الخزف حرفة وفن وعلم

 

       الخزف هذا الفن الخالد, الذي تكاد لا تخلو أي حضارة من الحضارات الانسانيه من ممارسته , وليس مصادفة أن يتعلق الانسان بهذا الفن ويطوره بدءً من أواني المائده الى الالواح الرقم الطينيه التي يكتب عليها, إلى تزيين المعابد ودور العباده ثم إلى فن مستقل يحاكي الفنون التشكيلية الأخرى. وهذا التناغم الروحي بين الإنسان والطين ازلي مستمر,  فمنه خلق واليه يعود. , ولا غرابة في ذلك لان الله تعالى خلق الإنسان من طين.

قال تعالى في كتابه العزيز(( الذي أحسن كل شىء خلقه, وخلق الإنسان من طين)) .

.

     ويتم عمل الشكل الخزفي أولاً من الطين , حيث يحضر الطين وينقى من الشوائب والاملاح, ثم يتم تشكيل العمل الخزفي إما بواسطة اليد  اوبواسطه دولاب يحرك بالقدم ويدور على عجله , ثم يترك ليجف في الهواء تماما , ثم يدخل إلى فرن حراري تصل حرارته من 800 درجه إلى 1250 درجه مئويه , ثم يضاف إليه طلاء الزجاج ويعاد إلى الفرن مره أخرى وبنفس ألدرجه الحرارية أو اقل حسب تركيب الزجاج ودرجة انصهاره , ويخرج العمل الخزفي بعد تبريد الفرن تدريجيا,

        والخزف والسيراميك كلمتان مترادفتان تعنيان الطين المشكل والمجفف في الهواء والمشوي في أفران حرارية تصل إلى 1250 درجه مئوية ثم يطلى بمادة الزجاج ليصبح العمل خزفيا أو سيراميك . واصل كلمة السيراميك إغريقي karamus  ويعني القرميد أو أوعيه الشراب االطينيه.

             ويعتبر فن الخزف من أقدم الفنون التي ظهرت على الأرض , وهو احد المصادر المعتمدة في تحديد عمر الحضارات القديمة. وكان وادي الرافدين ووادي النيل موقعا طبيعيا لنشأة هذا الفن, لوفره الطين والماء المواد الاوليه للخزف والفخار , وأثبتت الحفريات إن سكان هذه المناطق زاولت هذا الفن منذ أكثر من ستة ألاف سنة تقريبا.

         ولا يمكن إن يحدد اكتشاف صناعة الخزف والزجاج في موقع ومكان  وتاريخ دقيق ,لان نتائج الحفريات في المواقع الاثريه  في العالم تعطينا كل يوم نتائج مغايرة , وبذلك تبقي الباب مفتوحا للبحث والتقصي في هذا المجال .غير انه من المؤكد ان وادي الرافدين ووادي النيل وبعض مواقع في الهند قد عرفت واستخدمت الخزفيات والفخاريات , وتمكنت من إنتاج إشكال وتراكيب زجاجيه متطورة دلت عليها نتائج الحفريات وتزخر فيها المتاحف العالمية . 

            وتطور الخزف عبر العصور القديمة  نتيجة لاحتياجاتهم أليوميه لاواني الطبخ والخزن والشرب, والألواح الطينية التي يدونون عليها كتاباتهم  , ففي مدينة اشننه الاثريه القريبة من بغداد وجدت عصا زجاجيه خضراء تعود إلى 2600 ق.م ,  أضافه إلى قطع من الزجاج الأزرق ووجوه للإله عشتا مصنوعة من الطين الفخور المغطى بطبقه بدائيه من الزجاج  ذو لون رمادي في مدينه اريدو جنوب العراق تعود إلى 2200 سنه ق.م .

     . وقد اظهر صناع الخزف في العهد الأشوري غزارة في النتاج ونقش على الجدران بمخاريط ملونه  بشكل وحدات هندسيه مختلفة , وعرف الأشوريون كذلك الطلاء الزجاجي واستخدموه بنفس الطرق المتبعة اليوم تقريبا, فكان العمل يفخر ثم يزجج وينقش ويدخل الفرن الحراري , ويزين بالألوان الفضية والذهبية المزخرفة, وكانت الألوان المستخدمة في الزجاج ذات دلالات مقدسه , فاللون الأحمر كان  مثلا يطرد الأرواح الشريرة وإبعاد النحس عن الموتى في قبورهم, واللون الأرجواني من الألوان خاص بالقصور الملكية.

