عواد وعياض

طباعة

من جد وجد ... ..

الأمر لا يكون على هذه الشاكلة دوماً ، فهذه العبارة كانت تئز في  رأسه وهو داخل الحفرة ، ورغم هشها وكشها إلا أنها كانت تعاود الحومان حول رأسه .

 

- يا أخي بسرعة ، غابت الشمس وما حفرت شي

 .

- بدك تطول بالك الأرض قاسية.

 

- إي يلله شدلي همتك شوي 

 

كان عياض محط أسرار عواد ، فكم شكى له قسوة والده ، وكم أسرّه حبه لصفية ابنة الجيران التي لا تأبه له، وقد كانا صنوين إن أضعت عواد فلا تبحث عنه كثيراً فهو عند عياض ، وإن فقدت عياض فهو بلاشك مع عواد . وهكذا مرت بهم السنون ، إلى أن أصبحا شابين وأتى مفرق الجماعات وهادم اللذات لكي يخط لكل واحد منهما طريقه . فأما عياض فقد بقي في البلدة حيث ورث عن أبيه بيتاً كبيراً وكروماً وزيتوناً ، أما عواد فقد قصد الخليج عله  يستطيع أن يعمر غرفتين ومطبخاً وحماماً ، وقد استغرق (ذلك) من عمره عشر سنين حتى عاد أخيراً محملاً بعلبتي "تنك" ، وخمس كيلوات من القهوة المرّة، وبعض الهدايا ، ومعهم ما يكفي لبناء البيت . غير أنه لاب خمس سنين إضافية حتى وجد بنت الحلال التي ترضى به وبحاله لا سيما أنه فقد نصف دزينة من أسنانه بفعل الغربة وعدم الأخذ بنصيحة أطباء الأسنان في أن يفرش أسنانه قبل النوم وبعده .

 

أما عياض فكان مرتاح البال لا يشكو إلا من الملل، فقد جنى من الجلوس الطويل على البرندة وتدخين الأرغيلة حب أجمل صبية في الضيعة ، ولم لا إذا كان عياض يأخذ كل ثلاث ساعات دشاً ويصفف شعره ويلبس الجميل من الثياب ثم يجلس كالسلطان على البرندة . والحقيقة أن عياض لم يكن أنيقاً كما يظن أغلب الناس في شبابه ولكن الملل يقود المرء للاهتمام بأشياء لا يعلم بها غير الله  .

 

مرت السنون وها هما صديقا الطفولة يعودان لبعضهما ولكن ليس كصديقين هذه المرة . فقد أصبح عياض سميناً له انتفاخ كبير تحت ذقنه وقد ركب ثلاثة أسنان ذهب أما عواد فقد بات ضعيفاً مجعد الوجه رقيق الخصر ، أسنانه الصفراء المتطاولة كيفما اتفق تبزغ بتحدٍ حين يبتسم ، أو لا يبتسم ،  من بين شفتيه المتشققتين ، لذلك فهو لا يحتاج لنصائح المصورين حين يقولون له " قل تشيز " ، فهذه الكلمة لا تفارق محياه أبداً .

 

- يالله ياأخي  بسرعة شوي.

 

- ...................

 

- غريب هالعالم بدها تاخذ مصاري وما تشتغل.

 

- ..............

 

- بسرعة خلصنا

 

فقط كان عواد ينظر بطرف عينه عندما يرفع المعول ليشاهد طيف عياض السمين يطل من فوق .

 سأل عواد متودداً :

ـ إي كيف الأولاد عياض.

 

ـ مناح ........ بخير.

 

ـ والله ياأخي سقا لله هاضيكا الايام اللي كنا فيها زغار.

 

ـ إي من هناك ... أيوا .. احفر عالشمال .

 

ـ بتتذكر عياض يوم ما كنا نعلش ورا المدرسه.

 

زم عياض شفتيه نظر للسماء ثم :

ـ لا .. أنا أعلش  !!! .... الكدره هذيك .. أيوا اضربها اضربها .

 

ـ يالله  ..الكدرة هاي ...زمان كنا أن وإنت ..

