نحن مع غزة
Customize Font Size
 
 

تسجيل الدخول



أخبار الكتاب والأدباءالطهطاوي في بئر العسل

article thumbnailبإذن الله تعالى رواية " بئر العسل " للروائي القدير ( محمود رمضان الطهطاوي الصادرة عن مجموعة النيل...
اقرأ المزيد


إصدار للشاعر سامر سكيك

Bookmark and Share

بين النقل والابداع

( 1)
كلنا مبدع
--------
من منا من لا يرى انه انسان مبدع و فنان متميز وفيلسوف له في كل امر وجهة نظر .... ؟
أرى ان الإجابة بالنفي مجانبة للصواب .. وان رد احد بان سقراط قد اعلن ذلك منذ اكثر من الف سنة وبين للناس انه جاهل وكل الذي يعرفه هو انه لا يعرف شيئا ، فذاك ادعاء لم يكن مؤمنا به في حقيقة الامر، بل هو أسلوب ابتدعه للتواصل مع مواطنيه وتعليمهم ، وليظهر لهم التناقض في تفكيرهم واقوالهم ، ودفعهم الى تبني اراء أخرى لم يكونوا مؤمنين بها ، اما عن نفسه فقد كان على علم بانه يعلم .


وكذا الذي يبديه اعلام الفكر الاخرون من جهل وحيرة امام الغاز الوجود وافاقه الرحبة ، فهو ضرب من الخُلق السامي وتواضع يليق بهم ان يبدوه ، وهو حال كل من أثقل العلم رأسه حتى مال وانحنى كما تنحي السنبلة عندما تمتلئ ، وهم في حقيقة الامر على معرفة بالمستوى الذي بلغوه والعلم الذي استوعبوه وعرفوا ان التقدم في المعارف والارتقاء بالعلوم يزيد الفهم ويوسع المدارك ، لكنه في ذات الوقت يكشف عن ابعاد لم تكن ظاهرة على شاشات الاحساس والشعور ، ويفتح أبواب التساؤل عن ظواهر كانت مختبئة خلف الاستار ، واحاجي لم تخطر لهم على بال ، وان بين العقل والحقيقة المطلقة هوّة كبيرة ، لها من العمق والاتساع ما يدفعهم الى الاعتقاد بحقيقة ان كلما زادت معارف الانسان وكبر عقله وتوقد ذكاؤه ، ازداد صغرا وضآلة امام حقائق الكون واسراره .
وما قيل عن العلماء نقوله عن الاخرين .. عن عامة الناس، مثقفيهم وجهّالهم .. الكل يرى انه صاحب فكر متميز وعقل واسع ورؤية نافذة .. ولا زلت اذكر زميلي الذي اعلن لنا انه لو اُختير رئيس دولة لقاد البلد نحو دروب التقدم والسعادة والرفاه ، ونحن اعلم الناس بما يعانيه من تدني في كل مستويات المعرفة والفكر السياسي ، وليست بعيدة عن ناظري تلك الشخصيات التي قدمت انفسها على ان لها القدرة على تقلد منصب رئيس الدولة المصرية بعد خلع رئيسها السابق وترى النجاح نهاية اكيدة للفترة التي يقضونها في المنصب ، في وقت بدا فيه أصحابها انهم عاديون ومن عامة الناس ولم يمارسوا منصبا سياسيا او ينالوا شهادة دراسية تؤهلهم لمثل هذا المنصب ولا تبدو عليهم سيماء التميز والتفوق .. ومن المؤكد انهم قد تابعوا احداث بلدانهم السياسية ومعاناة شعوبهم اليومية وتبادلوا فيما بينهم اطراف احاديث السياسة وقيادة الناس وإدارة مرافق الدولة فكان لكل واحد منهم وجهة نظر اعجبته فرأى انها فلتة من فلتات عقله وابداع ليس بمقدور الاخرين الاتيان بمثله ، ورفرفت ثيابه خيلاء وانبسطت اساريره اعجاباً بالنفس وارتفع صدره ثقة وغمرته مشاعر الاعتداد بالنفس ، فاقدموا على خوض معارك السياسة ومناظرات رجالها دون ان يعلموا انهم قد دخلوا معتركا صعبا وخاضوا نزالا غير متكافئ ، اذ ليس لديهم رصيد يصرف ولا أدوات تستعمل ولا نفوذ واسع يستند اليه ..
