الخمر في الشعر بين الحقيقة والمجاز

الخميس, 24 ديسمبر 2009 09:21 جعفر عبدالله الوردي مقالات متنوعة
أرسل لصديقك طباعة

الخمر له معانٍ عدَّة، منها التغطية والستر، وسُمي الخمر خمرًا لمخامرته العقلَ وتغييبه عن حسِّه وإدراكه، فاستُعِير الاسم في نقيعِ التمر أو العنب أو ما شابه ذلك؛ حيثُ إن من شرب هذا النقيع يغيب عن حسِّه وإدراكه ويخامِرُ هذا المشروبُ عقلَه فأسموه خمرًا.

وكثُر في شعر العرب وصفُ الخمر، والتغني بها والتفنن في مدحها، كلُّ ذلك على سبيل الحقيقة أو المجاز، حيث كانوا يشربون الخمرة ويصفونها ويتغنون بذكرها.

ولما جاء الإسلام وبيَّن أن للخمرة أضرارًا بالغة على المتعاطي لها، وأنها تفتِك في جسمه وتعطِّل خلاياه – حرم حينها

الخمر ومنع شربها.

ولكننا نرى في العصور بعد مجيء الإسلام يكثر في كلام الشعراء ذكر الخمر والتغني بها ووصفها، وذلك في عصر قريب من عصر النبوة، وكذلك في العصر الأموي والعصر العباسي وهكذا إلى يومنا هذا.

ولكن البَون يكمُن في أن ذكر الخمرة في الشعر بعد مجيء الإسلام وتحريمه لها -كان ذكرًا مجازيًّا من بعض الشعراء، حيث وُصف الهيام بالمحبوب والسُّكر في حبه كأنه خمر يغيب من شَرِبه عن وعيه وإحساسه، واستعاروا ما للخمرة من آثارٍ ووَسموا بها الغَرام وما يفعل بصاحبه، كالسُّكر والنَّشوة والغياب عن الحس والثَّمالة وهكذا مما تفعله الخمرة الحقيقة من آثار.

ومنهم من تكلم بها وذكرها على سبيل الحقيقة، إذ إنه كان ممن يتعاطاها ويشربها ويهيم بها فينشئ قائلا في مدحها ووصفها.

وإن أردنا أن نتكلم من ناحية الحِلِّ والحُرمة في تضمين الشعر ذكر الخمر، فإننا نقول إن الذي يذكر الخمر ويوصفها ويذكر ما تفعل استعارةً وكنايةً عن أمر يريده الشاعر، فليس في ذلك بأسٌ؛ لأنه إنما استَعمَل اللفظَ العربي في الدلالة على مضمون هذه الكلمة وهو المخامرة والغياب عن الإدراك من فَرط الحبِّ والهيام.

إذا لا بأس في ذلك ولا حرج إن كان مَقصِد الشاعر كذلك، والتشديد فيه تعنُّتٌ في غير محله.

وأما من يذكرها على سبيل المدح لها وشربها والترغيب فيها، فغير خَافٍ عدم جواز ذلك، وأنه يَحرم.

ولعلَّنا نذكر ما جاء عن الخمر ووصفها حقيقة ومجازا في شعر المتقدمين والمولدين:

يقول الشاعر الجاهلي لَبيد بن ربيعة العامري:

كِرامٌ إذا نابَ التجارُ ألذَّةٌ = مَخارِيقُ لاَيَرْجُونَ للخَمرِ وَاغِلا

إذا شربُوا صدوا العواذِلَ عنهمُ = وكانُوا قَديماً يُسْكِتُونَ العَوَاذِلا

ويقول عنترة بن شداد:

كم ليلة ٍ قد قطعنا فيكِ صالحةٍ = رغيدةٍ صفوها ما شابهُ كدرُ

مع فتيةٍ تتعاطى الكاس مترعةً = منْ خَمرةٍ كلَهيبِ النَّار تَزْدهر

تُدِيرُها منْ بناتِ العُربِ جاريةٌ = رشيقةُ القدِّ في أجفانها حور

ويقول أيضا:

وإن طَرِبَ الرِّجالُ بشُرْبِ خَمْرٍ = وغيبَ رشدهم ْ خمرُ الدنان

فَرُشْدي لا يُغيِّبُهُ مُدَامٌ = ولا أُصْغي لِقَهْقَهة ِ القناني

فنراه يذكرها حقيقة ويمتدحها ويذكر ساقيها ومديرها.

