مسرح ومسرحيون

الشخصيات
جبريل
عارف
كارم

سميح

جار1
جار2
جار3
الحاكم
الحاجب
غازي
بعض الأطفال يمثلون ابن جبريل الثاني و الحاشية

 

المشهد الأول
جبريل يتمدد على دكة خشبية ، وساعة دخول الجيران يعتدل فى جلسته ..
على الدكة وسادة كانت تحت رأسه ".

جبريل : شكرا لكم .. نزوركم فى الأفراح والمسرات

جار1  : لا شكرَ على واجبٍ  يا جبريل ..فأنت نعمَ الأخُ ونعمَ الجار !!

جار2 :  ( يدنو من جبريل ، ويضع مالا تحت الوسادة ) أرجوك .. لا تكسفنى  ولا ترد يدي

         يا جبريل !!

جبريل: لا ..لا ..أشكرك ..معى كفاية .. والله معي !!

جار1  : لا ترد يده يا رجل ؛ فنحن أولى بك !!

جبريل : فعلتم الواجب وزيادة .. أرجو أن يمد الله فى أجلى حتى أوفى دينكم !!

جار2 :( يتراجع ) يا رجل .. أىُّ دين ٍ ..نحن نسددُ بعضاً من جميلك .. شفاك اللهُ وعافاك

جبريل : لا حرمني اللهُ منكم .

جار3 :( يسلمون واحدا بعد الآخر ) نستودعك الله .. السلام عليكم !!

جبريل : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. جزاكم اللهُ خيرا ( يخرجون ) جزاكم الله خيرا

        ( لنفسه ) لا فائدة .. هيه ( يتنهد ) اشتدتْ الأزمةُ .. وتحكمت ْ وضاقت ْ الأحوالُ

        .. لم يعد لدى شيء يباع ..التهمت النيران ُ حانوتي .. وماتت زوجي الطيبة ..

        ما بقى شىءٌ.. و الأولادُ صغار . يجب أن يتعلموا ، ويأكلوا . لم يبق سواه .. نعم

        لم يبق سواه ( يدخل الأولاد الثلاثة .. يحيطون به ) أهلا .. أهلا .. تعال يا عارف

        وأنت يا كارم .. سميح .. أقبل .. تعال إلى حضني  ( يقبله )

عارف : ( أكبر الأبناء ) كيف حالُكَ اليومَ يا أبى ؟

جبريل : ( يترك الدكة ويتحرك ) ألا ترَ ياولد..أصبحت قويا كجملٍ..ألا تر ؟

عارف : ليتك توافق يا أبى .. ليتك توافق !!

جبريل :( يظهر غضبه ) لا أريدك أن تشغل رأسك الصغير هذا ، بمثل هذا الكلام .. غدا

         أكون ُ على أحسن ما يرام .. ويعتدلُ ميزانُ حياتِنا بإذن الله !

عارف : و ما العيب ُ يا أبى ؟

جبريل : أرجوك يا عارف لا تثقل علىّ .. أيرضيك أن تتعب والدك ؟

َعارف : لا .. لا يا أبى

جبريل : إذن .. لا تعد لمثل هذا الحديث عن العمل ؛ فأنت مازلت صغيرا ، فكر فى دروسك ،

         ومدرستك فقط ( يخرج بعض النقود ويقدمها لعارف ) خذ يا عارف هذا المال ، واشتر

         طعاما ، بسرعة .. هيا !!

عارف : من أين لك به يا أبى .. وأنا أعلم بحالنا ؟

جبريل : لا تكمل .. كن ولدا مطيعا .. هيا ؛ فأخواك جائعان !!

عارف : حاضر يا أبى .. سوف أذهب ( يخرج )

جبريل : هيا أخرجا أنتما الاثنان ..العبا حتى يعود عارف ( يخرجان .. يتحرك فى المكان )

         هاهنا ولد عارف .. نفس المكان الذي ولدت فيه .. يرحمك الله يازوجى الطيبة ..

         هنا سمعت صراخ عارف .. وضحكات كارم ( نسمع صوت القابلة : سم الولد

         يا جبريل .. هيا قبله .. بسم الله ما شاء الله . نسمع أصوات السبوع ودق الهون

         وأصوات الأولاد ..حلاقاته برجالاته .. حلقة دهب فى وداناته ..يارب ياربنا تكبر

         وتبقى قدنا .....يتحرك جبريل ) وهنا فى بهو الدار ، تسلقوا الأشجار ، وأكلوا من

         ثمارها الحلوة .. لكم طاردتهم أمهم .. لكم عنفتهم ليقلعوا عن هذه العادة ( نسمع صوت الأم : انتظروا حتى يقبل والدكم يا ملاعين – نسمع أصوات الأولاد : لن نفعل يا أمي

         .. لن نفعل .. سماح النوبة )

جبريل :( يعود جبريل مرتبكا وبصعوبة إلى الدكة الخشبية ويجلس ) لا مفر .. لا مفر من

         هذا .. لا مفر ..قدر الله وما شاء فعل .. ولابد من حل .. وحل فوري !!

 

                                   إ ظــلام

المشهد الثاني
أمام باب الدار جبريل يعلق لافتة تقول ( هذه الدار للبيع )

عارف     :  ( وهو يساعده ) لاتبعها يا أبى !! ( وهو يختنق بالبكاء )

جبريل     :  للضرورة أحكام يا ولدى !!

غازي     :  ( يقف ملتصقا بالجدار يراقب ما يحدث ) أخيرا .. أخيرا سلمت يا جبريل ؟ كنت

               عنيدا..أتعبتنى .. أحرقت حانوتك ، وماتت زوجك كمدا عليه ؛ لأجل هذه

              اللافتة .. هاها .. جاء سعدك ياغازى.. يا تاجر التحف والتذكارات ..بل قل

               لص التحف والتذكارات هاهاها

جار1     :  ( يقبل الجيران ) لم يا جبريل ؟ هل قصرنا معك ؟

جبريل    :   ( يترك ما بيده ) أنتم .. يعلم الله !!

جار 2    :  لا تفعل يا أبا عارف .. نحن أولى بك !!

جبريل    :   إذن ليشتريها أحدكم .. هيه ليشتريها أحدكم !!

جار1    :   وما العمل يا رجال ؟

جار3    :   يبدو أن جبريل مصر .. وأنا كما تعلمون مدين لغازي التاجر !!

جار2    :   ما باليد حيلة !!

جار3    :   ليتنا كنا نملك ثمنها .. ليتنا !!

جار1    :   يا أبا عارف ؛ فلتنتظر قليلا .. ربما .....

جبريل   :    ( يقاطعه ) والبطون لا تنتظر يا إبراهيم .. لا تنتظر .. وأنا ما تعودت البطالة

جار2    :   يا رجل ؟!

جار3  :     أنت تعقد الأمور .. هيا يا رجال .. سوف نحاول .. وسوف نعود ومعنا الحل

              بإذن الله  ( ينصرفون )

جبريل  :( يجلس حزينا أمام الباب ) ديوني أصبحت ثقيلة .. ولا يمكن أن تستمر الحال على

           هذا الوضع .. لابد من التصرف .. الأولاد ينامون على لحم بطونهم .. ماذا

           تعنى دار؛ إلا مجموعة من الحجارة و الأخشاب .. أستطيع أن أبتنى دارا أخرى

           عندما تتحسن صحتي .. وأجد عملا . نعم أستطيع ( يقبل غازي مثل ثعلب ..