لقد ادرك سقراط – ان لم اكن خاطئاً - الحقيقة هذه وعرف احاسيس الناس ومشاعرهم وبين أن ما من مهنة الا ولها سر تنفرد به وعلى من أراد ممارستها التدرب والتعلم والوقوف عليه ، الا السياسة فهي المجال الذي يرى كل الناس ، على اختلافهم ، انهم مؤهلون لخوض غماره ، وانهم اصحاب نظر ورأي سديد يؤهلهم لاِحراز النجاحات فيه ..
ولا زال الامر باقٍ على صحته ، فان كان صحيحا أيام سقراط فهو صحيح في أيامنا هذه أيضا حتى وان استجدت في الفكر السياسي علوم لاحقة وخبرات متنوعة وقوانين ومعاهدات وتاريخ سياسي للأمم والحروب .. فهي تدور بشكلها العام حول محور حياة الشعوب وإدارة شئون البلدان ومعرفة الصالح والاصلح لهم .
وليس الذي قيل صحيح في مجال السياسة وقيادة الدول وحسب .. بل هو ظاهر وبين في أمور الفكر عامة .. والجاهل ( ان لم نقل المثقف في شكل عام ) يعيش إحساساً غامراَ يفرح قلبه وسروراً بما لديه من نظر ثاقب ومعرفة واسعة ورؤية واضحة .. وقد مرت بي أيام كنت اطالع فيها المواضيع المحببة الي وقد كتبت بأقلام كتاب مبدعين ، امتازوا بسعة العلم والقدرة على اثارة الدهشة والتساؤل والامعان في التفكير لدى الاخرين ، شعرت معها بالذي ناب الجهال وظننت ان لي مدى نظر بعيد ، واني أرى اكثر مما يراه الغير، وادرك الأمور على مستوى عاليٍ من درجات الفهم والتبصر.. ولولا الشخص المزهوّ الذي عرض لي حينذاك ، ذاك الذي طلب مني سؤاله عن أي شيء ابغي معرفته ليقدم لي ما يشبع رغبة الفهم وينير ظلمة العقل ، فكان اول سؤالي عن ( كارل ماركس ) وفلسفته .. وصعق الذي ادعى العلم فدارى جهله بعبارة كانت حاضرة على السنة من انضووا تحت خيمة الفكر الجمعي الذي تبناه المجتمع ..
ورأيت نفسي واقفاً في مكان جاهلنا هذا ، وماذا لو سألني من لديه أسئلة عما ليس لي به علم او معرفة .. وادركت حقيقة ان ما تجمع لدي من معارف (( وهي قليلة في حقيقة الامر )) لم تكن الا جوانب ضيقة من الفكر الذي قدمه اعلام الفكر الذين قرات لهم .. فيا لحرج من ادعى العلم وهو جاهل بل يا لعاره ، ويا لخيبة من زج بنفسه في مشهد يكشف نشازه ويظهر عواره ويُضحك الاخرين عليه .
ولو ادرك من ظن أن ليس في الدنيا شيء لا يعرف حقيقته ، انه صاحب نظر قصير وادراك محدود ، وان الخطأ انما يكمن في اعتقاده بان حدود العالم تنتهي بحدود عقله .. ولو كان حاله كحال الفيلسوف اليوناني القديم الذي تمنى بلوغ الحدود التي تنتهي اليها السماء ، ليمد عصاه خارجا فيعرف الذي يوجد هناك ... لأدرك ان بعد الحدود آماد بعيدة وحقائق كثيرة لم تعرف واسراراً لم تتكشف بعد .


