قراءة في قصيدة " عصفور في قفص الاتهام " للشاعر عبد المنعم الموسوي :

 يمثل الشاعر عبد المنعم الموسوي نموذجا متألقا للشاعر العراقي في المنفى ( يقيم في ألمانيا ) ، فقصائده مضمخة بعبير الأرض العراقية السليبة ، نتنسم ثراها، ونحبو على أرضها ، ونأكل من تمر نخيلها ، ونصرخ لما أصابها ، إن كلماته مكتوبة بالدم، أو هو يكتبها بدماء قلبه ، عوضا – منه – عن الدفاع عن الوطن المحتل الممزق السليب .    وفي هذا القراءة نقدم جانبا شديد التوهج من تجربة الموسوي ، وتؤكد أن المحنة تصنع الإبداع لدى البعض ، مثلما هي تقتله لدى البعض الآخر . ولنقدم أولا النص الشعري ثم نعقبه بالقراءة النقدية : عصفورٌ في قفص الإتّهام

كظلٍّ من ورائي دون َأقدامٍ يسيرُ
وخمرةٌ غرقى نداماها بشطان النبيذِ
وحِبرُ فاكهة القوافي أينعتْ
من روضةِ الكَبَدِ
وتمثالٌ تربَّعَ في الرِداءِ بلا رداءٍ
طاف تأريخاً كفيفاً دون أن يدري
توسَّدَ هُدبَهُ ثم انحنى
ما من جديدٍ من فم الأنباءِ يحملها غدي


في ذاتِهِ سِكَكٌ هذا الذي
تمشي عليهِ فراگينُ *القطارْ
مذ كان هذا النفي تابوتاً يُشَيِّعُهُ النهارْ
معاذ الله ماطَّيَّرتُ وطرتُ وراءَ مَن طاروا
ومذ سَلَفاً عرفتُ الخُبزَ اثرتُ العُشوشَ منازلي
إلاّ أنا فيها
وأحلامي وانيتي وثلج المَوقِدِ

أوَ كلما فتّشتُ في حِكَمِ النجومِ
وفي مساحيق النساءِ التائباتِ
وهنَّ يغسلنَ البكاءَ
ويبتعنَ التوابلَ من دمي
ماكنتُ إلاّ ضحكة في غابةِ النخلِ المُعَبّئِ بالصفيرِ
نواجِذ التينِ المُوَسوِس للغديرِ
ونكهة التبن المذهَّبِ بالقروطِ
وكنتُ ما جادَتْ بهِ
حِلَمُ السَحابِ جرادةٌ حمقى سَجَت في معبدِ

سأروحُ أغرُبُ في الظلالِ
كغَيثَةٍ صفراءَ كتَّفَها الزوالْ
لا لن أظُنَ ..
من الوريدِ إلى الوريدِ
مُشَرَّباً هذا الأُفولْ
أنا لم أقُل ياسيدي حرفاً
وإن هوَّمتُ في الرؤيا سأكتمُ ما أقولْ
وما تفيئُ به الرياحُ السائبات على الأصيلِِ
كفاكَ يا شادي السكونِ تشيكَ أحلامُ الصغارِ الراقدونَ بلا عشاءْعبد المنعم جابر الموسوي
20.2.2008

 القراءة النقدية :    في هذا النص نجد عجبا ، فأجواء النص آلام دامية ، وسيرورة الشجن ، وسرمدية الحزن ، وفقدان الغد ، والشك في التأريخ والتاريخ والبشر .    يمكن أن يكون السطر الأخير مفتاحا لفهم النص ، ومنطلقا أوليا لقراءة النص في ضوئه، إذا عدنا لقراءة النص في ضوء دلالات هذا السطر ، يقول الموسوي :                    " كفاكَ يا شادي السكونِ تشيكَ أحلامُ الصغارِ الراقدونَ بلا عشاءْ "      فقد اختار أشد اللوحات إنسانية وقتامة في المشهد العراقي الراهن ، لوحة الأطفال الجوعي ، النائمين بلا عشاء ، وسط سكون الليل البهيم ، في إدانة للواقع المأساوي ، والعراق بلد اكتملت لديه مقومات الحضارة والنهضة والرفاه : الماء العذب ، الأرض السمراء ، المعادن ، البشر من علماء ومبدعين وطاقة عاملة ، وتاريخ عظيم ، وتنوع ثقافي وديني كان طوال التاريخ علامة على الوحدة الوطنية ، فصار اليوم سببا للفتنة والاقتتال بفعل دسائس المحتل والموساد ، والنفط الذي هو سبب للتنعم في الخير في الأقطار المجاورة ، صار نكبة ووبالا على العراق ، وسببا لاحتلاله .     ولنعد لمطلع النص ، لنجد كيف أن المطلع شديد السواد ، نفس لون أرض السواد التي تنتصف مجريّ دجلة والفرات ، فالمطلع غارق في كآبة ويأس ، برمزية عالية ، وإشارات إلى تاريخ الوطن العريق ، والحاضر الشائه ، والمستقبل المجهول ، يقول بحسرة : وحِبرُ فاكهة القوافي أينعتْ
من روضةِ الكَبَدِ
وتمثالٌ تربَّعَ في الرِداءِ بلا رداءٍ
طاف تأريخاً كفيفاً دون أن يدري
توسَّدَ هُدبَهُ ثم انحنى
ما من جديدٍ من فم الأنباءِ يحملها غدي