 

ـ إي هاي ... أيوا .... إييييييييي .

 

ـ بتتذكر......

 

ـ أيوا عاد إنزل لغاد .... لا لا ... لغاد ... لك يا أخي مو لغاد  .. أيوا .. إي هون أضرب .. كمان  ..

ـ ولما كنا

 

ـ لاااا  ..

 

ـ نعم ... ؟!!

 

ـ لااااا أضرب براس المعول ،  حتى لا ينكسر .

 

ـ  بتتذكر ...

 

ـ يا أخي أسرع أسرع  شوي ، أوووف لازم الواحد يوقف فوق راسكن حتى تشتغلوا منيح

 

الحقيقة أن عياض نكل عواد وهو يقول له من هنا .. إلى اليمين إلى الشمال ... في الوسط .. أقوى .. أهدأ ... . وبالمقابل بدأ الحنق يدب في صدر عواد دبيباً وقال محدثاً نفسه " ناقص يقلي هز خصرك ، انزل جاثياً ، منبطحاً ... لعمى يا.. هاضى ما بيحس بنوب  ".

 

- لك إي ارمي هالتراب لفوق ...

 

-............

 

- إي بالشبل لفوق ....

 

- ................

 

- مليه كلو .... رافع إيدك ورافعها .. مليه كلو..

 

- ...............

 

- أيوا كمان .

 

-   ............

 

- خلص ، ارمي الشبل من إيدك وامسك المعول .....

 

-..................

 

- لك بيكفي ..... إمسك المعول.

 

- ................

 

- أيوا بسرعة .. عاد أضرب على الجنب .

 

- .............

 

- على الجنب هناك ... لعمى ما بتفهم .

 

-.................

 

- شد إيدك شوي ، شدها .

 

ضرب عواد الأرض بكل استطاعته ، غير أن الأرض كانت غضارية موحلة شديدة القساوة ، ولم يرحمه عياض ... بسرعة ... أقوى .... أقوى . أحس عواد أن عروقه تنفلت من رقبته كلما هوى بالمعول على الأرض ، وإن عصا المعول باتت تفلت من  يديه اللتين انفلشتا . وبدأت قطرات العرق تقطر أمامه وهو يضرب هنا ثم هناك ثم يلتفت لليمين ثم الشمال حسب توجيهات السلطة العليا .

 

- لك شو بك .... بقوة ، يا أخي قل لي أنك ما بتفهمش تحفر .

 

- ...........

 

- يا الله ..... لو أني عمبحفر أنا أريح لي . ... يا أخي إرفع المعول لفوق .... لفوق .

 

-  ......

 

- خلص بالشبل عزل التراب ، أيوا ... . أووووف لك بسرعة ماشي على البيض . بسرعة .

 

- ...............

 

- لك يا بني آدم، شد إيدك على المعول .

 

- ............

 

 للك المعول .. المعول ... شد إيــــــ .....- 

 

رمى عواد المعول ، وضع كلتا يديه على خصره ثم نظر للأعلى وقال :

- أخ عياض.

 

- نعم .

 

- شو رأيك لو تدوس علي؟

 

- ...... ها ....!!؟

- لك إي إي ..... تعا دوس علي .

 

- ...........

 

- ........... لعمى فيك العمى ، نكلت راسي، لك شو يا بني آدم بدك ....... بهالمية ليرة . لك ألله يلعنك ، ويلعن اللي بيشتغل عندك ، لك بتتذكر يوم شفتك بالبيدر ، ولك أنا الحق عليي إنو ساعدتك وقتها ، ولا لازم خليتهن يلعنو أبو الي ..... .  لك بتتذكر يوم كان ولاد الحارة يعيروك أبو طحلة ، وكنت واقف معك . لك ألله يلعني أنا لأني رضيت اشتغل عند واحد مثلك .

رمى عواد الفأس ، وتسلق الحفرة بعصبية ، وهرول نافضاً يديه وملابسه تاركاً عياض صديق الطفولة واجماً مندهشاً جالساً على الكرسي كالتمثال المتحجر .

 

Tweet
Facebook Social Comments