           يتوقف أمام جبريل وهو لا يخفى فرحته )

غازي  :  آه ..جاءتك الفرصة يا غازي .. هذه الدار التي تمنيت أن تتملكها . ظللت سنين

          طويلة تحلم بها ؛ لتضيفها إلى كنوزك وتذكاراتك .سوف يفرح أحبائي عندما يصلهم

         الخبر بالحمام الزاجل ( إلى جبريل ) هيه يا جبريل .هل فكرت فيما عرضته عليك ؟

جبريل :( ينظر إليه بكراهية سرعان ما تنكسر نظراته ) أهلا وسهلا

غازي  : أقول لك .. هل فكرت فى عرضي لك ؟

جبريل  : هيه ( يقف .. يتحرك صامتا )

غازي  : لن تجد عرضا أفضل .. عرضي سخي .. هيه .. ماذا قلت ؟

جبريل  :   نعم نعم ( وهو منكس الرأس )

غازي   :  فلم التردد .. لا تتردد هيا انه الأمر !!

جبريل   :  أليس من حق الجيران عرض الأمر عليهم ؟

غازي   :  الجيران .. وهل أنا غريب يا رجل ؟ و على كل حال الجار أولى الشفاعة !!

جبريل  :( لنفسه) ومن يستطيع غيرك وقد داينت الجميع ( لغازي ) قبلت..قبلت عرضك

           يا غازي !

غازي  : ( متهللا ) يا رجل .. ولم الحزن ؟ هيا نكتب عقدا ( يجذبه ) هيا

جبريل  :   ( يخلص نفسه ) لا .. اذهب أنت .. وأحضر كاتبا وشهودا !!

غازي   : أمرك .. لن أغيب .. لن أغيب .. حالا وفى سرعة الريح ( يسرع )

جبريل  : نعم لا مفر .. سوف يصلح ثمنها كل شىء ..ثياب جديدة للأولاد ..طعام طيب

         .. وقليل من البضائع حتى تستقيم الحال..نعم .لكن هذا الرجل شرير يا جبريل ..

           ووضيع .. وسوف يزيل ما عليها من نقوش جميلة..نعم ..سوف يبدل ما تحمل

           من معالم ..لا يهم يا جبريل ..لايهم ..جاءت أو راحت هي دار ..المهم الأولاد

           ....الأولاد أولا .. الأولاد قبل الدار والتراب .. نعم !!

 

 

                                                إ ظـلام

المشهد الثالث
الإضاءة مركزة على جبريل فى مكان لم تتحدد ملامحه فهو مظلم
جبريل   :  يا ربى .. ما هذا الأرق .. ما سببه ؟ تيسرت الأحوال ، أصبحنا نعيش مثل بقية

            خلق الله ، وثمن الدار كما هو .. بل في زيادة .. يا ربى  . الرحمة . إني أكاد

            أسقط من التعب وطول السهر !! ما الذي يحدث لى ؟ الأشباح تهاجمني .. و

            كوابيس فى الليل وفى النهار تدبدب على صدري .. وفى رأسي ( سمع صوتا )

            لمن هذا الصوت

الصوت  : بعتنا يا جبريل .. بعت عز أهلك وجدودك !!

جبريل  :   هذا .. نعم .. هو صوت جدي .. لا .. لا يا جدي .. لم أبعك .. لم أبعك

الصوت :   هانت عليك الدار .. هل تعرف .. شافت الدار عزا ومجدا .. فيها تزوجت

             جدتك .. كانت هذه قلعة .. يجتمع فيها رجال المقاومة .. أيام التتار و

            الصليبيين .. وفيها استقبلنا صلاح الدين !!

جبريل  :   لا .. لا يا جدي .. سوف أستردها .. سوف أستردها !!

الصوت :   لابد يا جبريل .. وإلا أصبحت نبتا شيطانيا تدوسك الأقدام !!

جبريل  :  لا .. لا .. سوف أذهب من فوري إلى الحاكم .. نعم .. سوف أذهب إليه حالا

          ( يضاء المسرح في منزل حاكم الإقليم الذي جلس يتحدث إلى غازي التاجر .. بينما

           جبريل ينتظر ما تسفر عنه المحاولة )

الحاكم  :   لقد باعك جبريل داره بسبب شدة ألمت به ، وهو كثير التعلق بهذه الدار ، وهو

          يعف أن ينقض عهدك ، ويرد إليك مالك مضافا إليه الأرباح .. فما هو ردك !!

غازي  :   لا أستطيع يا سيدي الحاكم .. إنني أخشى اكتشاف تعلقي بها بعد ردها !!

الحاكم  :  يا رجل ..إنها لا تعنى لديك شيئا أيها التاجر . هذه مجرد دار ، وأنت تملك الكثير

          .. أما جبريل فتعنى لديه الكثير !!

غازي :  وإنها تعنى لى الكثير ؛ فلا ترغمني على ردها يا سيدي !!

جبريل : ( لنفسه ) و إلا أصبحت نبتا شيطانيا تدوسك الأقدام ( يتجه صوب غازي ) أرجوك

           يا سيد غازي .. خذ ما تريد .. و أعد لي دارى ..أنا لا أنام .. أرجوك ..

           أرجوك !!

غازي  :  وهل أرغمتك على بيعها يا رجل ؟

جبريل  : عوضك الله عنها خيرا .. أرجوك .. خذ ما تريد !!

غازي  :  لن أفرط فيها ما حييت ؛ ليأذن لى سيدي الحاكم بالانصراف ؟

الحاكم  : ( غاضبا ) تفضل يا سيد ( ينصرف غازي ) إن الدار لا تحمل لهذا الرجل ذكرى ما ؛

           فلم يتمسك بها؛ رغم كثرة مالديه من دور؟ الأمر يحتاج إلى بحث وتقص..ياحاجب

الحاجب : ( يدخل ) سيدي الحاكم !!

الحاكم  : أريد كبير البصاصين فورا . لا تقلق يا جبريل .. لا تقلق !!

جبريل  : لا فائدة .. تنصل الرجل للمرة الثانية .. ورفض .. وتركني للراحلين ينغصون

           على عيشي ليل نهار !!

الحاكم :  فلتبن لك دارا أخرى !!

جبريل :  هذه الدار يا سيدي هي كل ثروتي .. وثروة أولادي .. ليست الحجارة و لا

          الأخشاب.. بل التراب والرائحة والتاريخ !!

الحاكم : هل اكتشفت أن بها كنزا يا جبريل ؟

جبريل :  بل كنزا أغلى من كل كنوز العالم يا سيدي !!

الحاكم :  لكنك بعتها بما فيها .. وما عليها يا جبريل ؛ وليس لك حق استرداد شيء منها !!

جبريل :  سيدي ( يبكى ) لقد بعت ما ليس ملكا لي وحدي ؛ فلتسجنني على فعلتي وتسقط

          البيع

الحاكم :  أليست الدار دارك يا رجل ؟

جبريل :  حسب القوانين والحجج هي دارى بلا منازع .. ولكن أرجوك يا سيدي .. أعد لي

          دارى .. أعد لى دارى !!

 

                                                 إ ظـلام

المشهد الرابع
الإضاءة مركزة على جبريل .. المكان من حوله غير واضح المعالم !!
جبريل :  يا جبريل .. فرطت فى كنزك ، الدار تحمل فى كل حجر من حجارتها قطرة عرق

           وقطرة دم ، وبعضا من روح أسلافك .. كل ركن فيها له رائحة الأشياء التي يجب

           أن تورثها لأولاد .. هل تجد هذه الأشياء فى دنانيرك .. فى دارك الجديدة ..فى

           أولادك !!

