التكافل المعاشي داخل الأسرة في الإسلام/

 

 يقول الباري جل وعلا: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ( (التحريم:6).

أكدت الشريعة الإسلامية السمحة على التكافل بين أفراد الأسرة وجعلته الرباط المحكم الذي يحفظ الأسرة من

التفكك والانهيار.

ويبدأ هذا التكافل من الزوجين بتحمل المسؤولية المشتركة في القيام بواجبات الأسرة ومتطلباتها ؛ كل بحسب وظيفته الفطرية التي فطره الله عليها، فالرجل وظيفته القوامة، والمرأة وظيفتها الحافظية، وبالتعاون بين الزوجين أو بين القوامة والحافظية يتحقق التكامل والاستقرار داخل الأسرة،  يقول الله جل شأنه:)الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً( (النساء:34).

 ويقول الله تبارك وتعالى: )وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (البقرة: من الآية228).

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ rيَقُولُ:p كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهi.([1])

يأتي تقسيم المهام وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة المسلمة –كما تتبين لنا وظيفة المرأة والرجل من خلال الحديث السابق-  بين الرجل والمرأة بما يضمن قيام الأسس المادية والمعنوية التي تقوم عليها الأسرة، وبما يضمن السعادة الأبدية لأفرادها.

والأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوجين فكلما وجد أحدهما في الآخر تقاعسا أو تقصيرا نبهه وأرشده إلى الخير ورغبه فيه،  قال الله سبحانه وتعالى:) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (التوبة:71).

وقال عز من قائل: )وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (الروم:21).

يقول الإمام عبد السلام ياسين عليه الرضوان: "بالمودة والرحمة الحميمين يتميز الزواج المطابِق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة. وبهما لا بمجرد العَقْد القانوني يحصل الاستقرار في البيت، وبالاستقرار في البيت يشيع الاستقرار في المجتمع.الاستقرار أصْلُه ومثواه الزوج المؤمنة الصالحة الناظرة إلى مثال الكمال في خطاب الله عز وجل لنساء نبيه: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُو، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } (الأحزاب:32-33).

 لستن كأحد من النساء إن اتقيتن.فلا تخضعن بالقول فيطمَعَ الذي في قلبه مرض. وقلن قولا معروفا. وقَرْنَ في بيوتكن. ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى. وأقِمن الصلاة وآتين الزكاة. وأطعن الله ورسوله".

أصل الاستقرار ومثواه ومِرْساتُه الزوج الصالحة المنخرطة في سياق الاستقرار.فعل الأمر "قَرْنَ" يحمل معاني الوَقار والقرار،ومعانيَ الحياء والحشمة، ومعاني الثبات والوفاء. إذا لَم تجْرِ في قنوات المجتمع هذه المعاني منبعثة من كل بيت، متغذية من منابع القلوب الطاهرة الراضية بنصيبها من الحياة الدنيا ومتاعها وزينتها، فالمجتمعُ ساحة مفتوحة للنهب، أولُ منهوب فيها مظلوم المرأة العانس، أو المرأة المعتقلة في زواج فاشل رديء.

نحتفظ بالرباط الفطري القلبي الذي هو روح الزوجية: المودة والرحمة المتبادلين ينشأ عنهما الاستقرار والوقار. والمرأة فاعلة في هذا مُجلِّيَةٌ فيه مُقدَّمةٌ. من لطافة عواطِفِها تشتقُّ الرحمة بين الناس. مَنْ مِثْلُها يبَرّ الوالـدين، ويصلُ الرحِمَ، ويحفظ حق الزوج، ويصبر للأطفال، ويرعى حرمة الجوار، ويعطِف على المحتاج، ويكفُل اليتيم، ويُطبب المريض، ويحسن إلى الضعيف؟ فإن كانت المرأة محرومة من دواعي السَّكَن في بيتها، وكانت مشردة لا بيت لها ولا زوج، أو كانت تتقاذفُها رياحُ البهرجة في مجتمع الإباحية فما من قانون يعوضها عن فقْدها العاطفي، ما من ثروة تقوم لها مقام السعادة الزوجية".([2])

لقد أرسى الإسلام قواعد متينة لتحقيق التكافل الأسري منها :

 

أ : حفظ الحقوق بين الزوجين:

يقول الله جلا في علاه: )وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً( (النساء: من الآية19)، ويقول جل وعلا: )وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ( (البقرة: من الآية228).

عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: pخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُi. ([3])

لا ريب أن الحياة الزوجية الصحيحة هي التي تقوم على المعاشرة الحسنة والأخلاق الحميدة، والمحبة الدائمة والحوار النافع والإيثار والتراحم.

   والمعروف هو ما تعرفه الفطر السليمة والعقول الرشيدة، ويتعاون أهل الفضل والخير من الناس بحيث يعرفونه ولا ينكرونه ، إن العشرة بالمعروف هي المظلة والمنهج الذي تسير عليه الحياة الزوجية، سواء عند اداء الواجبات والمطالبة بالحقوق، أو كمنهج تسير على هديه الحياة داخل البيت.([4])

فالزوج والزوجة هما سبيلا نجاح الأسرة والمجتمع، إذا تفاهما وتعاونا وتحابا صلحت الأسرة وإذا تنافرا وتنازعا وتشاجرا فسدت الأسرة والمجتمع، وهذا التنازع والخصام هو الذي يسعى إبليس اللعين لتحقيقه لتنفرم تلك العقد ويتفكك ذاك الميثاق الغليظ، ولذلك فإن "مُنية كل شيطان من شياطين الإنس والجن أن تنكسر الأسرة، ويضيع الأولاد ويتمزقوا.

الآن يحصل هذا الضياع وهذا التمزق من جهتين: من جهة تفكك الأسرة الآخذ في التفشي، ومن جهة هيمان هذه الأعداد الغثائية من الأطفال والشباب بلا مرب ولا مراقب ([5]).

ولذلك لتصلح هذه الأسرة يجب أن يحسن كل من الزوجين معاملة الآخر، لأن حسن المعاملة وصية دينية يجب أن تطبع الحياة الزوجية في كل مجال. والشرع يوصي بها لما فيها من المنافع الإيجابية التي تعطي للبيت جلالا واستقرارا وعلى قدر حسن المعاملة ترفرف السعادة على البيت وتنشر أجنحتها على أعضائها ([6]).

لكننا في جل الأسر اليوم نرى غياب ذلك التفاهم وتلك المعاملة الحسنة وذلك الجو السعيد. ونلاحظ  شبه عداء بين الرجل والمرأة كأن كلا منهما ضحية الطرف الآخر في الوجود، وليس ذلك من المعقول فالرجل والمرأة عنصران متكاملان لا تسعد البشرية إلا إذا كان كل طرف منهما يحس بضرورة وجود الآخر وبضرورة احترامه، أما إذا أصبحت العلاقة بينهما داخلة في إطار الظالم والمظلوم والحاكم والمحكوم والمستبد والمقهور وأصبحت تدعو إلى مؤتمرات لتصنف هذه من ذاك أو هذا من تلك أو لتزيح طغيان الرجل عن المرأة أو طغيان المرأة عن الرجل فإن الحياة حينئذ تصير مكفهرة قاتمة تفقد الأمن والاطمئنان والاستقرار وتتحكم فيها أنواع المخاوف والقلق والاضطراب وتسود الأسرة حينئذ تفككات تؤدي إلى ضياع التماسك وإلى انحلال العلاقات وتفسخها ويصير الزوج متبرما من زوجته والزوجة متبرمة من زوجها ويتقمص الأبناء هذا التبرم الذي يؤدي إلى التشاؤم والحقد، والذي يخلق العوائق الحاجزة بين التكوين السليم وبين نفوس الأطفال وحينئذ تضيع الأمة في أطفالها وتنتشر أنواع الانحراف والفوضى فيعم العنف وتكثر الجرائم وتتلاشى مظاهر الأخلاق الفاضلة ويؤدي المجتمع بدوره ضريبة هذه الأخطاء فيعيش فاقدا للأمن خائفا على المصير"([7]).

وما دام الأمر كذلك فلماذا لا يتعاون الزوج والزوجة ليجنبا قافلة الأسرة الفوضى والتفكك والانحراف، ويحسن كل واحد منهما معاشرة الآخر

 ويعتبر هذا الحق -المعاشرة بالمعروف- حقا ثابتا للمرأة تطالب به متى حرمت منه، قال الله  تعالى: }وعاشروهن بالمعروف {فهي وصية إلهية للرجال بحسن معاشرة أزواجهم والرفق بهن وخصوصا في حالات الغضب، فالرجل إذا كره من زوجته شيئا أحب منها شيئا آخر، فإذا أتت الزوجة بذنب واحد فإن خصالها الحميدة تأتي بألف شفيع.