        وفي وادي النيل عثر على قناني زجاجيه مصنوعة بإتقان في مقبرة الملك توت عنخ آمون المتوقي سنة 1350 ق.م . كما عثر في الهند على أجسام مزججه من الكوارتز الأبيض الملون بالأخضر ذات صلابة جيده, كما اكتشف في أعالي الهند على مكتشفات زجاجيه تعود إلى 2500 سنه ق.م مشابهه لما وجد في تل اسمر في العراق,

       كما أبدع الصينيون في إنتاج إشكال خزفية راقيه ذات أجسام بيضاء ورقيقه وصلبه تسمى البور سلين(Porcelain) تراكيبها من الطين النقي ويضاف إليه ماده الفلس بار  وبعض المركبات الأخرى ,ثم تفخر في أفران حرارية تصل إلى 1250 درجه مئوية, وكان هذا بحدود1550 ق.م .  

                  ونلاحظ إن فن الخزف اتخذ اتجاهات متت عدده من حيث التقنية والتشكيل ,مما أدى إلى ظهور أكثر من تقنيه في إنتاج الخزف ,    ويتضح ذلك من خلال النموذج الياباني الذي تخصص في طريقه تسمى ( الراكن), وتتمثل بوضع قطع خزفية من عجينه طينيه خاصة مقاومه للصدمات الحرارية , في فرن درجة حرارته 980 درجه مئوية ثم سحبها من الفرن بشكل سريع ووضعها في ماء أو كومه من القش , فتحدث تفاعلات وتكسرات جماليه عاليه في سطح الزجاج للعمل الخزفي, ويلقى هذا الأسلوب رواجا عاليا لاستخداماته في  إعمال الديكور والتصميم الجمالي المختلفة.

       

      ومع بزوغ الإسلام , وتأسيس ألدوله الاسلاميه واتساعها تم تطوير فن الخزف تقنيا وفنيا وجماليا : فلم يعد مقتصرا على أواني الطبخ والخزن والمشربيات بل تعداها إلى إشكال وتصاميم خزفية رائعة من حيث الشكل والتصميم وألوان الزجاج , وذلك لكثرة المفردات لدى الخزاف المسلم من خط وزخرفه ومنمنمات وإشكال هندسيه متنوعة,  وصار العراق احد أهم مراكز صناعة الخزف وإنتاجه, وخاصة في  بغداد وسامراء وكان هذا خلال القرنين السابع والرابع عشر الميلادي.

        ومن خلال طبيعة الدين الإسلامي المنفتحة وقيم العدل والمساواة وحرية التعبير , فقد نضجت معها الفنون وكان للخزف والخط العربي الحظ الأوفر, ومن خلال الفتوحات الاسلاميه واختلاط الفنان المسلم بتلك الشعوب نضجت تجاربهم الفنية, فبلاد فارس واهتد والصين وتركيا كانت أماكن مهمة في صناعة وتطوير الخزف, غير إن الغرب لا يعرف عن هذا الانجاز إلا القليل لا ن خبراءهم في الخزف اتخذ من بمرسلين الشرق الأقصى وخاصة الصين مقياسا يحكمون نه على جوده الإعمال الخزفية في أوربا, والسبب في ذلك قله الخزفيات الاسلاميه لدى جامعي التحف الفنية في أوربا إذا ما قورنت بتحف البور سلين الصيني, فضلا على ندرة الحصول على إعمال خزفية إسلاميه غير متضررة , فاغلب الخزفيات التي يعثر عليها تكون تالفة ومتكسرة ويعاد ترميمها بصعوبة.  

    

.

             وقد تم استغلال كل من اللون واخط والزخرفة والإشكال الهندسية والمنمنمات إلى ابعد الحدود الممكنة من التأثير في العمل الخزفي , في العالم ألسلامي حصرا,وقد يتعجب الكثير عند إطلاعهم على حجم الإسهام الذي قام نه الفنان المسلم في كل من أوربا والصين, فقد تسرب إلى أوربا الرسم على الخزف المزجج بطلاء قصديري والذي ساهم بتزويدها بأفخر أنواع الخزف لمده ثلاث قرون. وشوهد هذا الأسلوب الصناعي لأول مره في بلاد الرافدين في القرن التاسع الميلادي.

