النفحات الربانية في السيرة النبوية(11)

الجهاد في سبيل الله:

   الجهاد في سبيل الله هو بذل الجهد باستمرار لإعلاء كلمة الله   عز وجل، وهذه الخطوة هي نتاج الخطوات السابقة، وهي مصب الروافد السابقة من صحبة في الله واجتماع على الله، وذكر لله وصدق مع الله وبذل في سبيل الله، وعلم وعمل...

وقد بذل الصحابة رضي الله عنهم الأرواح والمهج في سبيل نصرة الإسلام –بفضل تلك التربية النبوية العالية-، والدفاع عن خير الأنام عليه أزكى الصلاة والسلام، أخرجوا من ديارهم، وتركوا أموالهم وأهليهم في سبيل الله تعالى، وكفلوا الدعوة، وأزالوا كل طاغية  ومعتد وقف في طريقها،  فقرروا سلطان الله في الأرض، وأقاموا العدل فيها،

وحققوا المساواة للبشرية بذلك العدل، بل رفعوا كلمة الله في الأرض، ونصروا دينهم ونبيه الكريم صلى الله عليه وسلم  .

وهنا حقيقة لابد من الإشارة إليها، وهي أن الصحابة رضي الله عنهم خاضوا جميع أنواع الجهاد وولجوا جميع أبوابه ؛

فجهاد النفس أو التربية: بدأ بمكة واستمر إلى المدينة إلى الوفاة.

وجهاد المال: وقد تحدثت عن تلك الصور الرائعة التي تركت بصماتها على صفحات التاريخ من بذلهم وإنفاقهم في سبيل الله.

وجهاد التعليم: وقد مضى الحديث عن العلم، وكيف كان الصحابة رضي الله عنهم  يعلم بعضهم بعضا القراءة والكتابة، وحفظ القرآن ودراسته، والحديث الشريف وحفظه... ولحرصهم على العلم كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  رضي الله عنه يقول: «لاَ يَبِعْ في سُوقِنَا إِلاَّ مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّينِ»([1]).

وجهاد الدعوة: شارك الصحابة رضي الله عنهم  النبي صلى الله عليه وسلم  في جميع مراحل الدعوة، سرا وجهرا، هجرة ونصرة، وقد رأينا سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كيف دعا أصحابه إلى الإسلام فأسلموا، وقد رأينا أولئك النفر من الأنصار رضي الله عنهم لما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم  البيعة الصغرى والكبرى كيف رجعوا إلى يثرب وبدءوا ينشرون دعوة الإسلام هناك، حتى لم تبق دار من دور المدينة إلا ودخلها الإسلام...

وجهاد الكلمة والحجة: حيث كان الصحابة رضي الله عنهم يقارعون أسماع قريش بتلاوة القرآن الحجة الدامغة لضلال الوثنية، والكلمة الزاهقة للكفر والشرك.

وجهاد البناء: وهذا ما تربى عليه ذلك الرعيل الأول رضي الله عنهم، فما عاشوا في فراغ، وإنما بذلوا قصارى جهدهم وكل ما في وسعهم، وشمروا على ساعد الجد لبناء مجتمع فاضل قاعدته التعاون والتآلف والتآزر، وجماله المحبة الصادقة، والأخوة الحانية، والرحمة الدائمة، ولذلك لما هاجر من هاجر إلى المدينة قاموا قومة رجل واحد صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فَبَنَوْ المسجد، وشاركوا في بناء المجتمع الإسلامي العمراني الأخوي الخالد...

ولذلك فإن المسلم الحق ليس من يدعي أنه يشهر سيفه في وجه الشيطان ويتوقع على نفسه متوقعا أن يقفز إلى الجنة بغير حساب، ولكن المسلم من يتفاعل مع بيئته ومجتمعه بحيوية ليحدث التغيير المطلوب ([2]).

