قراءة في كتاب أمي...أبي... نحن متهمون لعلي شريعتي

"أمي...أبي... نحن متهمون" عنوان كتاب لعلي شريعتي, ذلك  المفكر الإيراني, الذي ولد سنة 1933م, وقُتل سنة 1977م, بسبب آرائه التي كان ينشرها في كتبه وفي حسينية الإرشاد التي أسسها سنة 1966 لتربية الشباب, والتي لم تلبث سلطات الشاه أن أغلقتها سنة 1973م, وأعتقلته عاماً ونصف ليخرج بعدها إلى لندن وتقوم مخابرات الشاه باغتياله هناك.

 

هذا الكتاب يشبه كتب شريعتي الأخرى, والتي اشتهر منها بشكل كبير كتاب "النباهة والاستحمار" وكتب أخرى كثيرة ككتاب "الحج" و "الدعاء" و"الشهادة" وغيرها.

هذه الكتب التي جعلها وسيلة لبث فكرة مقاومة الخطأ, والإيمان بالإمكانات الكامنة في الشعب, تلك الإمكانات التي لن تظهر ما لم يحفزها الوعي والفهم الصحيح للدين ولمفاهيمه الفاعلة.

 

يقع كتاب "أمي...أبي.. نحن متهمون" في 192 صفحة , منها 35 صفحة تقديم للكتاب من المترجم إبراهيم دسوقي شتا وهو دكتور مصري. والكتاب  محاضرة  ألقاها علي شريعتي في حسينية الإرشاد, وفيها يبين شريعتي حيرة الشباب المسلم, وشكوكه حول الدين, وما يُقدّم لهم حول الشفاعة والميعاد والحج والصلاة والصيام .....إلخ من قواعد الدين, بطريقة مضحكة مفرّغة من معانيها, حتى نبذها الشباب وسخروا منها, وتغرّبوا في تفكيرهم, فقبلوا آراء المفكرين الغربيين لأنها كانت أقرب للمنطق والحجة.

 

شريعتي وهو إذ يعرض شكوك الشباب فإنه يعرضها بصورة واعية صريحة فمن ذلك مثلاً قوله:

" أبي أمي...إن صلاتكما نوع من الرياضة التكرارية لا أثر فيها للأخلاق أو لتصحيح النية أو صحة العمل, بل ولا نتيجة لها, فأنتما تقومان بها صباحاً وظهراً وليلاً, لكن لا تفهمان معاني ألفاظها وأركانها, ولا تفهمان فلسفتها الحقيقية وهدفها الأساسي, إنني أعرف تمريناً سويدياً أكثر علمية من حركاتكما الرياضية , إنه ينظم شكل ساعدي وقوامي ودورتي الدموية وتنفسي بل وحالتي الهضم عندي, وأكرره كل صباح مع أشعار وهتافات جميلة وواضحة وموزونة تصحبها موسيقى جميلة تؤثّر بعمق في وجداني وأفكاري, وبعد عشر سنوات من ممارسة هذه التجارب السويدية وممارستكما الصلاة أصبحت أنا إنساناً جميل القوام ورياضياً ونشطاً وسليم الجسد , لكن واحدكما مهدّم متداع...أحواله لا تسر.. لو أمسك أحد بأنفك لطلعت روحك....وهذه هي نتيجة كل عملك وصلاتك: إن ظهرك تقوّس وعلا القشف جبهتك الصافية والفرق بيني أنا غير المصلي وبينك أنت المصلي إنني لا أملك علامتي التقوى هاتين" (أمي...أبي...نحن متهمون)

 

وهكذا يمضي شريعتي في عرضه لشكوك الشباب حول تعاليم الدين وأصوله, ثم يبدأ شريعتي بتوضيح المعاني الحقيقة لهذه التعاليم. هو لا يشرح بالتفصيل لكنه يتحدث عن روح الإسلام وفكرته ونظامه, وقد قدّم آراء وملاحظات على غاية كبيرة من الدقة, يقول مثلاً مفرّقاً بين المفكر العلماني وبين العامي: " مائة سنة وأكثر وقد صار العوام في أسر الخرافة والعقائد التي مسخت وهم يؤمنون بها ويعملون بها, أو يرسخون أكثر في جهلهم وجمودهم ويصبحون أكثر غرقاً... والمفكرون يتحدثون مع أنفسهم بعيداً عن الناس وفي أبراجهم وقلاعهم المغلقة ......يتحدثون مع أنفسهم ويضحكون من جهل العوام...... وقلوبهم راضية وهم راضون عن أنفسهم..........لكن كل ما يتحدثون به إلى أنفسهم هو مجرد أوهام وتقييم متسرع وقياس مع الفارق ومفكرونا فقط هم الذين يحسون أنهم لا يفتأون يفكرون وإلا فإنهم لم يوضحوا أي شيء للناس والسبب هو أن الأمر ليس واضحاً لهم هم أنفسهم, إنهم تماماً كالعوام في تلقيهم للقضايا العقائدية والتقليدية والدينية لمجتمعهم وتاريخهم وثقافتهم". (أمي...أبي.. نحن متهمون)

 

تكمن أهمية أفكار المفكر الإيراني علي شريعتي في كونها كانت تهدف لتصحيح المفاهيم ونشر الوعي بين الشباب, مع إيمانه الكبير بحس الشعب الفطري السليم. شريعتي كان يؤمن بأن الشعب يجب أن يؤمن بنفسه, ويثق بإمكاناته ولا يستحقر ذاته, لأن ما عنده هو أغلى من المعرفة والعلم الذي يفخر به أصحابه, إن ما عنده هو فطرة سليمة تدله على الخير والحق