كونفوشيوس قد عرف نفسه
-------------------


من الذين عرفوا انفسهم فاعربوا عن رغبتهم بتولي منصب عالٍ في الحكم ، ذاك الذي وصفه احد المارين عليه في بلدته ( دون ان يعرفه ) فقال انه رأى رجلا قبيحا ، ذا وجه كئيب كوجه كلب ضال ، فقد كان قبيحا حقا ، له شفاه كشفاه الثور، وفم واسع كسعة البحر ، انه (( كونفوشيوس )) ذاك الرجل العظيم والمربي الكبير الذي اخفى روحه السامية وعقله الكبير وحكمته البالغة خلف قناع الجسد .. وكانّه يلقننا درساً بان لا يوهمنا المظهر يوما فنوقر السافل الدنيء الجبان ، ونهين ابيَّ النفس ، كريم الأصل عالي الاخلاق ...
لقد اعلن على الملأ يوماً ، ان لو أولاه الامراء منصبا لقدم للناس والبلد من الأعمال الجليلة ما يرقى بهم الى مستوى متقدم وبلغ بهم الكمال في فترة لن تتجاوز النيّف من السنين .. وقد تحقق له الحلم ، وأُسند اليه منصب كبير قضاة احدى المدن ، فاصدق وعده واثبت للعالم جدارته لدرجة ان شاع في وقته الشرف والامانة بين الناس حتى بلغ الحال ان لو سقط من احدهم شيء بقي في مكانه حتى يعاد اليه .. وأصبح الوفاء والإخلاص شيمة الرجال .
(( يذكرنا هذا بحال اسلافنا المسلمين أيام الخليفة عمر بن الخطاب والخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما فقد نام الاول في ظل شجرة في العراء دون حارس ولا مانع من وصول احد اليه ، اما الثاني فلشدة ورعه وعدله وللأثر الحسن على رعيته قالوا ان الذئب كان يرعى الغنم في أيامه – رضي الله عنهما ))
وترك للصين تراثا ، وفكرا، ومدرسة للأخلاق ، تتناقلها الاسلاف جيلا بعد جيل، ولم ينضب ماء النبع بل فاض وساح وتشعب في مساربه حتى غطى عموم الصين اجمع ، واضحت الكنفوشية الدين الرسمي للدولة ، وبقيت أفكاره على حيويتها وقوة نشاطها الفي عام من بعده .
ورغم كل هذه الهمة العالية والنفس الابيّة المتشوّفة الى ذرى المجد ، فقد كان متواضعا في عظمته ، ولم يدّع ان الذي جاء به أمر مستحدث وفكر مبتدع واخلاق صيغت من جديد بل هو النقل عن الاولين والاباطرة المعظمين ..
كان ينصح تلاميذه بالوضوح في الطرح والتفكير ، والصراحة في الإجابة عّما يوجه اليهم من سؤال ، فان كان يعلم فليتمسك بقوله انه عالم ، اما ان جهل فليقر بذلك دون خجل .
وصف نفسه بانه ناقل وليس بمنشئ ، وكل الذي عمله لا يعدو نقل ما تعلمه من الغير اليهم ..
والسؤال الذي يعنينا من كل هذا .. الم يكن كونفوشيوس مبدعا في الفكر الذي تركه من بعده .. ؟
وهل الصحيح انه لم يقم الا بجمع كل التراث الخلقي للأسلاف وان الكتاب الذي جُمعت فيه أقواله ونصائحه ، لم يخرج عن الدعوة الى الالتزام بقوانين الاخلاق التي سادت والالتزام بقيمها .. ؟
لو كان الذي صاغه نقلا عن ما هو سائد قبله ، لخرج عمله صورة مطابقة للمنقول ، ولسادت الافكار القديمة بأسماء حامليها .. وليس من مبرر لأن تعيش المدرسة المسماة باسمه ( المدرسة الكونفوشية ) آلاف السنين ، وتندثر أسماء أصحابها الاولين ..
ان ما تميز به هذا الرجل هو حبه الشديد للتفرد ولا فرق عنده أن يتبوّأ مكانة اجتماعية بين الناس فيعرفونه او يظل نكرةً بينهم دون ان يلتفتوا اليه ، بل الأهم هو ان يكون جديرا باحترام الناس له ، وخليقا بان يعرف بينهم .
فما أروع هذا الخُلق وما احوجنا اليه ، ونرى ان في شيوعه بيننا إشاعة للمحبة والتسامح ، ولكُبح جماحُ العدوانية بيننا ولصار التنافس شريفا عندنا ، ولصار الكل اصيلا في سلوكه وتفكيره ، متفردا بشخصيته .
وكان حريصا على ان يعلم تلاميذه الّا يهاجموا غيرهم من المفكرين ويهدروا اوقاتهم بنقض أفكارهم .. ولعمري ان هذا ما يفتقده البعض من أصحاب القلم ، من الادباء والمفكرين الاعلام ، ومن كتاب المقالات في منتديات الانترنيت ، وان كنا نرى ان في شيوعه بين بعض الاعلام ، حدة في الطبع وتعصب في التفكير واعتزاز بما عندهم من فكر، منهم على سبيل المثال ( العقاد ) و ( د . عبد الرحمن بدوي ) .. اما كتاب المقالات في المنتديات ، فلأحاسيس العجز عن الملاحقة والتنافس نصيب كبير يأتي بعده دافع الانتقاص من مخالفي مبادئهم وانتماءاتهم . ونحمد الله ان كتاب منتدياتنا كبار على جميع الصُعد في الفكر والمنزلة والدور الذي يمثلونه ، ولهم إحساس بالواجب الإنساني المطلوب في رعاية المستوى الفكري المطروح .
وكان يحرص كل الحرص على ان يُعمل الطالب لديه عقله ويتجاوب مع أمور الفكر ومستجداته بذهن متفتح وعقل متفرد وشخصية لها كيان مستقل .. وتلك من مقومات الابداع وصفات المبتكرين .

