ضد سرطان الثدي

طباعة

سرطان الثدي «الثلاثي السلبية» Triple negative، عصيّ على جميع أنواع العلاجات المتوافرة حتى يومنا هذا، لكنه كشف أخيراً عن نقطة ضعفه الوحيدة التي قد تسمح للباحثين باستنباط أساليب جديدة في محاربته. هذا ما بيّنته نتائج الدراسة السريرية التي أُعلنت خلال المؤتمر الـ45 للجمعية الأميركية للدراسات السريرية للأورام الخبيثة ASCO، الذي عُقد في أورلاندو في فلوريدا.
من المعروف أن سرطان الثدي هو أكثر أنواع

السرطانات النسائية انتشاراً. ففي فرنسا وحدها مثلاً يصيب هذا المرض 41 ألف امرأة جديدة كل عام، ويسبّب وفاة أكثر من 11 ألف مريضة.
ورغم أن أساليب الكشف المبكرة الجديدة والعلاجات الحديثة قد سمحت بعلاج معظم أنواع سرطانات الثدي، إلّا أن السرطان «الثلاثي السلبية» بقي عصيّاً على جميع العلاجات الكيميائية والشعاعية والهورمونية. هذا السرطان لا يملك أياً من المستقبلات الثلاثة RECEPTEURS، الموجودة جميعها أو على الأقل واحدة منها، في جميع أنواع سرطانات الثدي الأخرى التي تتفاعل مع العلاجات المتوافرة حتى الآن. لكن فريقاً من الباحثين في الولايات المتحدة قرّر تجربة مقاربة جديدة في محاولة ضبط هذا السرطان. فقد اعتمد الفريق في بحثه على منهجية تجريد الخلايا السرطانية من قوّتها الدفاعية والترميمية التي تحميها من تأثير العلاج الكيميائي «التقليدي».
الكشف الجديد يتعلّق بمادة محاربة للسرطان هي الـ BSI ـــــ201 التي تبيّن للفريق المذكور أنها تهاجم الخلايا السرطانية في نقطة ضعفها الأهمّ، أي قدرتها على إعادة ترميم نفسها وتدفعها إلى الانتحار. يجري ذلك عبر إحباط الـ BSI ـــــ201 لأنزيم PARP الذي يُسهم في تكاثر الخلايا السرطانية الثلاثية السلبية. لكن وظيفة الـ PARP في الخلايا الطبيعية ضرورية لجسم الإنسان. هذه المادة موجودة في الخلايا البشرية طبيعياً وتؤدي وظيفة ترميمية في حال تعرُّض الجينات الوراثية ADN لأي ضرر خارجي. لكن في الخلايا السرطانية تصبح هذه الميزة قاتلة للمريض، لأن الأنزيم يساعد الأنسجة السرطانية على ترميم نفسها واستعادة قدرتها على التكاثر في كل مرّة تتعرض للتلف بسبب العلاجات المختلفة.
استخدم فريق العلماء الأميركيين قدرة الـ BSI ـــــ201 على إحباط عمل الأنزيم PARP خلال تجربة سريرية شاركت فيها ثمانون امرأة في المرحلة الثانية من انتشار سرطان الثدي الثلاثي السلبية. وقد خضعت المتطوعات خلال العلاج التجريبي إلى العلاج الكيميائي الكلاسيكي بالإضافة إلى تناول جرعة يومية من مادة BSI ـــــ201، وبعد ستة أشهر من بدء العلاج، بيّنت الفحوص الروتينية، التي أجريت للمشاركات، أن السرطان قد تراجع لدى واحدة من كل اثنتين من المتطوعات. كذلك ارتفع معدّل البقاء على قيد الحياة بين المريضات إلى تسعة أشهر ونصف مقابل خمسة أشهر ونصف لدى المجموعة الثانية من المتطوعات الخاضعات للعلاج الكيميائي الكلاسيكي فقط.
بالطبع قد تبدو هذه النتائج متواضعة وبعيدة جدّاً عن الشفاء الكامل أو عن النتائج التي حقّقها العلم في علاج سرطانات الثدي الأخرى. لكنها خطوة واعدة جدّاً على طريق محاربة واحد من أعتى أنواع السرطانات النسائية وأشرسها في العالم.
يؤكّد الباحثون في هذا المجال أن الآلية الجديدة قابلة للاستخدام، بعد تطويرها، في علاج السرطانات الأخرى لا النسائية فقط. يعود ذلك إلى كونها تعتمد على تقوية تأثير العلاج الكيميائي على الخلايا السرطانية عبر إضعافها لقدرة هذه الخلايا على ترميم التلف الذي يلحق بها. لكنّ هذا الأسلوب قد يحمل في الوقت نفسه بعض السلبيات الخطرة على صحّة المريض على المدى الطويل. إذ إنه يهدف إلى القضاء على أنزيم يحتاج إليه الجسم في الحالات الطبيعية لترميم الضرر الذي يلحق بمنظومته الجينية. وسيسعى العلماء في مواجهتهم لهذا التحدّي إلى العمل على ضبط المادة المعالجة كي يصبح تأثيرها مؤقتاً. بحيث يستعيد الجسم قدرته على إنتاج الكمية الكافية من أنزيم الـ PARP بعد الشفاء من السرطان والتوقّف عن تناول الجرعات المعالجة. هذا الهدف لا يزال بعيد المنال، لكن الأبحاث والدراسات قائمة. في هذا المجال عبّر الباحثون والمؤسسات المختصّة عن استنكارهم للنقص النسبي في تمويل هذه الأبحاث. كذلك أكّدوا أن إحدى العراقيل الأساسية أمام تسريع العمل على تطوير العلاجات المختلفة تكمن في نقص المبالغ المخصصة لمواجهة السرطان عالمياً، رغم أن الإحصاءات العالمية في العقد الأخير تظهر بوضوح ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطانات المختلفة في جميع البلدان وبين جميع الفئات العمرية.