والجهاد السياسي: قارع الصحابة الكرام رضي الله عنهم الشرك في عقر داره، وبينوا هشاشته وهزله... وأسهموا في بناء الدولة الإسلامية في المدينة؛

فكان منهم صاحب السر وهو: (سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه)،

 وصاحب الشرطة وهو: ( سيدنا قيس بن عبادة t.)،

وكان منهم حراس النبي صلى الله عليه وسلم  : ( وهم سادتنا: سعد بن زيد الأنصاري، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعد بن معاذ، ومحمد بن مسلمة، وأبو أيوب الأنصاري، وبلال الحبشي، وزكوان بن عبد قيس، وعباس بن بشير رضي الله عنهم)،

وكان منهم حراس المدينة ليلا(وهم سادتنا: سعد بن أبي وقاص، وبديل بن ورقاء، وأوس بن ثابت، وأوس بن عرابة، ورافع بن خديج رضي الله عنهم)،

وكان منهم من كان يقوم بتنفيذ أحكام الحدود(وهم سادتنا: علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة والزبير بن العوام وعاصم بن ثابت وبلال بن رباح الحبشي رضي الله عنهم)،

وكان منهم حجاب النبي صلى الله عليه وسلم  :( منهم سادتنا: أنس بن مالك ورباح بن الأسود وأبو أنسة وعبد الله بن زغب الإيادي رضي الله عنهم)، 

ومنهم حاملو خاتم الرسول صلى الله عليه وسلم :(وهما: سيدنا حنظلة بن الربيع  وسيدنا الحارث بن عوف المري رضي الله عنهما كانا يتناوبان على حمله)، ومنهم من كلف بجمع المعلومات(ما يطلق عليه اليوم بجهاز المخابرات) من الأعداء(منهم سيدنا عمرو الجهني رضي الله عنهم)،

وكان منهم  كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم : (وقد تجاوز عددهم الأربعين -حسب ما ذكره كتاب السير والمؤرخون-، منهم الخلفاء الأربع رضي الله عنهم...)،

و كان منهم من كلف بجهاز الإعلام(جهاز الإعلام كان  يمثله عدد من الشعراء والخطباء، كحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، ومن خطبائه: ثابت بن قيس. ..رضي الله عنهم).

 إلى غير ذلك من المَهمات التي تحملوها في هذه الدولة الإسلامية الجديدة، كما قاموا بحمايتها من الأخطار الداخلية والخارجية، والتزموا بمعاهدة المدينة...

وجهاد الكفر والفقر: لقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم  على معاملة أصحابه على قدم المساواة، وحث أتباعه الأغنياء على مساعدة الفقراء والمستضعفين من المؤمنين.

وبفضل تلك التربية النبوية على نور سنن الله جبلت نفوسهم على  الكفاف والمواساة، والإنفاق في سبيل الله. فكان الإيثار دأبهم، والأخوة رأس مالهم، اقتحموا عقبة الدنيا والعوائق النفسية من ضن وشح وتحاسد وتنافس على حطام الدنيا الفاني، فطردوا الفقر أخا الكفر، لأن الفقر والكفر متلازمان.

والحق أن إعلان «الإخاء» بين أفراد مجتمع ما لا يوجب التكافل بينهم في الطعام والشراب وحاجيات الجسم فحسب، بل في كل حاجة من حاجيات الحياة ، وهذا ما تحقق لما هاجر المسلمون إلى المدينة، أغدق عليهم إخوانهم الأنصار بالخيرات، فكانوا يتوارثون بينهم، حتى نزلت آية التوارث  التي خصته بالعصبة، لكن التآزر والمواساة والتعاون استمر بين المسلمين، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ  tقَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ للنبيr:« اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: ( لاَ ). فَقَالُوا: تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ في الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»([3]).

وعن أنس t قال: «قال المهاجرون : يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كَفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: (لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله عز و جل لهم)»([4]).

والجهاد الاقتصادي: إن الاقتصاد يدخل في إعداد القوة، وهو عامل قوي من عوامل قوة الدعوة والجهاد، وهو من أسباب التمكين في الأرض، ولهذا اهتم الإسلام بالموارد المالية وكل ما له علاقة بالاقتصاد كطرق الكسب المشروع؛ من بيوع ووصايا وميراث ووقف وهبات...، وبين كذلك الطرق غير المشروعة وحرمها كالربا والغش والاحتكار والسرقة والسرف والترف...قال الحق جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾([5]).

وعلى ذلك، فقد حض الإسلام على التنويع في أساليب الإنتاج، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ  رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ([6])، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ )([7]). في هذا الحديث النبوي الشريف  "إشارة إلى أن الاكتفاء بالزراعة  وحدها، وما يتبعها من الإخلاد إلى الحياة الخاصة المعبَّر عنها باتباع أذناب البقر، وترك الجهاد في سبيل الله وما يتطلبه من إعداد القوة يُعرض الأمة لخطر الذل والاستعمار، وهذا بالضرورة يحتاج إلى نوع من الصناعات لابد أن يتوافر في الأمة"([8]).