الارتكاز على الماضي والانعطاف نحو المستقبل
------------------------------------
عندما مر الحديث على ذكر (( كونفوشيوس )) لم يكن المعني به هو احياء ذكرى هذا الفيلسوف الحكيم والمربي العظيم والدعوة الى الاهتداء بتعاليمه وتثبيت القيم الروحية التي شاعت في مدرسته ، فلدينا من القيم الروحية والأخلاق السامية والنظرة المتكاملة ما يغنينا عن الحاجة الى نصيحة اي مربي وحكيم وفيلسوف مهما كان الفكر الذي جاء به مستخلصا من دراسة واسعة وفهم عميق للنفس الإنسانية والفكر الجمعي بشكل عام (( ولا ينفي الحقيقة هذه ما يشيع بين الكثير من أبناء امتنا اليوم من تدنٍ خلقي وتخلف فكري وانهيار للمنظومة الأخلاقية المسؤولة عن تماسك مكونات المجتمع ، واحاسيسهم بالانتماء ولزوم الحفاظ على تطويره ، فللانهيار أسباب خارجية ولا تعد في أي حال تصدعاً في البناء ، ولا قصوراً عن فهم النفس الانسانية ، ولا عجزاً عن التوائم والتكيف مع الواقع المتطور للمجتمع .. ويكفي لتصديق هذه الحقيقة الاعداد الكبيرة من عامة أبناء الغرب و مفكريهم وهي تعلن انتسابها الى دين الإسلام وقيامهم بالدفاع عنه والدعوة اليه وهم يشاهدون بأم الاعين الوحل الذي يتمرغ فيه المسلمون ويغطي رؤوسهم ، والتدهور المهين الذي اعتراهم ، والواقع المقرف الذي اصبحوا عليه ، فقد امعنوا النظر وادركوا ان الدين سالم والأخلاق مكتملة .. وعرفوا اين يقع مكمن الخطأ .
والمعني إذن هو اثارة السؤال عن الخيط الذي يربط كلاً من اطراف النقل والانشاء ، والاتباع والابداع ، والماضي والمستقبل ، والذكرى والاستشراف ..
وان الفكر الذي تركه كونفوشيوس للصين لم يكن نقلاً لأخلاق الذين سبقوه وتاريخهم وحسب ، فلو كان الامر على هذه الصورة لم يتخلّد اسم كونفوشيوس حتى عُبد، واصبحت تعليماته مدرسة يتناقل افكارها الصينيون ويعلمونها أولادهم طوال الفي عام حتى حلّ النظام الشيوعي الحديث ، فالأجدر هو ان تُخلد أسماء أصحابها الأصليين وتطفوا ظاهرة على السطح .
لقد كان كتاب التاريخ الذي كتبه بيديه وتركه لاتباعه من بعده ، خلطا من احداث حقيقية عاشتها الصين في اعظم مراحلها وخطب واقاصيص وضعها من نفسه .. فكان عمله ابداعاً تفرد به لا صورة مستنسخة ، وقصصاً تاريخية وشّاها بزخرفه وفنّه في أسلوب الخطاب والعرض ، وعملاً فنيا يحمل بصمته .
والمعني بعد هذا ان الابداع ، عمل تجتمع فيه ابعاد عديدة ، الخبرة والتجربة ، الإشكال والحل ، المأساة والامل ، ظواهر العالم و ديناميات العقل و ... و ... و ...
