متاهات الاصلاح...سؤال الجودة والمردودية

- ماذا؟جودة...مرد ودية ؟ !! تقصد أن يكون أداء تلاميذي أجود؛ و أن يتحسن تحصيلهم و استيعابهم و أن تتطور مهاراتهم و ردود فعلهم و استجابتهم و أن ينعكس كل ذلك على سلوكهم و إنتاجهم... هذا ما تقصد بكل تأكيد أو أشياء من هذا القبيل أليس كذلك ؟

 

- لكن حسب علمي . فإن المردودية تستلزم سلفا إصلاحا اعتباريا معنويا ماديا...

- .................................................. .....

- حسنا، بناء على افتراضك هذا، فتلاميذي هم ضحية تقصيري بالأساس ثم تقصير الوزارة و الحكومة.

- .....................

- لكن ما قولك في هذين العدوين اللذين يتربصان بمهمتنا و يصيبان أداءنا مقتلا؛ الشارع و الإعلام... علما أنني تجاوزت الأسر لدورها السلبي و المحايد ؟

- .....................

- اسمع عزيزي نظريتك هذه قاصرة و متحاملة على رجال التعليم و يلزمها مزيدا من التدقيق و المراجعة

- ...........................

- لا تعتبر رأيي هذا دفاعا عن النفس لكن صدقني إن قلت لك أنني أعاني أحيانا من الحيرة و التعب و تنتابني لحظات من الارتباك و الاستسلام غير أنني أعود بسرعةللمسك بزمام الأمور.إذن فالقضية ليست بالتصور الذي تطرح و الإصلاح مسألة إرادة و إيمان و إخلاص قبل أن تحكمه كل هذه النظريات التي عددتها.

- .................

- طيب ؛ و هذا الجيش من الأساتذة الذين يعكسون الأمل و الثقة و ينسلخون من جلودهم بمآسيها و إحباطاتها لصنع أجواء مفعمة بالمتعة و التنافس و الفضول المعرفي ، لم يظهر لك إلا هذا الذي يعكس الفقر و الإحباط و يركن للتقصير و التمارض ... و ينشر البأس و الملل ...

- ..............................

- ماذا ؟ مدونة سلوك يوقع عليها الكل ؟ هل نحن في سجن ؟ إنها مدرسة يا أخي، مدرسة.فضاء شاسع ينطلق فيه الجميع للتعبير عن أرائهم بحرية و تلقائية ، دون قمع أو رقابة ... فضاء لغرس شتائل الحجاج و التفاوض و التسامح . نعم هي مؤسسة ذات نظام قائم تؤطرها ضوابط معدودة لكن حذار أن نبالغ في تسييج هذا الوطن الصغير لأننا وقتها لن نُوَفَّق إلا في تسييج العقول و وأد الهمم

- .............................

- اسمع، و مطط أذنيك ما استطعت لقد طغى في الآونة الأخيرة الهاجس الأمني على لغة كل المذكرات و المراسلات الواردة على المدارس.و صار الهم التربوي هما حمائيا رادعا ... و يبدو لي أن الفاعلين ينزعون لتكوين مواطن خاضع صنم، خنثى ...

- ...................

- لن أعارضك ، و لن أوافقك ، لكن في منظوري تبقى محاربة الأمية أولى من محاربة أوهام بؤر الإرهاب ما دامت أغلب رؤوس المنفجرين تنضح بالجهل الأبجدي و تصدر صريرا بطعم صدى القتامة و التخلف .كما أن محاربة لصوص المال العام و ناهبو خيرات البلاد و المرتشون و المتملصون من أداء الضرائب ووائدو الكفاءات و المخلون بمبدأ تكافؤ الفرص و المفوتون للامتيازات و للمناصب لغير أهلها أولى من محاربة الجراد بالسنغال و المهاجرون السريين بصحراء تومبوكتو

- ....................

-ربما لكن المُسَلمة الأكثر رواجا أن المدرسة ليست سجنا ولا إصلاحية ولا ديرا أو زاوية تنمط القيم والأفكار... كما أنها ليست حاوية لتنفيس الأطفال و المراهقين عن شعبهم و مكبوتا تهم ...وأنت أدرى مني أن الأستاذ ليس قسيسا ولا دكتورا متعدد الاختصاصات ولا مولدا وجدانيا للتعصب وللشرارات الانفعالية و التدميرية... إنه قليل من كل ما ذكرت و كثير من الخبرات و المعارف البناءة والسلوكيات الحميدة والنبيلة و القويمة.

- ..................

- بلى. لكنه مؤطر وموجه وقائد ونموذج.... وهذه الصفات و أخرى لا يمكن البتة أن توحي بالتعصب أو أن تلهم بالانفجار.

- ...............