          ( يضاء المسرح فى دار الحاكم ، وقد اجتمع كبار الشيوخ و حاكم الإقليم وغازي

          التاجر )

الحاكم : أهلا يا سيد غازي .. هاهم كبار رجال البلدة وشيوخها .. لابد من حل لهذه

          المشكلة !!

غازي : سيدي الحاكم .. أنت تحملني على ترك دارى !!

الحاكم : يا رجل .. اتركها .. واشتر غيرها !!

غازي  :  لا أستطيع ياسيدى .. لا أستطيع . إن جدودي رفعوا بنيانها حجرا فوق حجر ،

          وحاربوا لأجل أن تظل لهم ( يخرج كتابا ويقدمه للحاكم ) انظر يا سيدي .. هاهو

          دليلي على صحة كلامي !!

جبريل :  ( ينتفض مفزوعا ) أنت تماطل ، وتسرف فى الكذب !!

رجل   :  تماسك يا جبريل

رجل2 :  أهذا آخر كلام لديك يا غازي ؟

غازي  :  نعم .. ولن أتراجع فيه !!

رجل2 :  يا سيد غازي !!

غازي  :  أرجوكم يا سادة .. لا إكراه ولا عدوان !!

جبريل :  ( فجأة يلقى بنفسه من النافذة )

الحاكم  : ( مفزوعا ) يا مجنون .. ماذا تفعل ؟

الرجال :  ضاع الرجل .. ضاع الرجل

الحاكم  :  أسعفوا الرجل .. هيا هيا جميعا ( يتحركون لنجدة الرجل – يتحرك الحاكم بعصبية

            –  يقبلون وهم يحملون الرجل )

رجل1 :  بعض خدوش وجروح .. الحمد لله

رجل2 :  لم نكن نتصور أنك تحب دارك كل هذا الحب !

رجل3 :  حمدا لله على نجاتك يارجل

الحاكم : هيه ( يزوم ) لقد دلل جبريل على حبه وارتباطه بداره ؛ فلم لا تفعل مثله يا سيد

          غازي ؛ لنتأكد من صدق حبك لدارك ؟

غازي : أننننا . أنا . أستطيع شراء رجال يموتون من أجل هذه الدار .. أما أنا .. أنا

          لست مجنونا حتى أفعل مثله !!

الحاكم : ( ثائرا ) تريدها حربا إذن ؟

غازي  : لن أفرط فى هذه الدار يا سيدي .. إنها تحمل تراث أجدادي ونسبى .. سوف أدلل

          على حبي لها بمالي كله .. وأولادي كلهم .. إذا لزم الأمر !!

الحاكم :   يا رجل .. ألا تر !! كاد الرجل يموت لأجل داره .. وهو مصر . وسوف يظل

           مصرا ، وسيفعلها مائة مرة .وسيفعل أولاده مثلما فعل ، وأحفاده أيضا ؛ فإلى متى

           سوف تتحمل أنت ؟

            الدار لا تمثل شيئا لديك حتى وإن صنعت لها تاريخا ملفقا .. خذ مالك ، وأعد

             للرجل داره ؛ وإلا لن أتركك ترحل من هنا حتى تفعل مثلما فعل !!

غازي  : ( يتحرك ساهما ) إذا فعلت مثله ربما لا ينجيني الله مثلما نجاه ، وأموت لأجل دار

            هي  مجرد حجارة وأخشاب ،لا تعنى سوى كونها دارا ( يسمع هاتفا : أريدها

             خاضعة ذليلة .. انهب.. اقتل .. دمر .. تكن لك السيادة ) 

الحاجب   : ( يدخل ) مولاي الحاكم .. كبير البصاصين بالباب !!

الحاكم    :  دعه يدخل !!

غازي    : ( يستشعر خطرا )لا بد من التراجع ؛ وإلا ضعت يا كتخدا

البصاص: ( يدخل كبير البصاصين .. يتقدم .. يسر فى أذن الحاكم )

الحاكم   : ( يهز رأسه ) هيه !!

البصاص : وهذه هي المعلومات التي جمعتها يا سيدي ( يقدم له أوراقا )

الحاكم   :  هاتها .. انتظرني فى الخارج ( يخرج كبير البصاصين )

غازي   : ( الحاكم يدور حوله متفرسا ) لقد نزلت على رغبة مولاي .. ها أنا ذا أعيد الدار

            للسيد جبريل !!

الحاكم  :  هيه .. وبعد ؟

غازي  :  أي والله أعيدها !!

الحاكم  : ( بغضب ) بل تعيد كل ما تملك ، وترحل عن بلادنا فورا .. ترحل .. لا .. لا

           رحيل .. بل موت .. شنق .. صلب !!

غازي  :   سيدي .. ماذا تقول ؟

الحاكم  :  لو كنت رضخت لإرادتي أول الأمر ما انكشف سترك ؛ لكن شيطانك أغراك ؛

           فأوقعك فى شر أعمالك ( الرجال يقفون فى دهشة ) الاسم : كتخدا .. أتى إلى

           بلادنا مع والده كسمسار مفوضا من قبل جماعة تعيش على حدود السلطنة شعارها

           : اقتل .. انهب .. دمر .. تسد !!

جبريل :  سيدي .. هل هو الـ ......

الحاكم  : نعم أيها الرجل الطيب .. هو من حرق دكانتك .. وأفقدك زوجك ( ينادى )

          ياحاجب.. يسلم هذا الرجل للقاضي ..ليحاكم ، وتعود أملاكه إلى أصحابها فورا !!

الحاجب: سمعا وطاعة يامولاى ( يتقدم به للخارج )

غازى  : ( وهو يخرج ) غدا ينجح أحفادي وأولادي فيما فشلت فيه ..المنظمة مصممة ،

            وأحلامها تعانق أحلام أوربا المقهورة ..لعنة الله على الفرس والعرب والأتراك !!

الحاكم  : كان درسا .. أرجو ألا تنساه يا جبريل ..احكه لأولادك .. للناس .. كل الناس

             حتى لا ينخدعون فى أمثاله .. إنه شيطان من شياطين جدد يريدون بلادنا مهما

             كان الثمن .. لهم جنودهم وأموالهم ومؤيدوهم !!

جبريل  : نعم يا سيدي .. كان درسا قاسيا ؛ فالدار وطن ؛ والوطن تاريخ وتراث وأمجاد

            وبشر ؛ وأرض كالعرض يجب أن يصان !!

الحاجب: ( يدخل ) مولاى الحاكم .. رسول عظمة السلطان يطلب الإذن بالمثول .

الحاكم  : أذنا له على الرحب و السعة ( وهو يقف وقد تغير وجهه )

الرسول: ( بينما يخرج الحاجب بعد تقديمه ) مولاى حاكم الولاية .

الحاكم  : أهلا بك فى بيتك وبين أهلك !

الرسول : أرسلني السلطان على وجه السرعة لأمر جلل !

الحاكم  : هات ما عندك أيها الرسول !

الرسول : لقد وصل إلى علم السلطان ما يتم هنا ، وهو يأمركم بالتوقف ، و عدم التعرض

           للسيد غازي ، و عدم إكراهه على ما لا يريد ، و إلا كان له شأن آخر ( يقدم له

           قرطاسا ) وهذا أمر جلا لته ( يتجمد المشهد بذهول كل الحضور وتنزل أغنية تعبر

           عن الموقف وتترجم مسار العمل )

ستار 


الشخصيات:


ـ بـيث: (الزوجة) إمرأة في أواخر الأربعينات من عمرها.


ـ داف: (الزوج) رجل في أواخر الخمسينات من عمره.