ولو اجلنا النظر في العمليات الفكرية ( الواعية ) وآلياتها عند الانسان بشكل عام لادركنا ان ما قيل عن التأثيرات المتشابكة ( المؤثرة ) في صميم العملية الإبداعية هي نفسها حاضرة في ديمومة الوعي وانتقاله عبر ابعاد الماضي والحاضر والمستقبل .. ولو اجتزأنا الصورة التي تمر أمام اعيننا في هذه اللحظة من فلم سينمائي نشاهده واخضعناها الى التحليل ، لن نجد ابعاداً أخرى خارجة عنها ، لا ذكرى للحظة الماضية ولا إحساس أو توقع لما سيحدث لاحقا .. اما عند الانسان فالأمر مختلف تماما .. اذ ان الوعي في كل لحظات مروره ، يتّكئ على ماضٍ مرّ به ويتطلع الى مستقبل آتيه لاحقا ، انه في حالة دائمة من الارتكاز على الماضي والانعطاف نحو المستقبل ، بحسب تعبير ( برجسون ) .
ففي لحظة الوعي الحاضرة عند كل انسان ، يجتمع الماضي بالمستقبل ، والاشكالات المستعصية بالحلول اللازمة لحلها ، والآلام التي عاناها بالآمال التي يرتجيها .. انها ( البراديغم النفسي ) او البِنية التي تشكل عقل الانسان وتحدد نهج تفكيره ، وتنتظم وفقها افكاره ..
ويتساوى في هذا كل واعٍ مفكر ، العادي والمتميز والفنان والعالم والمتبع والمبدع و المتخلف والعبقري ..
وما قيل عن لحظات الوعي ، يقال عن تلك الاوقات التي يُنشئ فيها المبدع موضوعه المتميز ، فهو في كل الأحوال ابن بيئة يعيش فيها ، وارض يمشي عليها ، وأمة او جماعة ينتمى اليهم ويعيش بينهم .. وله طفولة قضاها، وتربية استوعب مراميها ، واخلاق تشرّبها كما تتشرب الأرض ماء المطر ، تداخلت وتشابكت في أعماق نفسه وتركيبة ضميره ..
كان ( فيكتور هيجو) من المؤيدين لفكرة ان للعملية الإبداعية فترة تمهيد واعداد وتأمل ، وان للذكاء والذاكرة دور فاعل ومؤثر لا يتسنى لمخيلة المبدع ان تعمل بدونهما ، وان الالهام عنده كالطائر الذي يخرج من البيضة ، لم ينطلق الا بعد ان مرت عليه فترة رعاية واحتضان ورقاد .. وكأن هيجو يرد بهذا على من يرى ان في الابداع ضرباً من السحر والالهام الهابط من فوق او انفصالاً عن عالم الاهتمامات والانشغال بأمور حيواتنا اليومية .
وما ذهب اليه (هيجو) لم يكن بِدعا ، فهذا ( ادجار الان بو ) يصر على ان العملية الإبداعية موجهة في كل مراحلها وان الوعي والتوجيه في صياغة العمل انما يجريان وفق اهداف وغايات محددة ، كأن يلهب في نفوس قارئيه مشاعر الفرح او الحزن وان يضع لأشعاره قافية يحددها بنفسه ، ووقتاً يستغرقه العرض او الالقاء او القراءة اللازمة للعمل ..
وما يعنينا ان وعينا حينما يكون حاضرا في لحظات تفكيرنا المبدع فانه يدفع بأحداث ماضينا وتجاربنا التي مرت ، ومستقبلنا وأمانينا المرتجات لان تتشابك وتتفاعل فيما بينها وفق مسارات ما نملكه من مرونة في التفكير وحدة في الذكاء وقدرة على الاستنباط ، ليخرج العمل بعدها في صورة من الجدة والتفرد وكأنه إِلهام قد هبط علينا من السماء ونحن في غيبوبة وذهول . وان الالهام –ونعني به الابداع ، فالإلهام مرحلة من مراحله - لا يعني خلقا من العدم ، ولا هو شرارة تنقدح على حين فجأة في الرأس .
