معاني الجاهلية من خلال القرآن الكريم

وردت لفظة "الجاهلية" في القرآن الكريم أربع مرات في أربع آيات تحيط بمفهومها وتجليه، جامعة وشاملة لمعانيها.

- الأولى: في قوله تعالى: ) وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ( (آل عمران: من الآية154).

- الثانية: في قوله عز من قائل: )أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ( (المائدة:50).

- الثالثة: في قوله جلت عظمته: )

وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى( (الأحزاب: من الآية33).

- الأخيرة: )إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ( (الفتح: من الآية26).

إذاً فللجاهلية أربع خصائص وردت في الآيات السابقة:

 

-الخصِّيصَة الأولى: "ظن الجاهلية": فراغ في العقيدة، وفقدان الثقة بالله جل وعلا، وجنوح عن الحق، وغيرها من الأدواء.

فعن أنس بن مالك  tأن أبا طلحة t قال: "غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر، قال أبو طلحة: فكنت فيمن غشيه النعاس يومئذ ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه، والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم، وأخذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية أهل شك وريبة في أمر الله"(رواه ابن حبان في صحيحه).

- الخصيصة الثانية: "حكم الجاهلية": الاستبداد والطغيان والظلم والسَّفاء والطيش والتهور، والحكم بغير ما أنزل الله، والعض والجبر وبيع الذمم، وشراء الضمائر، وسيادة دين الانقياد، وبيعة الإكراه، وجثم أبناء الدنيا على صدر الأمة ...

 

- الخصيصة الثالثة: "تبرج الجاهلية": فالخصائص السابقة جاءت في صيغة الاستنكار. أما الخصيصة الثالثة "تبرج الجاهلية" فجاءت بنهي مباشر وخطاب مباشر، وهنا إشارة واضحة، إلى مكانة النساء ومَهمتهن في إصلاح المجتمع، فصلاح النساء هو القاعدة الأولى في بناء المجتمع الصالح، وهو المنطلق الضروري لاعتقال الجاهلية وسد منابعها وخنقها والقضاء عليها في مهدها.

أما تبرج الجاهلية فقد حذر منه الصادق الأمين r:فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا؛ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ([1]) الْبُخْتِ([2]) الْمَائِلَةِ([3])، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (رواه الإمام مسلم).

 

- الخصيصة الأخيرة: "حمية الجاهلية" (أم الفتن)، النُّعَرَة القبلية، والعصبية، والعنف، والقومية، والتمالؤُ على الباطل، وهي فتنة عظيمة. ولهذا حذرنا منها من لا ينطق عن الهوى: فعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: « مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» (رواه الإمام مسلم).

 

وخلاصة المرام في تحقيق المقام: فهذه زورة خاطفة ونظرة موجزة حول معاني الجاهلية في القرآن الكريم والسنة النبوية. أوردتها هنا لنقطع صلتنا بها، ونربط صلتنا بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وكتابه المبين؛ تلاوة وحفظا واستماعا وتدبرا وتطبيقا، ونقتدي بسنة نبيه الكريم سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين  ونتعلق بشخصه الكريم r في كل صغيرة وكبيرة وصدق الله القائل في محكم التنزيل:{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(سورة الأعراف: 158).


 


 ([1]) أَسْنِمَة: مفردها سَنامُ؛ وسنام البعير والناقة أَعلى ظهرها.

 ([2]) سورة البخت: واحدتها البختية، وهي الناقة طويلة العنق ذات السنامين.

 ([3]) شَبَّه النبي r رؤُوسهنَّ بأَسْنِمة البُخْت لكثرة ما وَصَلْنَ به شُعورَهنَّ حتى صار عليها من ذلك ما يُحَرِّكها خُيلاءً وإعجابا بالنفس واستجابة للمطامح والأهواء.

 

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

تسجيل الدخول

إصدار شعري

بحث متقدم