 

المكان:


مطبخ في منزل ريفي. طاولة طعام طويلة.


بـيث تجلس على كرسي ذو ذراعين في الزاوية اليسرى من الطاولة.


داف يجلس على كرسي عادي في الزاوية اليمنى من تلك الطاولة.


الخلفية تتكون من مغسلة وموقد ..الخ. ونافذة معتمة.

 

الوقت: مساء

 (ملاحظة): داف يتحدث مع بـيث بشكل عادي لكن لا يبدو عليه أنه يسمع صوتها. بـيث لاتنظر نحو داف مطلقاً، ولا يبدو عليها أنها تسمع صوته. الشخصيتان تجلسان بإسترخاء دون أي إحساس بالقساوة أو الصرامة.
بـيث:  آه كم أحب الوقوف قرب البحر.
   (وقفة)
كثيراً ما كنت أذهب إلى البحر، لأن ثمة شيء ما كان يشدني إليه.
نعم، لقد ذهبت إلى هناك مرات ومرات ومرات.
  (وقفة)
سأقف عند الشاطىء فالهواء منعش هناك، دافىء وسط تلال الرمل تلك، عذب، عذب جداً هواء الشاطىء. آه كم أحببته.
  (وقفة)
  كان هناك جمع كبير من الناس...
  (وقفة)
وهم يندفعون نحو البحر. جمع من الرجال وهم يتجهون نحو شاطىء البحر.
  (وقفة)
حين نهضت لأتمشى على الشاطىء كان هو ينام وسط الرمل.
و لكنني حالما إستدرت أدار جسده وتطلع نحوي.. آه، كم كان جميلاً ولذيذاً وهو يغفو. جفونه. سُرّته...
(وقفة)
هل تحبّ الأطفال؟.. قلتُ. هل تحب أن أنجب لك طفلاً؟ هه؟
(وقفة)
إستدارت إمرأتان وتطلعتا نحوي.
(وقفة)
طفلنا؟ قلت، هل تحب أن...؟
(وقفة)
إستدارت المرأتان ثانية وظلتا تتطلعان نحوي. كلا، كلا. أنا التي إستدرت. لقد كانتا واقفتان وأنا أمشي.
(وقفة)
لماذا تنظران إليّ؟
(وقفة )
لا، لا، لم أقل ذلك، كنت فقط أنظر نحوهن.
 (وقفة)
أنا جميلة.
(وقفة)
عدتُ ثانية بإتجاه تل الرمل وكان هو مستديراً نحو الجهة الأخرى.
أصابع قدميه كانت مدفونة في الرمل ورأسه كان بين ذراعيه.
داف:  هرب الكلب، ولم أخبرك بذلك.
  (وقفة)
إحتميت أمس تحت شجرة لعشرين دقيقة بسبب المطر.. مع جمع من الشبان.. وكنت أريد أن أخبرك بذلك.
(وقفة)
لم أكن أعرفهم من قبل.
(وقفة)
وبعد أن خفتّ زخات المطر إتجهتُ نحو البحيرة. فجأة، شعرت بقطرتين كبيرتين تسقطان على طرف أنفي.
من حسن الحظ أنني كنت على بعد ياردات من السقيفة. هناك جلست.. وكنت أريد أن أخبرك بذلك.
(وقفة)
هل تتذكرين كيف كان الطقس أمس؟ مارأيك بهطول المطر؟
بـيث:  لقد شعر بظلي. رفع عينيه إلى الأعلى وتطلعّ إليّ وأنا واقفة فوقه.
داف:  كان عليّ أن أجلب قليلاً من الخبز لأطعام الطيور.
بـيث:   الرمال فوق ذراعيه.
داف:  لقد صاروا يتقافزون حين رأوني وأثاروا ضجة...
بـيث:  إستلقيتُ قربه دون أن ألمسه.
داف: لم يكن أحد في السقيفة. كان هناك رجل وإمرأة يجلسان تحت الأشجار في الجانب الآخر من البحيرة. بقيت جالساً في مكاني لأنني لم أكن أحب أن تبتل ثيابي.
 (وقفة) 
 آه، نسيتُ أن أخبرك أن الكلب كان معي.
 (وقفة)
بـيث: هل كانتا تعرفاني؟
أنا لا أتذكر وجهيهما ولم أرهما من قبل. إنني لا أعرفهما.
لماذا إذاً كانتا تنظران إليّ؟
لم يكن ثمة شيء يثير الدهشة أو الأستغراب فيّ. لم يكن هناك شيء غريب في هيئتي. كنتُ.. كنتُ مثل الأخريات.
داف:  لم يمانع الكلب بالطبع من أن أطعم الطيور. على أية حال، ما أن دخلنا الـسقيفة حتى غفا. لكنه حتى لو كان مستيقظاً لـ...
 (وقفة)
بـيث: حين أخرج من عربة أو باب أو أهبط درجات سّلم كان الجميع يمسك ذراعي برفق وخفة.. الجميع دون إستثناء.
حين كانوا يتحسسون عنقي من الخلف أو يلامسون يدي كانوا يفعلون ذلك بنعومة ورّقة. جميعهم دون إستثناء... بإستثناء...
داف: أتذكرين كيف كان المكان مليء بالبراز على طول الممرات وقرب البحيرة. براز كلاب وذروق بّط وو... لقد كانت هناك كل أنواع البراز... وعلى طول الممرات.
لم يستطع ماء المطر إزالة آثاره أو رائحته، بل العكس، فقد جعل صورته مّضلِلة أكثر.
 (وقفة)
 لم أستطع إطعام البط فقد كانوا بعيدين يحّطون هناك فوق جزيرتهم وسط البحيرة. لم أستطع سوى إطعام العصافير.
بـيث: بإمكاني الوقوف هناك الآن. بوسعي أن أكون مثلما كنت من قبل. أرتدي ثيابي بشكل مغاير، فأنا مازلت جميلة.
 (صمت)
داف:  ينبغي عليكِ أن تأتي معي ذات يوم لنذهب إلى تلك البحيرة.. ومعك بعض الخبز. لا شيء يمكنه أن يمنعك من ذلك. نعم.
 (وقفة)
بـيث:  حينما ذهبت لأسقي الزهور نهض وصار يتطلع إليّ يرقبني كيف أرتبّ تلك الزهور. إنها قوة جاذبيتكِ، قال.
كنتُ كئيبة جداً وأنا أتأمل تلك الزهور.
سأذهب لأسقيها وأرتبهّا، قلتْ.
 ظلّ يتابعني وينظر نحوي وهو يقف على مسافة مني.
وحين إنتهيت من ذلك، بقيتُ واقفة.
أحسسته يمشي نحوي. لم يلمسني. كنت فقط أصغي إلى خطواته وأتطلع نحو الزهور بيضاء وحمراء في المزهرية.
 (وقفة)
 بعدها لمسني.
 (وقفة)
 لامس عنقي من الخلف برفق. تسللتْ أصابعه برّقة بين شعري ولامست عنقي بخفة. 
داف: حين توقف المطر إلتفتُ حولي فإذا بالرجل والمرأة قد غادرا المكان ولم يبق في المتنزه أحد سواي.
بـيث: كنت أرتدي ثوبي الأبيض. رداء الشاطىء فقط ولم أكن أرتدي شيء تحته.
 (وقفة)
 لم يكن أحد على الشاطىء سوى رجل واحد كان يجلس بعيداً، بعيداً جداً، عند حاجز الأمواج. ورغم أنه الوحيد على الشاطىء إلا أنه كان يبدو صغيراً جداً تحت الشمس، ولم أكن أستطع رؤيته إلا حين أقف، أو أتسلق تل الرمل. وحينما إستلقيت، لم أعد أراه، ولم يستطع هو أن يراني أيضاً.
 (وقفة)
 ربما كنتُ مخطئة. لا أعرف. ربما كان الشاطىء خالياً، أو ربما لم يكن هناك أحد على الأطلاق.
 (وقفة)
 لم يستطع أن يراني على أية حال، ولم ينهض مطلقاً من مكانه.
 (وقفة)
 إنكَ تغفو بشكل لذيذ، قلتُ له.
لم أكن حمقاء في تلك اللحظة، فقد إستلقيت بهدوء إلى جانبه.
 (صمت)
داف: على أية حال...
بـيث: كان جلدي...
داف: إنني أنام نوماً عميقاً هذه الأيام.
بـيث: ... يوخزني.
داف:  طوال الليل, هكذا وفي كل ليلة.
بـيث: كنتُ هناك عند البحر.
داف: يمكنكِ أن تشغلي نفسك بصيد الأسماك مثلاً، أو أن تحصلي على المزيد من المعلومات عن عالم الأسماك.
بـيث: كنت أتألم لوحدي عند الشاطىء.
داف: الأسماك مخلوقات خجولة خائفة وحذرة جداً، لذا ينبغي عليك التودّد إليها وعدم إثارتها أو إرباكها.
بـيث: كنت أخمن أن ثمة فندقاً قريباً يمكننا أن نتناول فيه بعض الشاي.
 (صمت)
داف: على أي حال... كنت محظوظاً حين غادرت المكان، فقد كانت بعض الحانات ماتزال مفتوحة.
 (وقفة)
 لذا فكرت أن اذهب إلى إحداها لأتناول قدحاً من البيرة، وقد كنت أريد أن أخبرك بذلك.
هناك قابلتُ شخصاً مجنوناً. قبلها كنت أتحدث مع صاحب الحانة، فهو يعرفني. وبعدها دخل ذلك المجنون. نعم، ثم طلب قدحاً من البيرة. وبعد ذلك بقليل بدأ يحرك شفتيه ولسانه ويتلفت يمنة ويسرة وهو يتذمر من البيرة. أما أنا فلم أستطع تحمّل الموقف. نعم.
بـيث: بعدها فكرّت.. ربما سيكون بار الفندق مفتوحاً.. عند ذاك سنجلس هناك وسيجلب لي شراباً.
ماذا سأطلب؟ ولكن، ماذا هو سيطلب؟ ماذا يحب هو؟ ينبغي عليّ أن أسمعه يقول ذلك. أن أسمع صوته. سيسألني حتماً أولاً ماذا أحب أن أشرب، وبعدها سيطلب شراباً لنا نحن الأثنين. لكن ينبغي أن أسمعه يقول ذلك.
داف: هذه بيرة أم بَول؟ إنها لاتطاق، قال الرجل..
بالعكس قلتْ. إنها لذيذة وجيدة، نعم، هكذا قلت.
 قلت لك أنها بَول.. بَول، قال.
لكنها أفضل بيرة في المنطقة، قلتُ.
كلا، كلا. قالْ، إنها بَول.
رفع صاحب الحانة قدحاً كبيراً وملأه بالبيرة ثم إرتشف جرعة كبيرة منه. لذيذة، قال.
لابد إذاً أن أحداً ما إرتكب حماقة هنا. نعم، لابد أن أحداً ما تبوّل في هذا القدح بدلاً من أن يذهب إلى المرحاض. قال المجنون. 
 (وقفة)
 قذف صاحب الحانة نصف كراون(**) على الطاولة وطلب منه أن يأخذه.
آه، لكن سعر القدح بشلنين وليس لديّ فكة لأعيد لك الباقي، قال المجنون... ثم أضاف بعدها بقليل: حسناً، حسناً، سآخذه، لكنني سأبقى مديناً لك بثلاث بنسات في هذه الحال.