 ولذلك وجب على الزوج أن يعامل زوجته بالمعروف ويحسن عشرتها ويقوم بنفقتها وهي تشمل الطعام والكسوة والسكنى ([8]). كما يجب عليه أن يصبر على زوجته إذا رأى منها بعض ما لا يعجبه من تصرفها، ويعرف لها ضعفها بوصفها أنثى، فوق نقصها كإنسان، ويعرف لها حسناتها بجانب أخطائها، ومزاياها إلى جوار عيوبها... ([9]).

 ولنا في سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد r أسوة حسنة في معاشرته لأهله، يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله يحكي لنا سيرة الحبيب المصطفى r مع أزواجه: وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة، وحسن الخلق. وكان يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه، فوضع فمه موضع فمها وشرب، وكان إذا لعقت عرقا – وهو العظم الذي عليه لحم- أخذه فوضع فمه في موضع فمها، وكان يتكئ في حجرها، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها، وربما كانت حائضا، وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكنها من اللعب، ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبيه تنظر، وسابقها في السفر على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة... ([10]).

هكذا كان r مع أهله، كان قرآنا يمشي، كان رحمة لأهله وللعالمين، كانت أخلاقه عظيمة وصدق ربنا تبارك وتعالى حيث يقول في حبيبه صلى الله عليه وسلم: }وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ{ (القلم:4) ، فمثاليته الأخلاقية، جعلت لنا فيه الأسوة المثلى، وألزمتنا بطاعته التي أمرنا بها الله ([11])، وما ذكرناه من معاملته r لمحة فقط اقتبسناها من سيرته العطرة وأخلاقه الكريمة ومعاشرته الحسنة، ومن أراد الفوز بالجنة والنجاة من النار والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة فليرجع إلى ذلك النبع الصافي والنور الهادي والمقام العالي ليستنير بتوجيهاته r  سيرته وحياته ومعاملته مع أهل بيته.

ب : الزوجة الصالحة والزوج الصالح :

عن أنس بن مالك t يقول : سمعت النبيr يقول : pمن تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا،ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يتزوجها إلا ليغض بصره أو ليحصن فرجه، أو يصل رحمه بارك الله له فيها، وبارك لها فيهi.([12])

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ  tعَنِ النَّبِىِّ r قَالَ: p تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَi.([13])

إن الأسرة هي المحضن الأول للطفل، فإذا الزوجة والزوج صالحين  نشأ الطفل تنشئة صالحة، لذلك وجب من البداية وقبل البناء اختيار الأم الصالحة ذات الأخلاق الحسنة والأب الصالح  ذو الأخلاق الحسنة للطفل.  

يقول الإمام عبد السلام ياسين في الصفات التي يجب توفرها في كلا الخاطبين: "الخلق عماد ثان في شخصية المؤمن والمؤمنة.وأحاديث المصطفىr تدل على أنه قد يكون في الرجل والمرأة بعض تدين، لكن نقصه في ميزان الأخلاق والمروءة لا يؤهله لصلاحية الحفاظ على الفطرة إنجابا وتربية، ومن أجل تحقيق هذين الهدفين شُرع الزواج بالجامع بين الدين والخلق والجامعة بينهما.

دين بلا كرم، هذا لا يصح. عقل بلا مروءة هذا لا ينفق. دعوى بلا الحسب دون خلق لا تُقبل".([14])   

ت: الإنفاق على الأسرة :

يقول الله تبارك وتعالى: )لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً( (الطلاق:7).

إن المال قوام الحياة المادية، والرجل مسؤول عن زوجته  وجب عليه أن ينفق عليها ويضمن لها استمرار حياتها، بل إن الإسلام قد أوجب النفقة للزوجة على الزوج حتى لو كانت مطلقة فإن النفقة والسكن واجبة عليه طول فترة العدة : )أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى( (الطلاق:6).