أما شاعر الجاهلية الماجن امرأ القيس صاحب الشرب والنساء فيقول:

فَظَلِلْتُ في دِمَنِ الدّيَارِ كَأنّني = نَشْوَانُ بَاكَرَهُ صَبُوحُ مُدَامِ

أنفٍ كلونِ دم الغزال معتق = من خَمرِ عانَةَ أوْ كُرُومِ شَبَامِ

وكأن شاربها أصاب لسانهُ = مومٌ يخالطُ جسمه بسقام

فيبدع في وصف لونها وطعمها وشعور شاربها.

وأما فيما بعد العصر الجاهلي، ومع ظهور الإسلام فنجد الشاعر المخضرم كعبَ بن زهير قائلا:

ما يجمعُ الشوقُ إنْ دارٌ بنا شحطت = ومثلها في تداني الدارِ مهجورُ

نشفى بها وهي داءٌ لو تصاقِبنا = كما اشتفى بعيادِ الخمرِ مخمورِ

فإننا نجده يتكلم على حالة شوقه للديار وتعلقه بها، كتعلق الـمَخمُور –وهو من تولَّع بالخمر وما استطاع فراقًا لها- للخمرة وتَوقِه لها، وشفائِه ونَشوَته إن هو شرِبها.

وفي العصر نفسِه نجدُ سيِّدة الشعر الخنساء تصف حالتها عند وفاة أخيها فتقول:

لقدْ صوَّتَ النَّاعي بفقدِ أخي النَّدى = نداءً لعمري لا أبا لكَ يسمعُ

فقمتُ وقدْ كادتْ لروعةِ هلكهِ = وفَزْعَتِهِ نَفسي منَ الحزْنِ تَتْبَعُ

إلَيْهِ كَأنّي حَوْبَةً وتخَشّعاً = أخُو الخَمْرِ يَسمو تارَةً ثمّ يُصرَعُ

فتذكر صفة الخمر من الصرع والنَّشوة والسموِّ.

وهذا شاعر الإسلام المخضرم حسان بن ثابت في قصيدته التي ينافحُ بها عن الرسول الكريم ويهجو قريشا، يصف الخمرة قائلا:

كَأنّ سَبِيئَة ً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ، = يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ

عَلى أنْيَابهَا، أوْ طَعْمَ غَضٍّ = منَ التفاحِ هصرهُ الجناءُ

إذا ما الأسرباتُ ذكرنَ يوماً، = فَهُنّ لِطَيّبِ الرَاحِ الفِدَاءُ

نُوَلّيَها المَلامَة َ، إنْ ألِمْنَا، = إذا ما كانَ مغثٌ أوْ لحاءُ

ونشربها فتتركنا ملوكاً، = وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ

عَدِمْنَا خَيْلَنا، إنْ لم تَرَوْهَا = تُثِيرُ النَّقْعَ، مَوْعِدُها كَدَاءُ

يُبَارِينَ الأعِنّة َ مُصْعِدَاتٍ، = عَلَى أكْتافِهَا الأسَلُ الظِّماءُ

تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ، = تلطمهنّ بالخمرِ النساءُ

ففي الأبيات من الوصف للخمر وذكر النشوة بعد شربها، وذكر مصدرها وكيف تمزج، ما يشير إلى مكانة هذه الخمرة في نفوسهم واشتهارها عندهم.