أعطها لأبنك هدية مني. أجاب صاحب الحانة.
ليس لدي إبن، أجابه الرجل.. ليس لديّ أطفال على الأطلاق.
أنا واثق من ذلك، بل أراهن أنك لست متزوجاً حتى، قال صاحب الحانة.
نعم، لست متزوجاً وليست هناك إمرأة تقبل أن تتزوجني.
 (وقفة)
 بعدها سألنا ذلك المجنون إن كانت لدينا رغبة أن نشرب معه قدحاً من البيرة.
صاحب الحانة قال أنه سيشرب قدحاً. أما أنا فلم أجبه في البدء، لكنه إقترب مني وقال: إشرب قدحاً معي.. إشرب معي قدحاً.
 (وقفة)
أخرج عشرة شلنات ووضعها على الطاولة وقال أنه يريد قدحاً من البيرة هو أيضاً.
(صمت)
بـيـث: نهضتْ وسرتُ بإتجاه الشاطىء ثم دخلت الماء. لم أسبح لأنني لاأجيد العوم.
لقد تركت الموج يندفع نحوي فغفوت فوق الماء.
كانت الأمواج خفيفة جداً وناعمة وهي تلامس عنقي من الخلف.
 ( صمت) 
داف: يوماً ما حين يكون الطقس جيداً بوسعكِ الخروج إلى الحديقة لتجلسي هناك. الهواء نقي في الحديقة. إنني أذهب إلى هناك دائماً. الكلب يحّب ذلك.
 ( وقفة)
لقد زرعتُ بعض الزهور. سيسركِ جداً رؤية تلك الزهور.
بإمكانك أن تقطفي بعضاً منها وجلبها إلى هنا إن أحببت. لن يراك أحد فلا يوجد أحد هناك على الأطلاق.
(وقفة)
نحن محظوظان جداً ياعزيزتي لأننا نعيش هنا بسلام وإطمئنان في منزل السيد سايكس دون أن يزعجنا أحد.
فكرّت مرة بدعوة شخص أو شخصين ممن أعرفهم من أهالي القرية إلى هنا على قليل من الشراب لكنني غيرّت رأيي في اللحظة الأخيرة لأنني أحسست أن ذلك ليس ضرورياً.
(وقفة)
أتعرفين ماذا سترين إذا خرجتِ إلى الحديقة؟.. سترين حشود من الفراشات. نعم.
بيـث:  تعريّت تماماً ثم إرتديت رداء الشاطىء.
لم يكن أحد على الشاطىء سوى رجل عجوز كان يجلس بعيد جداً عند حاجز الموج. إستلقيتُ إلى جانبه وهمستْ.
هل تريد طفلاً؟ طفل؟ طفلنا؟ سيكون جميلاً.
(وقفة)
داف: أتتذكرين المطر؟ ماذا كان رأيك بزخات المطر تلك؟
(وقفة)   
كان الشابان الذين قابلتهم تحت الشجرة أثناء الزخة الأولى يمرحان ويضحكان بالطبع. حاولت أن أصغي لهما لأعرف ما الذي يضحكهما، لكنني لم أستطع معرفة ذلك لأنهما كانا يتهامسان.
حاولت الأصغاء ثانية لأعرف النكتة.. لكن...
(وقفة)
على كل حال، لم أستطع أن أعرف في الآخِر.
(وقفة)
حينها تذكرتك.. نعم، تذكرتكِ حين كنتِ شابة. لقد كنتِ لاتحبين الضحك كثيراً. نعم، فقد كنتِ ... كئيبة.
(صمت)
بيـث: أخيراً عرفت لماذا إختار لي مكاناً نائياً ومقفراً كهذا. نعم، لقد إختاره لي خصيصاً كي أرسم بهدوء وأمان.
أخرجت قلم الرصاص من كراسة الرسم، إلا أنه لم يكن ثمة شيئاً لأرسمه. لاشيء سوى الشاطىء والبحر.
(وقفة)
أحببت أن أرسمه. لكنه لم يُرد ذلك. كان يضحك يضحك...
(وقفة)
فضحكت أنا معه أيضاً.
(وقفة)
كنت أرقبه وهو يضحك. بعدها إبتسمتُ وإستدرتْ. كان يوّد ملامسة ظهري.. أن يدير جسدي نحوه.
لقد أحببت أن أضحك معه قليلاً فضحكت.
(وقفة)
كان يضحك ويضحك ويضحك. نعم. لهذا السبب لم أستطع رسمه.
(صمت)
داف: لقد كنتِ في شبابك ربة بيت من الدرجة الأولى. نعم، أليس كذلك؟ وكنتُ فخوراً بك حقاً. نعم. لم تتذمري أو تعترضي يوماً على شيء قط، ولم تتشاجري أو تغضبي مطلقاً. كنتِ تنجزين عملك على أفضل وجه، وكان السيد سايكس يثق بك ويعول عليك. نعم، لم يكن قلقاً بشأن المنزل لأنه كان واثقاً من عنايتك به وإبقاءه بوضع جيد دائماً.
(وقفة)
هل تذكرين حين طلب مني مرة أخذه في تلك الرحلة؟ تلك الرحلة الطويلة إلى الشمال؟ آه. وهل تتذكري حين عدنا كيف عبرّ لك عن إمتنانه لقاء عنايتك الشديدة بالمنزل. نعم، فقد كان كل شيء يسير بدقة مثل عقارب الساعة.
(وقفة)
كنتِ مشتاقة إليّ أعرف ذلك. أتذكرّ أنني حين دخلتُ يومها هذه الغرفة وقفتِ أنت جامدة دون حراك. نعم.
كان عليً أن أقطع كل الطريق الطويل المؤدي إلى الطابق العلوي لأصل إليك. نعم.
(وقفة)
وحين وصلت لمستك برفق.
(وقفة)
كنت أود أن أخبرك بشيء حينها، أليس كذلك؟ لكنني إنتظرتْ، إنتظرتْ.. وبعدها.. بعدها لم أفعل ذلك. إلا أنني قررت أخيراً أن أخبرك، نعم قررت وفعلت ذلك في صباح اليوم التالي. أليس كذلك؟
(وقفة)
قلت لكِ يومها... أنني خذلتك... نعم، قلت لك أنني خنتك.. أنني لم أكن مخلصاً معك.
(وقفة )
لم تبكِ حينها. نعم.
خرجنا بعدها نتمشى لبعض الوقت حتى وصلنا البحيرة وكان الكلب معنا.
جلسنا قليلاً تحت الشجرة. لم أستطع حينها أن أفهم لماذا جلبت معك سلة المشتريات.
سألتك، ماذا في داخلها؟ لكنك لم تجيبي. 
في الآخِر ظهر أن في داخلها خبزاً. نعم، وصرت تطعمين البط.
بعدها جلسنا تحت الشجرة نتطلع معاً نحو البحيرة.
(وقفة)
وعندما عدنا ودخلنا هذه الغرفة وضعتِ كفيك فوق وجهي وقبلتِني.
بـيث:  لم أكن أريد حقاً أن أشرب.
  (وقفة)
رسمت وجهاً فوق الرمل وبعده جسداً، وكان جسد إمرأة. ثم رسمت بعد ذلك جسد رجل قريب من جسد تلك المرأة من دون أن يتلامسا.
كانا لايشبهان البشر.. لا يشبهان أي شيء.
فجأة، تطاير الرمل فإمتزجت خطوط الجسدين وغامت الحدود بينهما، فزحفتُ نحوه ووضعت رأسي فوق ذراعه ثم دفنت وجهي في وجهه وأغمضت عينيّ وأطفأتُ الضوء.
 ( صمت)
داف: لقد أحّبنا السيد سايكس وأعجب بنا فوراً بعد مقابلته الأولى لنا، ها؟
 (وقفة)
 قال: أحسّ أنكما ستشكلان فريق عمل رائع في هذا المنزل. هه، هل تتذكرين ذلك؟ وهذا ما برهّنا عليه حقاً، فقد كنت أجيد السياقة بشكل ممتاز، ليس هذا حسب، بل كنت ألمع له حذائه أيضاً.. هاهاهاها. كان بوسعي القيام بأي شيء، أي شيء، أي عمل كان من أجل العيش. نعم.
أما هو فلم يكن ينقصه شيء، لاشيء على الأطلاق. أتذكرين كيف كان وحيداً وكئيباً؟ أتعرفين أنه كان لوطياً؟
 (وقفة)
 لم أشعر بأية شفقة نحوه مطلقاً لأنه كان وحيداً. كلا.
  (وقفة)
 أما الفستان الأزرق الذي إنتقاه لكِ حينها لترتدينه في المنزل فقد كان ذلك لطفاً منه حقاً، على الرغم من إنه فعل ذلك من أجل مصلحته الشخصية بالطبع. نعم، لكي تعتني ببيته وضيوفه. أليس كذلك؟
بـيث: حرك جسده وسط الرمل وإقترب مني ووضع ذراعه حول خاصرتي.
 (صمت)
داف: هل تحبين أن أتحدث معك؟
 (وقفة )
 هل تريدين أن أبوح لك بكل تلك الأشياء التي فعلتها؟
 (وقفة)
 والأشياء التي كنت أفكر بها؟
 (وقفة)
 أظن أنك تحبين ذلك، هه؟
بـيث: ثم عانقني.
 (صمت)
داف: كان من مصلحته الشخصية طبعاً أن يراك وأنت ترتدين فستاناً جذاباً في منزله وذلك لكي تتركي إنطباعاً جيداً لدى ضيوفه.
بـيث: ركبتُ الباص ونزلت عند تقاطع الطرق.. ثم دخلت الزقاق القريب من الكنيسة. كان كل شيء هادئاً جداً إلا من زقزقات الطيور. لم يكن هناك سوى رجل عجوز كان منحنياً يعبث بمرمى ملعب الكرْيكِيت.
وقفت حينها تحت شجرة لأتفادى حرارة الشمس.
 (وقفة)
 فجأة سمعت صوت سيارة. توقفت السيارة ما أن رآني فتسمّرتُ في مكاني. تحركتْ السيارة ثانية وإتجهتْ نحوي ببطء، فتقدمتُ نحوها وسط الغبار. لم أستطع رؤيته بسبب إنعكاسات ضوء الشمس، أما هو فقد كان يتطلع نحوي.
حين إقتربت من باب السيارة كانت الباب مغلقة. تطلعتُ إليه عبر الزجاج فإنحنى وفتح لي الباب، فدخلت وجلست إلى جنبه.
إبتسم لي ورجع فجأة بنا إلى الخلف بحركة واحدة سريعة جداً إجتزنا خلالها الزقاق وتقاطع الطرق ثم إتجهنا نحو البحر.
 (وقفة)
داف: كنا موضع حسد الكثيرين من الناس لأننا نعيش لوحدنا في هذا المنزل الكبير. إنه كبير جداً لشخصين حقاً.
بـيث: قال أنه يعرف ساحلاً مهجوراً ونائياً جداً لايعرف به أحد في هذا العالم، وهو المكان الذي سنذهب إليه.
داف: كنتُ لطيفاً وحنوناً جداً معك ذلك اليوم. كنت أعرف أنك شعرت بإهانة حينها، لذا كنتُ حنوناً وعطوفاً معك.
أتذكر أنني مسكتك من ذراعك ونحن عائدين من البحيرة، فوضعتِ كفيكِ على وجهي وقبلتِني.