وهنا لابد من الإشارة إلى تلك القصة العجيبة التي تبين لنا جهاد أولئك الرجال وحبهم للجد والاجتهاد، وعدم ركونهم إلى الخمول والراحة، ليحققوا  الكفاية المادية لأمتهم، ويرفعوا اقتصادهم، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: »قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النبي صلى الله عليه وسلم    بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِي([9])، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فقال لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مالي نصفين، وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّونِي على السوق. فما رجع حتى اسْتَفْضَلَ([10]) أَقِطًا وَسَمْنًا« ([11]).

في ضوء ما تقدم فقد كان الصحابة رجال عمل وكسب، كان منهم الصانع والتاجر والفلاح والراعي... أتقنوا أعمالهم...، والتزموا بشريعتهم التي حذرتهم من التبذير والتطاول في زخرف الدنيا، وحببتهم في التنافس والتسارع في الخيرات، وأمرتهم بالزكاة واكتساب الحلال، وتنميته، والمحافظة عليه، وإنفاقه في سبله المشروعة، وبذلوا جهدهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي لمجتمعهم؛ الغني منهم يواسي الفقير، وأنفقوا أموالهم في سبيل الله، وقدم الأنصار  مساعدات اقتصادية لإخوانهم المهاجرين،  فحققوا بذلك إنعاشا اقتصاديا  مستقلا بذاته، وحازوا النصر في معركة الإنتاج، متحررة من التبعية  المادية، ومن كل قيود إلا قيد الإسلام.

فلم يكونوا رجال كسل وخلود إلى الأرض، فعن البراء رضي الله عنه قال : «ليس كلنا سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب »([12]).

كان الإنتاج دأبهم، حتى لا يكونوا عالة على غيرهم، وحتى تكون دولتهم نموذجا ناجحا. عن عقبة بن عامر قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم  - خدام أنفسنا نتناوب الرعاية رعاية إبلنا...»([13]).

وجهاد التَّوحُد: آتت  التربية النبوية  للصحابة  رضي الله عنهم أكلها، فكانوا يطبقون وصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم  في كل صغيرة وكبيرة، ويتبعونه في جليل الأمر وهينه،  رباهم صلى الله عليه وسلم  على الوحدة والتآلف والتعاون والأخوة...فجمعوا كلمتهم، ووحدوا جهودهم، ولموا صفهم،  وتحرزوا عن الاختلاف والتنازع بينهم في الدعوة والجهاد... وكانوا يحذرون من الاختلاف. فهذا سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «الزموا هذه الطاعة و الجماعة فإنه حبل الله الذي أمر به و أن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة...»([14]).

أما الجهاد القتالي: فقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه رضي الله عنه بضعا وعشرين غزوة، وبعث من السرايا ما يبلغ الأربعين سرية على اختلاف في ذلك عند أصحاب السير والمغازي.


 


 ([1]) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي r، ح487. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

 ([2]) دليل التدريب القيادي، هشام الطالب، ص17.

 ([3]) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب إذا قال اكفني مؤونة النخل وتشركني وغيره وتشركني في الثمرة، ح2325.

 ([4]) مسند الإمام أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك t، ح13097.

 ([5]) سورة البقرة:267.

 ([6]) بيع العينة: هو أن يستقرض رجل من تاجر شيئا فلا يقرضه قرضا حسنا بل يعطيه عينا، ويبيعها من المستقرض بأكثر من القيمة، سمي بها لأنها إعراض عن الدين إلى العين. التعريفات، ص53. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأبرار، محمد بن علي الشوكاني، 5/228.

 ([7]) سنن أبي داود، كتاب الإجارة، باب في النهي عن العينة، ح3462.

 ([8]) فقه النصر والتمكين، محمد الصلابي، ص317.

 ([9]) هو: سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أحد نقباء الأنصار، استشهد بأحد. الإصابة، ترجمة رقم: 3155، 3/58.

 ([10]) استفضل: ربح.

 ([11]) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ...  ح2049.

 ([12]) المستدرك للحاكم، كتاب العلم، فصل في توقير العالم، ح438.

 ([13]) سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا توضأ، ح169. 

 ([14]) المستدرك للحاكم، كتاب الفتن والملاحم، ح8663.