فالزوجة والأبناء بحاجة إلى هذه النفقة لأنهم بها تستمر حياتهم وهي قوام نيتهم، وذلك أن الإنسان لا يستطيع البقاء بدون نفقة يقوم بها صلبه، ولا يستطيع مخالطة الآخرين ومسايرة المجتمع دون كسوة ستر بها عورته، ولا يستطيع العيش دون مسكن يأويه ويقيه حر الشمس ولهيبها وشدة البرد وزمهريره، ولذلك كانت سنة في بني البشر أن يبحث له عن مسكن وكسوة ونفقة، واقتضت سنة الله في الخلق أن يجعل لكل مخلوق ما يناسبه في هذه الحياة فجعل في الرجال الجلد والقوة والشدة والصبر على تحمل المشاق في سبيل اكتساب الرزق واستحصاله، وألزمهم المسكن لهم ولمن يعولونهم من النساء والذرية وكسوتهم ورزقهم، وكانت هذه لهم مزية على النساء.([15])

ث : تربية الأبناء ورعايتهم :

 يقول ربنا تبارك وتعالى: )وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( (البقرة:233).

عن أبي هُرَيْرَةَ t قَالَ النَّبِىُّ r : pمَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَi. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ t : {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}  الآيَةَ. ([16])

عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:r  p مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِع... i. ([17])

لقد أكدت الشريعة الإسلامية الغراء حق الأبناء الصغار في التربية والرعاية والحماية وجعلت ذلك أهم واجبات الأبوين،  ليكون الأبناء  غرسا مباركا ومسجدا أُسسوا عل التقوى من أول يوم،  فلم تكتف الشريعة السمحة بالدافع الفطري لقيام الأبوين بواجبهما نحو أبنائهما، بل عززت ذلك بقواعد محددة تضمن للأولاد النشوء في صورة مثلى تكفل لهم حقوقهم كاملة . فمنذ الولادة نص على استكمال الرضاعة كما سبق في الآية التي ذكرتها في مستهل هذه القاعدة من قواعد التكافل الأسري.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: p مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ i. وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. ([18])

وعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: p مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ بَنَاتٍ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ أَخَوَاتٍ حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ i. وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. ([19])


 


[1]- رواه الأئمة: البخاري في صحيحه باب الجمعة في القرى والبوادي، ومسلم في صحيحه باب فضيلة الإمام العادل، والترمذي في سننه باب ما جاء في الإمام العادل، وأحمد في مسنده مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

[2]- العدل، ص268.

[3]- رواه الأئمة: الترمذي في سننه  باب أزواج النبي r، وابن ماجه في سننه باب معاشرة النساء، والدارمي في سننه باب في حسن معاشرة النساء.

 ([4]) – الأستاذ أكرم رضا، بالمعروف، سلسلة بيوتنا وإدارة الذات، ج2، ص00-11

 ([5])- سنة الله، الإمام عبد السلام ياسين، ص 275.

 ([6])– مقال بعنوان: " انعدام الجو التربوي في الأسرة وأثره في انحراف الأحداث" للأستاذ محمد بن عبد العزيز الدباغ، المنشور بمجلة دعوة الحق الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، العدد 10، ص: 60.

 ([7])-المرجع نفسه، ص: 59.

 ([8])-الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية على مذهب الإمام أبي حنيفة، التحقيق: لجنة التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ص: 51.

 ([9])–الحلال والحرام في الإسلام، الدكتور العلامة يوسف القرضاوي، تخريج المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ص: 197.

 ([10])-زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، 1: 57-58.

 ([11])- في موكب السيرة النبوية أو في بيوتات الرسول r، الشيخ العلامة محمد المختار والد اباه الشنقيطي، ، ص 13.

 ([12])– المعجم الأوسط للإمام الطبراني، باب من اسمه إبراهيم.

 ([13])– رواه الإمامان: البخاري في صحيحه باب الأكفاء في الدين، ومسلم في صحيحه باب استحباب نكاح ذات الدين.  

 ([14])– سنة الله، ص280.  

 ([15])- حقوق المرأة في الزواج فقه مقارن، الشيخ محمد بن عمر عتين،ص: 175.

 ([16])– رواه الأئمة: البخاري في صحيحه باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، مسلم في صحيحه باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، الترمذي في سننه باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة، أحمد في مسنده باب مسند أبي هريرة رضي الله عنه.

 ([17])– سنن الإمام الدارقطني باب الصلاة. مسند الإمام أحمد مسند عبد الله بن عمرو، البيهقي في سننه باب عورة الرجل.

 ([18])– سنن الإمام مسلم في صحيحه، باب فضل الإحسان إلى البنات.

 ([19])– رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه، والإمام البخاري في الأدب المفرد باب ما عال ثلاث أخوات.