- أبدا. أبدا أنا لا أدافع ولا أبرر بل سأذهب معك أبعد من ذلك :مدرستنا المغربية بواقعها الكئيب الحالي عوض أن تقلص من الفوارق التربوية فإنها تعمقها من حيث لا ندري. بخضوعها لتوجيهات معينة وحتمية اجتماعية موجهة.مدرستنا المغربية يا أخي مقصرة حد الإفراط من لعب أدوارها في التقليص من هول الفوارق و متخاذلة حد التواطؤ في تمرير تعليم ديمقراطي و أستطيع أن أقول أنها مساهمة لدرجة الضلوع في جريمة وطنية بادية للعيان في صنع الإقصاء و العطالة و التباين الاجتماعي المهول ، أقول المدرسة و لا أقول المدرس .

- .........

- نعم لعبة التعليم لعبة غير عادلة . حقيقة أن للسياسة و الاقتصاد و لمؤسسات المجتمع الأخرى دور ... لكن دعني أعترف بمسؤولية المدرسة و دعنا نعترف أن لكل أصلاح ثمن.

- ..............

- تأمل معي هذا الوضع الذي انحدرت إليه المنظومة التربوية فمن المطالب الخالدة بتعميم و تعريب و توحيد التعليم إلى هذه الذخيرة التي لا تنضب من مستجدات حرفة التعليم ؛ بيداغوجيا الأهداف بيداغوجيا الكفايات الشراكة البيداغوجية و ربما بيداغوجيا الوهم و الفشل ...و دقق معي في هذه المخططات الاستعجالية لإنقاذ التعليم إصلاح تربوي فإعادة إصلاح لجان لإعادة النظر و التقييم فميثاق وطني للتربية ... و تأمل معي أيضا هذه الفضيحة القائمة لمسلسل تحرير الكتاب المدرسي فبدءا من موسوعة اقرأ وصولا إلى هذا العبث من الكتب الذي ابتدعت له أسماء من قبيل الديناصور في النشاط العلمي، الآلة الحاسبة في الرياضيات و البوصلة في الاجتماعيات

- ...............

- أنا لاأملك قناعة وحيدة ، بل مسلمات مفادها أن مدارسنا و مدرسينا و متمدرسينا و المادة المدرسة لم تشخص أحوالهم بعد و لم تقيم و بالتالي يصعب في الوقت الراهن الحديث عن المعالجة و التقويم و الإصلاح .

- ............

- أوافقك ، لكن هل تستطيع أن تنكر أن إمكانات طفل البادية غير إمكانات طفل المدينة. تلميذ المناطق الجبلية يختلف في استعداداته عن تلميذ المناطق الساحلية أو الصحراوية أو السهلية ...أبناء الفقراء لا يستوعبون بنفس منطق أبناء الأغنياء . فابن الدر كي مثلا غير ابن الخزفي و الجالس في الصف الأول تختلف درجة تركيزه و انتباهه عن القابع خلف الصفوف... أجواء الحصص الصباحية تختلف عن أجواء الحصص المسائية ... هذا الأستاذ غير ذاك ...و هذا الكتاب المدرسي أقل جودة من الكتاب الآخر و المدرسة العمومية في واد و المدرسة الخصوصية في واد آخر... ما يعني صديقي أن تعليمنا غير عادل و غير ديمقراطي...

- .............

- البديل ؟ حظوظ متماثلة لتجنب أخطار الفوارق و التمايز و الهدر و التسرب و الفشل و الانقطاع ... برنامج وطني لغرس شتائل المساواة . لجعل المدرسة رافعة عادلة لكل البشر ... منهاج تعليمي هادف يقعد لإعادة ترصيص لبنات الديمقراطية بالمدرسة العمومية لا يميز بين السهول و الجبال و المغرب النافع و غير النافع ... حمولة معرفية تعزز التماسك بين طبقات المجتمع و تدلل الهوة بين الفقراء و الأغنياء و العرب و الامازيغ و المتعثرين و المتفوقين ...

- ............

- كيف ؟ ربط التعليم بسوق الشغل بالتركيز على الجوانب المهنية و التقنية دون إغفال الحس الإبداعي .

- ...

- راهنا ؟ أنا لاأملك وصفة سحرية غير أن الوضع يقتضي استعجالا إعادة هندسة مدرسة يعضدها النظام برمته الشارع ،المسجد ، الأسرة ، الإعلام ، المقاولات ، المفكرون ، الخبراء ، الأحزاب و الهيئات المنتجة ... مدرسة يدعمها المواطن و المفتي و السياسي و المثقف...

- .........

- أعني أن المدرسة بحاجة لتكاثف كل القوى من أجل ترميم هشاشتها . بحاجة للإيمان بمحورية و مركزية دورها .

بحاجة للرهان على أدوارها حتى تتبوأ المكانة التي تليق بها في المجتمع .