وهذا هو يصرح بشربها ووصف كأسها وصفا بديعا، فيقول:

ولقد شربتُ الخمرَ في حانوتها، = صهباءَ، صافية ً، كطعمِ الفلفلِ

يسعى عليَّ بكأسها متنطفٌ، = فيعلني منها، ولوْ لم أنهلِ

إنّ الّتي نَاوَلْتَني فَرَدَدْتُها = قُتِلَتْ، قُتِلْتَ، فهاتِها لم تُقتَلِ

كِلْتاهُما حَلَبُ العَصيرِ فَعَاطِني = بِزُجاجَة ٍ أرْخاهُما للمِفْصَلِ

بِزُجاجَة ٍ رَقَصَتْ بما في قَعْرِها، = رَقَصَ القَلوصِ براكبٍ مُستعجِلِ

ولم يكتفِ بذلك بل أمر بشربها:

لما صحا وتراخى العيشُ قلتُ لهُ: = إنّ الحياة َ، وإنّ الموْتَ مِثلانِ

فاشربْ من الخمرِ ما آتاكَ مشربهُ، = واعلمْ بأنْ كلُّ عيشٍ صالحٍ فانِ

وبعد عصر المخضرمين يطلع علينا الحطيئة فيذكر أنها زينة تتوج الصدور كما الحلي :

طربتَ إلى من لا يؤاتيكَ ذكرهُ = ومن هو ناءٍ والصَّبابةُ قد تضرّ

إلى طَفْلَةِ الأطرافِ زَيَّنَ جِيدَها = مع الحلي والطّيب الجاسدُ والخمرْ

ويأتي بعده الأخطل صاحب اللسان البذيء مصرحا بشربها كما صرح بذلك حسان بن ثابت قائلا:

بان الشّبابُ ، ورُبّما عَلّلْتُهُ = بالغانياتِ وبالشرابِ الأصهبِ

ولقدْ شربتُ الخمرَ في حانوتها = ولعبتُ بالقانياتِ كلّ الملعبِ

ونرى فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري ينحو منحًا آخرَ عن ما تقدم فهو يُحذر منها ومن شربها فيقول:

إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ، = غالبةٌ، خابَ ذلك الغَلَبُ

خابيةُ الرّاح ناقةٌ حفَلَت، = ليس لها، غيرَ باطلٍ، حلَبُ

أشأمُ من ناقةِ البَسوس على النا = سِ، وإن يُنَلْ عندها الطلب

ويفضح ما تفعله الخمرة بقوله:

وأمّا الخمرُ، فهي تزيلُ عقلاً، = فتحتَ به مَغالِقَ مُبهَمات

ولو ناجتكَ أقداحُ النّدامى، = عدَت عن حَملها متندِّمات

تذيعُ السرّ من حُرٍّ وعَبدٍ، = وتُعربُ عن كنائز مُعجَمات

وينفضُ إلفُها الرّاحاتِ، حتّى = تعودَ من النّفائس مُعدمات

وزيّنت القبيحَ، فباشرَتْهُ = نفوسٌ كُنّ عنه مُخزَّمات

ويشرَبُها، فيقلِسُها، غويٌّ؛ = لقد شامَ الخفيَّ من الشِّمات

ويرفعُ شَربُها لغطاً بجهلٍ؛ = كأسرابٍ وَرَدْنَ مُسدَّمات

ويُكثِر في شعره التحذير منها والاستخفاف بشاربها وتبيين ما تجلُب للإنسان من عارٍ وخَبَلٍ.

وهكذا كثر الكلام عن الخمر في كلام الشعراء من مادحٍ وواصفٍ ومشبِّه ومنفِّرٍ .

وأما المعاصرين من الشعراء فإنهم يتَّبعون مَن قبلهم مِن أهل صنعتهم...

فنجد معروف الرّصافي يذكر الخمرَ وميلَه بميلِ القَدِّ :

تميلُ بقدِّك خمرُ الدلالْ = فيضحكُ في مَيله الاعتدال

ونرى محمد إقبال ينصح فيشبه بالخمر وما تفعله من نشوة، فيقول:

جاهلا سرَّ الحياةِ اجْتهد = وامضِ نشوانَ بخمرِ المَقصِدِ

وهذا أمير الشعراء أحمد شوقي يقول:

إن مَنْ يحملُ الخطوبَ كباراً = لا يبالي بحلمهن صغارا

لم نفقْ منك يا زمان فنشكو = مُدْمنُ الخمر لا يُحس الخُمارا

فاصرف الكأس مشفقاً ، أو فواصلْ = خرج الرشدُ عن أَكُفِّ السُّكارى

ويصف بصورة بديعة قائلا:

هياكلُ تفنى ، والبيانُ مخلدٌ = أَلا إنّ عِتْقَ الخمرِ يُنْسِي الأَوانيا

إذ أجود الخمر ما طال زمنُه وعَتق.