بـيث: الطعام الذي جلبته معي في حقيبتي طهوته بنفسي.. حتى الخبز أعددته بنفسي. 
  (وقفة)
كانت نوافذ السيارة مفتوحة غير أننا تركنا غطاءها مغلقاً.
داف: أقام السيد سايكس مأدبة عشاء صغيرة تلك الجمعة وقد إمتدحك كثيراً لقاء طهوك اللذيذ وخدماتك.
  (وقفة)
إمرأتان، إمرأتان فقط هما كل الحضور، ولم أراهما مطلقاً بعد ذلك. ربما كانتا أمه وأخته.
  (وقفة)
لقد طلبوا قهوة في ساعة متأخرة من الليل. كنت أشعر بالنعاس. فكرّتُ حينها أن أنزل إلى المطبخ لمساعدتك إلا أنني كنت متعباً جداً.
(وقفة)
إلا أنني إستيقظت حالما دخلتِ الفراش. كنتِ متعبة، متعبة جداً فغفوتِ فوراً حالما إستلقيتِ على السرير ووضعت رأسك على الوسادة.
بـيث: ماقاله كان صحيحاً، فقد كان الشاطىء مقفراً وخالياً من البشر.
(صمت)
داف: في اليوم التالي القيتُ نظرة على الطابق العلوي للمنزل وكنت أريد أن أخبرك بذلك. كان الغبار مزعجاً تماماً فقمنا أنا وأنت بمسح الغبار معاً.
 (وقفة)
 كان بوسعنا الصعود إلى غرفة الأستقبال وفتح النوافذ، وكان بإستطاعتي جلي الآنية القديمة لنحتسي كأساً هناك أنا وأنت في إحدى الليالي الرائقة.
 (وقفة)
 أحسست أن هناك عُثاً في المنزل وحين رفعت البساط عن الأرض تطاير العث في أرجاء المكان.
 (وقفة)
بـيث: حين أكبر لن أكون بالطبع كما أنا الآن. تنانيري.. سيقاني الطويلة.. سأشيخ يوماً ما حتماً ولن أبدو كما أنا الآن.
داف: أستطيع الآن في الأقل الذهاب إلى البار بسلام أو أخرج إلى البحيرة بأطمئنان دون أن يزعجني أو يضايقني أحد.
 (صمت)
بـيث: كل الذي تراه.. ُقلت ْ، ما هو إلا ضياء لمستك.. إشراقة حضورك.. رشاقة رقبتي.. بريق عينيك.. وهج الصمت، هو ما عنيتْ.
سحر زهوري.. يداي وهما تلمسان تلك الزهور هو ما عنيتْ.
  (وقفة)
 كنت أتطلع نحو بعض الناس هناك.
 (وقفة )
 كانت السيارات تزمّر وتزعق وهي تتخاطف كالبرق بالقرب مني، وكان فيها رجال تجلس إلى جانبهم فتيات يتقافزن أشبه بالدمى ويقأقئن كالدجاجات.
 (وقفة)
 كان الجميع يصرخ في بار الفندق. وكانت الفتيات يظهرن بشعورهن الطويلة مبتسمات.
داف: المهم في الأمر أننا الآن معاً. نعم، هذا هو المهم.
 (صمت)
بـيث: إستيقظتُ مبكراً لأن ثمة أشياءاً كثيرة كان ينبغي عليّ إنجازها. نعم، فقد كان علي أن أضع الصحون في المغسلة لتنقع، نعم، وقد أبقيتها طوال الليل في المغسلة ليسهل جليها في الصباح.
الكلاب إستيقظت من نومها هي الأخرى. أما هو فقد كان يتبعني في ذلك الصباح الضبابي القادم من النهر.
داف: كان ذلك اللوطي يجهل أي شيء عن أقبية البيرة ولايعرف خبرتي الطويلة في أقبية الخمور، لذلك إستطعت أن أتحدث معه بإسترخاء وثقة عالية، نعم، ثقة ناتجة عن خبرة عمل ومعرفة.
بـيث: فتحتُ الباب وخرجتْ. لم يكن هناك أحد. كانت الشمس مشرقة والبلل يغطي الأرض كلها.
داف: الشخص الذي يعمل في أقبية الخمور إنسان جدير بالثقة، نعم، لماذا؟ لأنه يتحمل مسؤولية كبرى. فأوّل ما ينبغي عليه القيام به حين يستيقظ مبكراً هو مساعدة سائق شاحنة نقل براميل البيرة لإنزالها إلى داخل القبو، وبعدها عليه فتح بوابة القبو وإدخال المزلقة ثم إنزال البراميل واحداً واحداً بواسطة حبل ووضعها على سكة لأنزالها إلى الداخل ووضعها على الرفوف. بعدها عليه هّز تلك البراميل من الأسفل بعد وضعها على حوافها مستخدماً ميزان ورافعة.
بـيث: كان الطقس مازال مضبباً، لكنه أكثر رقة وخفة.
داف: البرميل يكون عادة مغلقاً بسّدادة، لذا ينبغي ثقب تلك السّدادة بقوة ليدخل الهواء إلى داخل البرميل كي تتنفسه البيرة.
بـيث: البلل يملأ الهواء، والجو مشمس، والأشجار خفيفة، خفيفة مثل ريش الطيور.
داف: بعدها يجب ضرب الصنبور بقوة، بقوة.
بـيث: كنت أرتدي ثوبي الأزرق.
داف: وإبقاء البراميل منتصبة ثلاثة أيام ووضع أكياس رطبة فوقها.
 ينبغي غسل أرضية القبو يومياً. نعم كل يوم، وغسل البراميل كل يوم أيضا.
بـيث: كان صباحاً خريفياً عذباً.
داف: وفتح المياه نحو مضخات البار بواسطة الأنابيب.. يومياً.
بـيث: وقفتُ وسط الضباب.
داف: والآن عليك أن تسحب وتسحب وتسحب.. وفي اللحظة التي تصل فيها إلى الثـفل، عليك أن تتوقف عن السحب، نعم، لأن تلك الفضلات ستسبب لك إسهالاً. لكنك ستحصل على برميل ناقص في الآخِر ، نعم.
والآن أرجع البيرة التي إندلقت من الجوانب ثانية إلى ذلك البرميل وإبعثه إلى مصنع البيرة. هاهاهاها.
بيث: وقفتُ تحت الشمس.
داف: ولاتنسى أن تحرك البيرة بقضيب نحاسي كل يوم، نعم كل يوم، وأن تضبط المقادير حسب قياسات الغالون وتعلمّها بالطباشير. عظيم.
والآن كل شيء جاهز ومرتب مقنع وأنيق, ولن تتبول على نفسك مرة ثانية مطلقاً. هاهاهاها.
بـيث: بعدها عدتُ إلى المطبخ وجلست.
داف: إستغرب ذلك اللوطي لسماعه هذا، وقال أنه يسمع للمرة الأولى أن أرضية القبو تغسل. قال أنه كان يظن أن معظم اقبية البيرة تحوي على أجهزة للتبريد مثبّتة حرارياً وهي من يتحكم بكل شيء، وقال أنه كان يعتقد أيضاً أن البراميل الخشبية المعبئة بالبيرة يتم ضخها بالأوكسجين بواسطة إسطوانة. قلت له إنني لا أتحدث عن البراميل الخشبية أنما أتحدث عن بيرة طبيعية طازجة ُتضخ فوراً من البرميل. قال أنه كان يظن أن نقل البيرة يتم من الشاحنة مباشرة في حاويات معدنية عبر أنابيب. حسناً، قلت له، بإمكانهم أن يفعلوا ذلك، لكنك لم تتحدث عن نوعية البيرة. إنني أتحدث عن النوعية. المهم، وافقني الرأي أخيراً.
بـيث: جلس الكلب بقربي وصرت أمسّد شعره. تطلعت نحو الوادي من خلال النوافذ فرأيت الأطفال يتراكضون فوق العشب، ثم صعدوا بعدها إلى أعلى التل.
 (صمت طويل)
داف: لم أستطع رؤية وجهكِ مطلقاً. كنتِ تجلسين قرب النافذة في إحدى الليالي المعتمة وكان المطر يتساقط، يتساقط بغزارة.
كل ما أستطعت سماعه هو صوت قطرات الماء وهي تضرب الزجاج بقوة. كنتِ تعرفين أنني سأدخل، لكنك لم تتحركي.
جلستُ بالقرب منك. إلى ماذا كنت تنظرين؟
كان كل شيء معتماً في الخارج. لقد إستطعت رؤية ظلك فقط على النافذة، إنعكاس صورتك على الزجاج. كان ثمة ضوء ما حتماً في مكان ما. محتمل جداً أن يكون إنعكاس وجهك هو الذي كان يضيء أكثر من أي شيء آخر.
 جلستُ بالقرب منك، أما أنتِ فقد كنتِ مستغرقة في حلم، ربما.
جلستُ قربك دون أن ألمسك. ما أحسست به هو مؤخرتك فقط.
 (صمت)
بيث: كنت أتذكر على الدوام أن في الرسم ثمة مبادىء أساسية للضوء والظل، إلا أنني أحس إن من يقترح الظلال والضياء هو الفكرة دائماً. ما الظل إلا تجريد للضوء، قوام الظل يستوحى من شكل الفكرة ذاتها، لكن ليس دائماً، وليس بشكل مباشر بالطبع. إنه يتأثر بها بعض الأحيان لكن بشكل غير مباشر، وفي أحيان أخرى لايمكننا العثور أصلاً على أي مبرّر لتلك الظلال. 
 ( وقفة )
 إنني أشعر دائماً بالضجر حين أفكر بمبادىء الرسم تلك.
 (وقفة)
 لهذا السبب لم أضّل المسار ولم أضّل القلب مطلقاً.
داف: كنتِ ترتدين سلسلة حول خصرك. وفي تلك السلسلة كنت تحملين مفاتيح وكشتبان ودفتر ملاحظات وقلم رصاص ومقص.
 ( وقفة)
 كنت تجلسين في الردهة وأنت تقرعين الجرس.
 (وقفة )
 لماذا كنتِ تقرعين ذلك الجرس الملعون بحق الشيطان؟
 (وقفة)
جنون، جنون أن يقف الواحد في ردهة فارغة وهو يقرع هذا الجرس اللعين. لا يوجد أحد هناك كي يسمعه، نعم لا أحد، فليس ثمة أحد في البيت سواي.
أين الطعام؟ لاشيء، لاشيء في المطبخ. لايوجد أيّ شيء. لاوجود حتى لحساء أو فطيرة أو خضار، لاتوجد حتى قطعة لحم. اللعنة على الجميع.   
 (وقفة)
بـيث: نعم، لهذا السبب لم أضّل المسار مطلقاً. ومع ذلك وحتى حين طلبت منه أن يستدير لينظر إليّ لم أستطع رؤية نظرته.
 (وقفة)
 لم أستطع معرفة إن كان يتطلع نحوي أم لا.
(وقفة)
رغم أنه إستدار وبدا كما لو أنه ينظر إليّ.