      إما بالنسبة للصين فقد تعلموا من الخزاف المسلم, أسلوب الرسم تحت طلاء التزجيج مصحوبا بصبغه (الكوبالت) التي تعطي اللون الزرق والذري التي مكنت الصينيين من صنع أهم الأواني التي يتميزون بها وهي البور سلين الأزرق والأبيض.

        ومع إن استخدام الألوان الحارة والجريئة قد اعتبر في غالب الحيان من مميزات الفنان المسلم,الاان الشيء الأكثر أهميه هو أسلوبه في استخدام الزخارف الملونة النباتية والهندسية واستخدام الخط العربي كأساس للتصميم النحتي الخزفي وإحساسه الواعي في إخراج العمل الخزفي بخوص إسلاميه واضحة.

       ومع ذلك يجب إن لا نقلل من مؤثرات الخزف الصيني على تطور الخزاف المسلم من خلال تحفيزه على تطوير مهاراته في هذا المجال. وان استيراد البور سلين في زمن ألدوله العباسية هو الذي شجع الخزافين المحليين من تطوير إمكانياتهم الفنية  من مجرد أواني وأوعيه للطبخ والخزن إلى إعمال فنيه للتزيين والتجميل, ونظرا لافتقار الشرق الأوسط لمادة الطين البور سليني فقد اضطر الخزاف المسلم إلى تقليد البور سلين وذلك بتغطيه الفخار الأصفر بطلاء زجاج ابيض معتم )mat( فحصل على خزف مشابه للبور سلين رغم اختلافه عنه من حيث الصلابة ولتعومه.وحاول الخزاف المسلم الخروج عن التقليد فابتكر الزخرفة بالبريق المعدني على الخزف وهي خاصية تفرد بتا الخزاف المسلم.

     وقد أدى قيام النهضة الصناعية في أوربا آان ينال الخزف اهتماما كبيرا وتوسعت استخداماته, في المجال الصناعى والخدمي والطبي والتكنولوجي, وكانت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا مراكز رائده في إنتاج السيراميك بكل أنواعه, ونتيجة لتطور البحث العلمي الصناعي, فقد تبنت روسيا وأمريكا هذه ألصناعه واسست مراكز متخصصة لبحوث الزجاج والخزف وكيمياء الزجاج واستخدامات الخزف العالي الحرارة, وتواصل البحث العلمي ليجعل من صناعه الخزف علما مستقبليا , فقد صنعت أجزاء من المحركات والمركبات الفضائية والصواريخ من الخزف العالي الحرارة لقابليته على تحمل درجات الحرارة العالية .

            ومع دخول المكننه والاجهزه الحديثه لصناعه الخزف إلا إن الأسلوب اليدوي والشخصي مازال يتمتع بخصوصيه  وللخزف مكانته الواضحة في الحركة ألتشكيله ألمعاصره لا تقل أهميه عن بقيه الفنون التشكيلية , لأنه نتاج لكل الفنون التشكيلية فالرسم والنحت والخط والزخرفة كلها من عناصر الإبداع الرئيسية ل هذا الفن الشامل, وارتباطه بعلوم الكيمياء من خلال التزجيج وتراكيب الألوان الزجاجية المعقدة . وبهذا فهو حرفة وفنا وعلما. والخزاف المبدع هو الذي يمازج كل ذلك ي إنتاج العمل الخزفي.

          وأنتج العراقيون أروع وأقدم المشغولات الخزفية ولا يزال الخزاف العراقي يبدع إعمالا فنيه خزفيه تنافس الخزف العالمي المعاصر , وحصلت المشاركات العراقية على جوائز عالميه وعربيه في اغلب المعارض التشكيلية العالمية والاسلاميه, وتخرج من اكاديميه الفنون ألجميله خزافون كبار اكملو دراستهم في أوربا وأمريكا , وكانت لإعمالهم اكبر الاثر في التعريف بالفن الإسلامي المعاصر ,    خاصة ونحن بأمس الحاجة لتفعيل وسائل جديدة لفن الدعوة , خصوصا وقد شوهت صورة الإسلام والمسلمين في العالم الغربي  ,

                               

 

تسجيل الدخول

Please publish modules in offcanvas position.