أما حافظ إبراهيم فيقول وصفًا من أروعِ وأجملِ ما قاله في دقَّةِ وصفٍ وتشبيهٍ وحُسنِ استشهادٍ:

يا غلامُ ، الـمُدامَ والكاسَ ، والطّا = سَ ، وهَيِّءْ لَنا مَكاناً كأَمْسِ

أطلِقْ الشمسَ من غَياهِبِ هذا الدَّ = نِّ وامَلأ من ذلك النُّورِ كأسي

وأذنِ الصُّبْحَ أنْ يَلُوحَ لعَيْنِي = من سَناها فذاكَ وَقتُ التَّحَسِّي

وادْعُ نَدمانَ خَلوتي وائتِناسي = وتَعَجَّلْ واسْبِلْ سُتُورَ الدِّمَقْسِ

واسقِنا يا غُلامُ حتّى تَرانا = لا نُطِيقُ الكَلامَ إلاّ بهَمْسِ

خَمرةً قيلَ إنّهم عصَرُوها = من خُدودِ المِلاحِ في يَومِ عُرسِ

مُذْ رآها فَتَى العَزِيزِ مَناماً = وهو في السِّجْنِ بَيْنَ هَمٍّ ويَأْسِ

أعْقَبَتْهُ الخَلاصَ مِنْ بَعْدِ ضيقٍ = وحَبَتْهُ السُّعودَ من بَعدِ نَحسِ

وليس محمود سامي البارودي ببعيد عنه ولا ناءٍ عن ذكرها فيقول مـُجِيدًا ومبدعًا:

فَادْرَأْ هُمُومَ النَّفْسِ عَنْكَ إِذَا اعْتَرَتْ = بالكأسِ ؛ فهيَ على الهمومِ حسامُ

فالعيشُ ليسَ يدومُ في ألوانهِ = إِلاَّ إِذَا دَارَتْ عَلَيْهِ الْجَامُ

مِنْ خَمْرَةٍ تَذَرُ الْكَبِيرَ إِذَا انْتَشَى = بعدَ اشتعالِ الشيبِ وَهوَ غلامُ

لعبَ الزمانُ بها ، فغادرَ جسمها = شبحاً تحارُ لدَركهِ الأفهامُ

حَمْرَاءُ ، دَارَ بِهَا الـحَبَابُ فَصَوَّرَتْ = فلكاً تحفُّ سماءهُ الأجرامُ

لاَ تَسْتَقِيمُ الْعَيْنُ فِي لَمَعَانِهَا = وَتزِلُّ عندَ لقائها الأقدامُ

تَعْشُو الرِّكَابُ ، فَإِنْ تَبَلَّجَ كَأْسُهَا = ساروا ، وإنْ زالَ الضياءُ أقاموا

حُبِسَتْ بِأَكْلَفَ ، لَمْ يَقُمْ بِفِنَائِهِ = نورٌ ، وَلمْ يبرحْ عليهِ ظلامُ

حَتَّى إِذَا رَقَدَتْ ، وَقَرَّ قَرَارُهَا = سلستْ ؛ فليسَ لذوقها إيلامُ

تَسِمُ الْعُيُونَ بِنَارِهَا ، لَكِنَّهَا = بردٌ على شُرَّابها وَسلامُ

فاصقلْ بها صدأ الهمومِ ، وَلا تكنْ = غرًّا تطيرُ بلبهِ الأوهامُ

وَاعلمْ بأنَّ المرءَ ليسَ بخالدٍ = وَالدهرُ فيهِ مصحةٌ وَسقامُ

وأما ذكر الخمر عند الشعراء الإسلاميين فغير خافٍ عنَّا.