( ويؤكد أصحاب النزعة الاجتماعية على ان للعوامل الوراثية والاجتماعية والتربوية والنفسية اثر بيّن في تكوين شخصية الفنان - المبدع - وفي تشكل ما ينتجه من عمل . ويؤكدون على ان مفهوم الأصالة الخالصة وهم وقع فيه أولئك الذين نظروا الى الفنان باعتباره كائناً غير ارضي ، هبط علينا من السماء ويتلقى الوحي من لدن موجود علوي .. وكلما وقعنا على تفصيلات حياة الفنان واهتدينا الى المصادر التي اخذ منها ، بدت نسبيته وصار عمله تأليفا بين أفكار قديمة وتعديلات على ما تلقاه من طرز فنية ... )
وليس ادل على ما مر بنا من تلك المراحل التي حددها دارسو الابداع ، فجعلوا للعمل المبدع مرحلة تهيؤ واعداد وتجميع للعناصر ذات العلاقة ، تأتي بعدها فترة ( اختمار ) يعاني فيها الفنان اشد لحظات القلق والتوتر لما يقوم به من جهد فكري – في الوعي او اللاوعي - في تحديد الاشكال وفحص العناصر وما تحمله من خصائص وإمكانات ، ومن بعدُ ، الخروج باطار نهائي للفكرة .. ثم يأتي الالهام هابطاً وكأنه ومضة برق خاطفة ، انارت صفحة السماء واحالت الظلام الى نور يبهج القلب ويبعث السرور في النفس .
وماذا اذن عن الالهام الآتي الينا على هيئة حلم ونحن نائمون ، ساهون عن الواقع وشاردون ، وفي غفلة عما نعانيه من مخاوف أو قلق .. ؟ لقد حدثنا ( كوليردج) عن قصيدته الشهيرة ( كوبلاخان) وبين انه قد كتبها تحت تاثير حلم رآه .. وقال ( جوته) انه قد كتب روايته ( آلام فرتر ) وهو منصت الى هواجس آتيه اليه من أعماق نفسه .. بل قيل ان ( لامرتين ) كان يؤكد للآخرين ، انه لا يعمل تفكيره بالمواضيع التي تستهويه وانما أفكاره هي التي تفكر ، وماذا عن الاعمال الموسيقية العظيمة التي قدمها موزارت وهو في بدايات عمره ولم يتجاوز الرابعة عشر عاما بعد ..
اليس في الابداع شيء آخر هو غير الذي تحدثنا عنه ، غير الخبرة والتجارب ، وغير الارتكاز على الماضي والانعطاف نحو المستقبل .
لعل اول من استفاض في دراسة موضوعنا هذا هو افلاطون فقد خرج بنتيجة مفادها ان الابداع ( الفني) ضرب من الالهام او الجنون الإلهي ،
((وعلى هذا جاء الذين بعده ، من المتأثرين بمدرسته ، وراوا فيه الهاماً و سحرا واعجازا وقدرة غير عادية اختص بها اشخاص يتميزون بالاحساس المرهف والحدس اللماح والبصيرة الحادة والادراك النفاذ)) ..
لقد نظر أصحاب هذا الرأي ان في الابداع شيئاً من الانفصال وقوة خارجة ( عليا فائقة للطبيعة ) ليست من مكونات العقل عند ذوي الالهام والابداع ، وان المُلهم فيه لا يعدو ان يصير(( واسطة وأداة ، فهو حينئذ لسان حال القوة الفائقة هذه )) . وبلغ بهم الحال لان يُعلوا من النزعة الذاهبة الى الإعراض عن المنبهات الاتية من المحيط وما يستتبعها من الضغوط المؤثرة على صفاء الذهن وانشراح النفس ، والاستغراق في التركيز على الداخل ، والاصغاء الى خطرات النفس الاتية من الأعماق ، بل الاصغاء الى همسات الوحي الآتي من ربات الالهام .. حتى ذهب الحال ببعضهم الى تناول العقاقير المهلوسة والمخدرات ، لعلّهم يحظون بلحظات من النشوة والوجد وجيشان الالفاظ والمعاني والخواطر المتواردة على عجل