    فالحبر المدون به الشعر نابع من الكبد الدامي ، والكبد في التراث العربي الجزء الأساس في منظومة الجسد ككل ، فلم يعد الكبد منبع الخير للجسم / الوطن / العراق ، بل صار علامة على الموت البطئ ، وهذا هو التمثال ( رمز الفن ) صار عاريا باردا ، والتأريخ المعاصر للأحداث ظالم ، متجبر ، فالمؤرخون يتحدثون عن نصر لبوش وعصابته ، والواقع ينطق بميلون شهيد وعشرات الآلاف من الأرامل والأيتام ، والمشهد السياسي على الأرض جامد كجمود التمثال ، فلا جديد اليوم ولا أمل ولا الغد مفقود مثلما صار الأمس .    ويقول مازجا منفاه وعراقه بشجنه : مذ كان هذا النفي تابوتاً يُشَيِّعُهُ النهارْ
معاذ الله ماطَّيَّرتُ وطرتُ وراءَ مَن طاروا
ومذ سَلَفاً عرفتُ الخُبزَ اثرتُ العُشوشَ منازلي
إلاّ أنا فيها
وأحلامي وانيتي وثلج المَوقِدِ

      فيقر أن المنفى ليس أرض أمان للشاعر المنفيّ ، بل هو تابوت يعيشون فيه ، أي أن الوطن هو الحياة وإن تعرض الإنسان فيه لشقاء الحياة ، والمنفى قبر وتابوت وإن عاش الإنسان فيه ملذات الحياة ، وهذه شهادته أمام أهله في العراق المتشبثين بالأرض رغم الدم اليومي المنثال ، وعبر بنية صوتية رائعة التكوين يقول : " معاذ الله ماطَّيَّرتُ وطرتُ وراءَ مَن طاروا " ، فهو ليس ممن أسرعوا إلى الطيران / الهروب ( معاذا لله ، وحاشا ) بل كان خارجا للنفي على جمر ، تاركا قلبه في معية الفرات ، ولننظر إلى التكرار الصوتي الناتج عن مشتقات الفعل ( طار ) ، لنرى أن دلالة الفعل تتحول من دلالة الحرية والانطلاق إلى دلالة الهروب القسري من الوطن ، مما يستوجب الإبانة عن موقف الشاعر المنفي  للوطن والشعب والأهل ، فقد أصبحت الأحلام ثلجا في موقد (وأحلامي وانيتي وثلج المَوقِدِ ) في تركيبة جمعت السخونة المتطرفة ( الموقد ) مع البرودة الأشد ( الثلج ) .     ثم نرى ملامح الوطن مصاغة في بنية جمالية متفردة :ماكنتُ إلاّ ضحكة في غابةِ النخلِ المُعَبّئِ بالصفيرِ
نواجِذ التينِ المُوَسوِس للغديرِ
ونكهة التبن المذهَّبِ بالقروطِ
وكنتُ ما جادَتْ بهِ
حِلَمُ السَحابِ جرادةٌ حمقى سَجَت في معبدِ

   فالوطن والطبيعة في الذات الشاعرة : غاية النخيل ( في إشارة إلى تميز النخيل العراقي وتمره ) ، وصفير الطيور لا ينقطع من سعفه ، وهذا التين المثمر على شجره المجاور للغدير ، والتبن وهو أقل نواتج عملية الزراعة ( بقايا القمح ) ، صار ذهبا كقروط النساء . وفي المقطع السابق على هذا ، يشير الموسوي إلى نسوة العراق اللائي يزلن المساحيق من وجوههن ، ويعدن إلى الله تائبات ، فهل اقترفن الخطيئة بفعل الحاجة والعوز والجوع ، فأردن التوبة ؟! أم يعتذرن عن انشغالهن بالحياة عن مأساة الوطن السليب ؟!ثم يؤكد على موقفه ، موقف الشاعر الذي لا يملك إلا الكلمات في منفاه الجبري ، ويرى أن كلمات المديح والذكرى للوطن غير كافية أمام مأساة لا تنتهي ، فيقول : سأروحُ أغرُبُ في الظلالِ
كغَيثَةٍ صفراءَ كتَّفَها الزوالْ
لا لن أظُنَ ..
من الوريدِ إلى الوريدِ
مُشَرَّباً هذا الأُفولْ
أنا لم أقُل يا سيدي حرفاً
وإن هوَّمتُ في الرؤيا سأكتمُ ما أقولْ
وما تفيئُ به الرياحُ السائبات على الأصيلِِ

    فترى موقفا شديد العجب ، فالموسوي / الشاعر يواجه وطنه وأهله بعقاب النفس ، فهو سيغرب في الظل ، حيث لا شمس للوطن ، ولا شهرة ولا لذة ، فقد اختار الظل مكانا له ، وهذا يعادل العقاب النفسي لأنه ظل في منأى عن الأرض ، فقد أصبح مثل الغيمة الصفراء ، في إشارة إلى الاصفرار في الحياة الذي يسبق الموت ، وسيتشرب هذا الأفول التدريجي الذي هو بمحض اختياره ، وسيكون مشبعا به من الوريد إلى الوريد ؛ في دلالة تركيبية على الذبح والفصل الكامل للرأس ، بل يجعل الشعر وكلماته بعيدين كل البعد عن حياته ، ليعيش في أفول ، فليس للوطن جديد ، ولا في المستقبل مستجد ، مادام أطفال العراق يقضون ليلهم دون عشاء .       إنها قصيدة مكتوبة بالدم ، ولكنه دم فؤادِ شاعرٍ ، مكلوم ، يقص عنقه  من الوريد إلى الوريد ، ملتمسا البراءة أمام الله والوطن والبشر .