نَجدُه يكثرُ؛ إذ يعرِّضون بما تفعلُه الخمرُ من غيابٍ عن الكون والسُّكر في حبِّ الله تعالى. وكلُّ ما يذكروه من بابِ المجاز والتشبيه على الأصل وهو المخامرةُ والغِياب عن الحوادث والرُّسوم.

ومن أوائل هؤلاء الشعراء وأشهرهم الشيخ مُحي الدين بن عربي، فيصرِّح عن مقصِده بذكر الخمر في شعره قائلا:

ألا كلُّ ما قد خامر العقلَ خمرةٌ = وإنْ كانَ في مزرٍ وإنْ كانَ في تبعِ

فهذا هو مقصدهم في ذكر الخمرة لا كما يُفهَم من أنه إلحادٌ وخروج عن رِبقَة الإسلام !

ويقول:

واشرَبْ سُلافةَ خَمِرها بخمارها ، = واطربْ على غردٍ هنالكَ تُنشدُ

وسلافةٌ منْ عهدِ آدمَ أخبرتْ = عنْ جنةِ المأوى حديثاً يُسْندُ

ويقول أيضا:

مَنْ لِفَتًى دَمعتُهُ مُغرِقَةٌ ، = أسكَرَهُ خَمرٌ بذاكَ الفَلَجِ

ونقرأ في شعر أبي عبد الله البُوصِيري صاحبِ قصيدة البردة المشهورة ما يقول:

مولىً تلذُّ لنا أخبارُ سؤددهِ = كأنَّ أخبارهُ من حسنها سمرٌ

فلَوْ أدَارَتْ سُقاةُ الرَّاحِ سِيرَتَهُ = عَلَى النَّدَامى وحَيَّوْهُمْ بها سكِرُوا

ويقول مُبدعًا:

أريحُ الصبا هبتْ على زهرِ الربا = فأصبح منها كل قطرٍ مطيبا

أم الرَّاحُ أهْدَتْ للرِّياحِ خُمارَها = فأسكرَ مسراها الوجودَ وطيبا ؟

وأما سلطان العاشقين ابن الفارض، فهو يكثر في شعره ذلك، على معانٍ مختلفة ومُتباينة، فيقول في بيته الأَخَّاذ:

شَربنا على ذِكْر الحبيبِ مُدامَةً = سَكِرنا بها مِن قَبلِ أن يُخلَقَ الكَرْمُ

وننتشي بقول عبد الرحيم البُرَعي حيث يقول:

و منْ لكَ بالزيارةِ منْ حبيبٍ = حمتهُ البيضُ والأسلُ الظباءُ

صبيحٌ في لمى شفتيهِ خمرٌ = كأنَ مزاجها عسلٌ وماءُ

سقيمُ اللحظِ أورثني سقاماً = و في شفتيهِ للسقمِ الشفاءُ

ويقول واصفًا ومشبِّهًا:

وبنتُ عشرٍ سقاها الحسنُ خمرَ صبا = فالقلبُ منها بغيرِ السكرِ سكرانُ

ونحن ننتظر شاعرَ الفقهاء عبدَ الغني النَّابُلُسِي صاحبَ شعرِ الحبِّ والقُربِ، لِيُبيِّنَ لنا ما يَقصد بذكر الخمر في الشعر، فيجيبُ قائلا:

صريحُ كلامي في الوجودِ وإيمائي = سواءٌ وإعلاني هواهُ وإخفائي

هو البحرُ عنه لا يزول كلامُنا = فعَن موجِه طورا وطورا عن الماء

وكلُّ كلامٍ قد أتى مُتكلِمٌ = به فهو منه عنه في رَمزِ أسماءِ

صحت أمة من بعد ما سكرَتْ به = فكانَ بها نُورًا أضاءَ بظلماء

وقامت له في حضرةٍ أقدسية = هي الشمسُ عنها الكل أمثالُ أفياءِ

عليكَ نديمي بارتشافِ كؤوسِها = ففي كأسها منها بقيةُ صَهباء

وما الكأسُ إلا أنتَ والرُّوحُ خمرُها = تحقق تَجدْ في السكر أنواعَ سراء

وفي عالم الكَرْمِ الذي قد تعرَّشت = عناقيدُه قفْ واغتنم فضل نَعماء

وخذْ منه عنقودًا هو الجسم ثم دعْ = كثائفُه واحفظْ لطائفَ لَألاءِ

ولا تكسِرِ الراووق إنَّ الصفا به = وحلِّل وركِّب في أصولٍ وأبناءِ

إلى أن ترى وجهَ الزُّجاجة مشرقًا = وذات الحُميا في غلائل بيضاء

فإن هناك الدَّن دندن فانيًا = وجاء الدواءُ الصِّرف يذهبُ بالداء

وأقبلتِ الحسناءُ بالرَّاح تنجلي = على يَدها يا طيبَ راحٍ وحسناءِ

سجدنا إليها أَي: فنينا بحبِّها = وذلك لما أن أشارت بإيماء

وحَاصِلة أن الجميع ستائرٌ = على وجهها الباقي فعجل بإفناء

فأفتانا بأن الحاصل والخلاصة هو الرَّمز لا المعنى الحقيقي، وأن الوقوفَ عند الظَّواهر هو من قِصَر النظر. فما ذكرهُ الخمرةَ إلا جسرًا لمعنى أرادَ الوصول إليه، فكنَّى بها كما هو شَأن الشعراء في إِخفاءِ حبِّهم وخوفهم من أنْ يَنَالَه من ليس أهلٌ لَه...

وبهذا العَرْضِ الذي مرَّ من تضمين الشعر الكلام عن الخمر من وصفها ومدحها والتشبيه بها والثناء عليها والتحذير منها والكناية بها إلى غير ذلك مما يريده الشاعر، - يتضح أن هناك من ذكر على الحقيقة ومن ذكر على المجاز.

وأنه ليس ثَـمَّة حَرَج من الرَّمْز بها أو الحديث عنها في غير مدحٍ وثناءٍ وترغيبٍ، من نظرة فقهية. والله أعلم.

أما من نظرة أخرى فنرى أن اتِّحاد الصور في الشعر قد توجد عند المتقدمين والمتأخرين، وأن الكلام عن شيء محدد –كالخمر مثلا- شائع في شعر كلٍّ منهما، وأنه قد تتكرر الصورة نفسها أو حتى الكلام نفسه بأحرفه كما قرأنا في قول حسان بن ثابت:

ولقد شربتُ الخمرَ في حانوتها، = صهباءَ، صافية ً، كطعمِ الفلفلِ

فإننا وجدنا الأخطل كرَّر الشطرَ نفسه فقال:

ولقدْ شربتُ الخمرَ في حانوتها = ولعبتُ بالقانياتِ كلّ الملعبِ

فإما أن يكون قد أخذَ الشطر من قول حسان، أو يكونا اتفقا بالكلام نفسِه، فإنْ كان الأخطلُ قد أخذ الشطر من حسان ولم يُلمِح أو يُصرِّح بذلك فهو سارقٌ.

وقد وقع –الاتفاق بالشعر- مِن غير واحدٍ من المتقدمين؛ فيُروى بيتٌ واحد لغير شاعرٍ، وتُروَى صورة متَّحدة لشاعرين أو أكثر، فإذا رُوي بيت أو شطر لشاعرين، فإن كان أحدهما متقدم فالبيت يكون له، ويكون المتأخر إما سارقًا أو مُوافِقًا.

والاتفاق جائز ولا مانع من وقوعه؛ إذ قد تتفقُ الأقوال بصورةٍ واحدةٍ أو كلام متَّحد، وليس الكلام ولا الصور بمنحصرة بشخص ولا تتعدى لغيره، فاللغة والمعاني والصور ملك للجميع.

وبالله التوفيق... والله أعلم.

 

 

تم التحديث فى ( الاثنين, 28 ديسمبر 2009 10:13 )