داف: إنتزعتُ السلسلة من خصرك بقوة وأخرجت منها كل شيء، الكشتبان والمفاتيح والمقص ورميتهم على الأرض حتى صاروا يقرقعون. ثم إنتزعت الجرس ورفسته بقدمي هكذا، هكذا، فدخل الكلب.
ظننت أنك ستتقدمين نحوي وتستلقي بين ذراعيّ ثم تقبليّنني، بل فكرت أنك ربما ستدعوني إلى الفراش أيضاً.
 لقد أحببت مضاجعتك أمام الكلب، نعم، في حضرة الكلب، مثل رجل، وأنا أضرب الجرس بقوة على الأرض محذراً إياك خشية أن يقفز المقص أو الكشتبان ويدخلان بين فخذيك، هاهاها، ثم قلت لكِ بأن لاتقلقي فسأرميهما بعيداً ليتعقبهما الكلب، فسيشعر بالسرور وهو يداعب الكشتبان بين مخالبه. أما أنت فستتضرعين لي مثل كل إمرأة، نعم مثل أي إمرأة، وسأضرب الجرس على الأرض بقوة، نعم سأضربه بقوة، فإذا بحّ صوته وضعف رنينه، عندئذ سأعلقه ثانية في مكانه وأضاجعك أمامه وهو يتأرجح مقرقعاً ليوقظ النيام جميعاً، جميعاً يدعوهم لتناول العشاء، فالعشاء سيكون جاهزاً حتماً، وسأجلب لحم خنزير مقددّ، وسأضربك على رأسك الجميل محذراً الكلب من أن يبتلع الكشتبان و...
بـيث:  فإستلقى فوقي وتطلعّ نحوي. كان يسند كتفي بذراعيه فيما يدي تلامس نتوء ضلعه.
  (وقفة)
  رقيقة لمسَتهُ حول عنقي، ناعمة قبلته ُ على خدي. 
  (وقفة)
  حلوة حبيبات الرمل الصغيرة وهي تتراقص على جسدي.
  ( وقفة)
  السماء صامتة في عينيّ.
عذب ورقيق صوت المد والجزر.
  (وقفة)
  أوه، أنت حبي الحقيقي، قلتْ.

