فيـــلم ســـويدي عـــن آلام غزة

فتيان غزة يحتاجون إلى مليون طبيب نفسي لترقيع ما نزفته الحرب، أنجز المخرج السويدي بيوهولم كوست فيلماً عن غزة بعنوان (فرويد في غزة) ،

 

وقد صوره خلال الحصار الاسرائيلي قبل العدوان الشامل على المدينة الشهيدة، وعرض الفيلم في ثماني صالات سويدية ومنها صالات في العاصمة استوكهولم ومدينة اوبسالا.‏

والمقصود بالعنوان (فرويد في غزة) الطبيب النفسي عائد حمداني، لكن الفيلم بالنتيجة ليس عن شخص ، إنه عن مئات الآلاف من الأطفال والفتيان الفلسطينيين في غزة الذين شاهدوا آباءهم وأمهاتهم يتقطعون إرباً بفعل آلة التدمير العسكرية الصهيونية، ويحاول الطبيب النفسي معالجتهم عن طريق التحليل والمحادثة.‏

و(فرويد في غزة) هو الفيلم الثالث عن غزة للمخرج السويدي الإنساني، وسبق له أن أخرج فيلماً عن تحويل غزة إلى سجن كبير بعنوان (غيتو غزة) وحصل لقاء الفيلم على عدة جوائز عالمية، وعرض الفيلم في مهرجان دمشق السينمائي الرابع عام 1985 بحضور مخرجه بيوهولم كوست، حيث تحدث إلى الصحفيين عن المعاناة الكبيرة لأهالي غزة، وفي عام 1996 أخرج الفيلم الثاني (جاء الأسد من غزة).‏

وجد فيلم (فرويد في غزة) اصداء عديدة في الصحافة السويدية، وكتب يوهان كروينما في جريدة داجينز نيهيتير (أخبار اليوم): يحاول الطبيب النفسي عائد العمل في السجن الذي يدعى قطاع غزة، إنه يقوم قدر إمكانه بترقيع ما مزقته الحرب في نفوس الضحايا، ويضيف : إنهم الأطفال الذين شحنوا رغبتي للصراخ بأعلى صوتي في العالم: الأطفال الذين شاهدوا آباءهم وأمهاتهم واخوانهم واخواتهم يتقطعون إرباً أمام أعينهم أطفال بأعمار السادسة والسابعة والثامنة، وما يسقط فوق رؤوسهم هو القنابل الاسرائيلية.‏

ويقول الدكتور حمداني: نحتاج لمليون خبير نفسي للعمل في غزة، ويختتم صحفي مقالته عن الفيلم باسم الإنسانية جمعاً !علينا أن نخجل لما يحصل هناك في غزة.‏

ويقول الدكتور هزيك بيلينج وهو من الذين يساعدون الفلسطينيين منذ ثلاثين عاماً معلقاً على الفيلم : (لم أر أبداً مثل تلك المادة الوثائقية من قبل، وتحديداً بما يخص مشاهد مراحل المحادثة والعلاج النفسي.‏

نعود إلى المخرج بيوهولم كوست لنذكر أنه تقريباً اختص بتصوير معاناة الفلسطينيين ولاسيما في القدس وغزة، ليصبح من أشهر مخرجي الأفلام الوثائقية ، وهو متزوج من أرمنية لبنانية، وكان هذا الزواج ثمرة وجوده في المنطقة منذ ثلاثة عقود من الزمن.‏

في سن العاشرة حمل بيوهولم كوست الكاميرا الفوتوغرافية ورافق والده العامل في الحقل الصحي وصور مناطق الفقر في السويد، وعمل فترة في تصوير الأزياء في السويد وبريطانيا، لكنه ما لبث أن انحاز إلى المقهورين في العالم، فذهب إلى فيتنام.‏

وكانت القدس محطته الأولى في المنطقة العربية، أراد أن يصور فيلماً عن معاناة المقدسيين، لكن سيدة فلسطينية لفتت نظره إلى غزة، فوصل إليها في مطلع عام 1982، وبدأ بتصوير فيلم (غيتو غزة) في مدرسة جباليا للبنات، كان هولم كوست أول أوروبي يصل إليهم للحديث عن معاناتهم، ويقول المخرج عن ذلك: كنت أول من يصل إلى غزة بكاميرا سينمائية ليتحدث عن معيشة أهلها ومعاناتهم، كانوا متعطشين للكلام، ولم يكن أحد منهم يشعرني بارتيابه مني كأوروبي، عشت أياماً مذهلة وصورت فيلماً لا يزال على قيد الحياة ، رغم عشرات الأفلام التي تتحدث عن غزة وعن الفلسطينيين، لم أكن أعاني مثل أهل رفح أو جباليا لكنني لامست معاناتهم عن قرب.‏

وعدت بفيلم (فرويد في غزة) في عام 2008 لأكمل الحكايات، لأنه يجب ألا تبقى النهاية مفتوحة، لا أحب الحديث بالتفاصيل، لكنه يتحدث عن غزة بصورة أخرى، ويغوص في عوالم جديدة.‏

وهكذا نرى أن الضمير الإنساني يهز مشاعر الأوروبيين فيعبرون عن تضامنهم مع أهالي غزة بالأدوات التي يمتلكونها ويجيدون استعمالها، فتحية لهم وتحية لكل ضمير إنساني حي وصادق.‏