 

تم التحديث فى ( الخميس, 30 أكتوبر 2014 12:16 )  
حديث أقلام2014 عام التضامن مع الشعب الفلسطيني

هيئة التحرير

article thumbnailبقلم عطاء الله مهاجراني أعلنت الأمم المتحدة عام 2014 «عام التضامن مع الشعب الفلسطيني». وقد اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة القرار...
اقرأ المزيد

القلم السياسيتشارلى ومعنى القيم

محمد عادل

article thumbnail  أعلم أن الحديث عن حادث جريدة تشارلى فى إهانة مشاعر المسلمين قد يكون متأخرا...
اقرأ المزيد

القلم الفكريمدخل تأسيسي لقضايا الهوية و التحيز اللغوي

مراد ليمام

article thumbnail مدخل تأسيسي لقضايا الهوية و التحيز...
اقرأ المزيد

القلم النقديالنقد الأدبي ضمن مشروع الدراسات الثقافية

مراد ليمام

article thumbnailالنقد الأدبي ضمن مشروع الدراسات الثقافية ذ . مراد ليمام ٳن الأهمية المعرفية...
اقرأ المزيد

القلم الدينيبين د.عدنان إبراهيم وهيئة كبار العلماء

نبيل عمر ينسي

article thumbnailفي سنة 1447 يقوم المخترع الألماني يوهان غوتنبرغ بتطوير قوالب الحروف التي توضع بجوار...
اقرأ المزيد

القلم العلمياللغة العربية لغة عالمية

اللغة العربية لغة عالمية

article thumbnailاللغة العربية لغة عالمية مراد ليمام لعل البحث عن المقومات و الثوابت المعبرة عن...
اقرأ المزيد

القلم الاقتصاديلكي تُسهم الثّقافة في النُّمو الإقتصادي

عبد الجبار جبور

article thumbnailحينما ترد كلمة ثقافة٬ يتبادر إلى أذهاننا مجموعة من التّصوّرات النّمطية عن...
اقرأ المزيد

مقالات متنوعةأفضل من لا شيء

مراد ليمام

article thumbnail  أفضل من لا...
اقرأ المزيد

الشعر الفصيحقصيدة أصوات

ابراهيم مصطفى

article thumbnail أصوات   **************   منكوبةٌ بزمانِها...
اقرأ المزيد

القصة والروايةوقفة انتظار

عبد الصادق السراوي

article thumbnail   عبد  الصادق السراوي/ المغرب     وقفة...
اقرأ المزيد

خواطر ونثركلمات على جدار وطن

نضال عبارة

article thumbnail  جميل الكلامِ ما لا يُقال فإن قيلَ تاهَ الجمالُ عشقتُ الوطن و كان...
اقرأ المزيد

مسرح ومسرحيونتفاعلات الاجتماعي و النفسي في مثقف عبد الكريم برشيد انطلاقا من مسرحية (ابن الرومي في مدن الصفيح)

مراد ليمام

article thumbnailتفاعلات الاجتماعي و النفسي في مثقف عبد الكريم برشيد انطلاقا من مسرحية...
اقرأ المزيد

الفن التشكيلي

بحوث و دراساتالتلازم الوثيق بين الأدب و اللسانيات : الشعريات البنيوية

مراد ليمام

article thumbnailالتلازم الوثيق بين الأدب و اللسانيات : الشعريات البنيوية ذ. مراد...
اقرأ المزيد

 

نشرة أقلام البريدية

نرحب بانضمامك إلى نخبة المبدعين عبر مجموعتنا البريدية

اشترك الآن
البريد الإلكتروني:

استفتاء أقلامي

هل تعتقد أن الهجرة من الدول العربية والعمل بالخارج حلما ترغب بتحقيقه
 

ابحث في أقلام

 
جميع الحقوق والنسخ محفوظة © 2017 مجلة أقلام الثقافية.
جميع المواضيع والتعليقات المنشورة في أقلام تعبر عن آراء أصحابها فقط

 

يوجد حاليا 123 زوار  في مجلة أقلام