جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

معنى جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ معناه ومضمونه الذود عن الشريعة الغراء، والسهر على إقامة حدود الله تعالى، وتثبيت أركان الدين في نفوس الناس، والمراقبة الشديدة على تطبيق الشريعة.

قال الحق جل وعلا في جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾([1]). والمعروف كما جاء في الآية الكريمة

هو: "اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة"([2])، والمنكر  هو: "كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة"([3]).وقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾([4]).

ولهذا فإن واجب جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه يوم تكون للإسلام دولة وكيان سهر أولي الأمر من المؤمنين على الشؤون العامة في مختلف مجالات الحياة، وإفساح المجال للمسلمين والمسلمات، بل تربيتهم ليسهموا في السهر العام بمشاركتهم اليقظة.

وعلاوة على ذلك، فإن "الهدف الرئيس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتثاث الحكم الفاسد وتقويض دعائمه شرطا كل الشروط، وإلا استحال هذا الواجب المقدس لعبة في يد السلطان الجائر وسهما مصوبا إلى من ينافسه ويضايقه. ثم الأهداف بعد ذلك هي المحافظة على سلامة نظام الحكم، وحماية حوزته، وتزويد جَذْوته بالجُهد الصادق لكيلا يفتر نشاطُه وتنطفئ شُعلته. ثم محاصرة بؤر الفساد ومنابع الشر، مؤسسات وأفراداً لدحض الفساد وإخماد المنكر وتخميله وتنويمه والحد من شره. ثم حركة موازية مزامنة لإبطال الباطل وهدِّ المنكر، الجهاد الإيجابي لإحقاق الحق، هو المعروفُ حسنُه بالعقل والشرع، بل بالشرع والعقل. والمعروف هو العدل والبر والمجتمع الأخوي وإنصاف المحرومين وإغاثة الملهوفين ورفع المستضعفين إلى المرتبة الإيمانية المكرمة التي يستحقون بها منة الله بالاستخلاف في الأرض والسيادة فيها"([5]).

هكذا يمكن القول أن جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضرورات الحياة على مستوى الدولة والأمة. ولهذا كان هذا الباب من أبواب الجهاد "سواء نفذته الدولة وأجهزتها المختلفة، أو النخبة متمثلة بالفقهاء والدعاة والمعلمين، أو الأمة نفسها من خلال شرائحها الاجتماعية المختلفة، كانت هذه الممارسة التي طالما أكد عليها كتاب الله وسنة رسوله r تضع المجتمع المسلم في حالة الالتزام الضرورية بمطالب هذا الدين، الأمر الذي يمنح هذا المجتمع الحماية من التفكك والتسبب، ويدفع إلى المزيد من الجهد والإحسان مما هو ضروري لكل فاعلية حضارية"([6]).

وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السمة الكبرى لأمة الخيرية الشاهدة على الأمم، كما قال الله عز اسمه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ([7]).

ومن الأهمية بما كان أن نختم هذا الباب من أبواب الجهاد بالقول: أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء؛ حفظ النسل أو العرض؛ والنسل اليوم أصبح بغياب الشريعة الإسلامية نسلا غثائيا، نسلا يعد بالجرائم نسلا يعد بالبؤس نسلا يعد بالفوضى التي لا تخدم الإسلام، لما فشا التبرج والزنا، أصبح حفظ النسل الذي هو من أنبل وأشرف مقاصد مستحيلا بكثرة اللقطاء وأبناء الزنا، ولا يمكن إصلاح هذا إلا بتحكيم شريعة الإسلام  في كل جزئية وكلية، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يتوب الناس ويرجعوا إلى ربهم.

أضف إلى ذلك أن الأعراض قضى عليها الجبارون المستكبرون؛ ولهذا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحرير تلك الرقاب المستضعفة من يد المستكبرين.


 


 ([1]) سورة التوبة:71.

 ([2]) تفسير السعدي، ص343.

 ([3]) تفسير السعدي، ص343.

 ([4]) سورة الحج:41.

 ([5]) الإحسان، الإمام عبد السلام ياسين، 2/147-148.

 ([6]) مدخل لدراسة الحضارة الإسلامية، عماد الدين خليل، ص154-154.

 ([7]) سورة آل عمران: من الآية110.