بها الى مكان بعيد ، تسحبت الى المقعد الخلفي بعد ان تفصحت وجوه من ركبوا ، و هي تشحط من ورائها بالقفص.. و فرحا يغمر صدرها بانها حازت على قطعة لحم .. ! القت جسدها و رمت شبشبها و راحت تحك باطن قدميها الزلقتين بارضية الباص الساخنة .. ركنت القفص اسفل المقعد ، و ابقت على صرة اللحم مشدودة بيدها و كانها اصبعة سادسة في كفها .! و ثرثرت و اسّرت بكلام كثير غير مسموع الى جارتها التي تشاركها المقعد .. ادار السائق المحرك ، و بدأ يسير ببطيء شديد وسط زحام قاهر .. و كادت المحاولات المتكررة للضغط المفاجيء على الفرامل ان تدفع بها الى مقدمة الباص قبل ان تتشبث بحواف المعقد الممزق .. ثم هبت رياح ساخنة عبرت الى النوافذ المشرعة ، و بعد ان استبد بها التعب غشيها النعاس على حين غرة ، و اخذ راسها الصغير يميل تارة الى الامام و تارة الى الخلف ، و اعادت ترتيب غطاء راسها لاكثر من مرة و شدت على بطنها لضرطة قوية همت بالخروج ! ، ثم غطت في نوم عميق و كانها لم تذق للنوم طعما منذ ايام ! و فجاة انتفضت على زعيق صوت اجش لسائق الباص ذو الرأس الاصلع الكبير المركب على قامة قصيرة دكتا دكا ،و كرشه يتدلى بغرابة !!
- شو رايك اجيب لك فرشة و حرام ! ؟
- هيا قومي .. هنا اخر موقف !!
- يوه .. طوّل بالك ..! انا عارفه ليش كل سائقي الباصات مجانين .. ؟ كانهم ثيران لهم خوار !؟
- بدون كثرة كلام .. ! بكفي هلكتي الركاب بضراطك المسموع ..! عيب ..! هيا هيا انزلي ..
.. امتقع وجهها حياءا و اخذت تفرك عينيها و تمسح وجهها بطرفي طرحتها و تلفتت كثيرا الى الشوارع التي راح يلفها الظلام و قد اضلت مكان و صولها و النعاس لم يزل يثقل جفنيها ، و حين بدات تعود الى وعيها قليلا ، وقد خلا الباص من جميع ركابه .. كان طعم فمها مرا و جافا قبل ان ينطلق من حنجرتها صراخا حادا حزينا محشرجا ببضع كلمات ثقيلة اقرب الى الهذيان و قد غبشت الدموع محاجر عينيها و كادت ان تسقط مغشيا عليها حسرة على صرة من لحم ضاعت من يدها .!؟