 

 النهاية

  هامش:
(*)  CONTEMPORARY CLASSICS: FABER& FABER LIMITED 1991:
 
Harold Pinter: Plays 3: LANDSCAPE (**) كراون: قطعة نقدية فضية بريطانية قديمة كانت تساوي حينها خمسة شلنات. 

قدّمت هذه المسرحية الرويال كور تياتر في لندن من إخراج الكاتب عام 1996، وبالفرنسية في باريس عام 1998.ديلين واقفاً، كأس في يده، ربيكا جالسة، صمت.
ربيكا: يعني، مثلاً... كان ينتصب أمامي ويضم قبضته. ثم كان يضع يده الأخرى على عنقي... ويشد... وكان يجذب رأسي نحوه. يفرك قبضته على فمي. ويقول: "قبلي قبضتي".
ديلين: وكنت تفعلين ذلك!
ربيكا: بالتأكيد. كنت أقبّل قبضته. أصابعه. ثم كان يفتح يده، يقدم لي كفه.، لأقبلها... فكنت أقبلها.(صمت)
ثم كنت أتكلم.
ديلين: وماذا كنت تقولين؟ كنتِ تقولين ماذا؟ ماذا كنت تقولين له؟(صمت)
ربيكا: كنت أقول "خذ عنقي بيدك". كنت أهمس ذلك عبر يده. وأنا أقبلها، لكنه كان يسمع صوتي، كان يسمعه عبر يدي، كان يحس صوتي في يده، كان يسمعه هنا.(صمت)
ديلين: وكان يفعل ذلك؟ كان يلف عنقك بيده؟
ربيكا: آه! بالطبع. كان يفعل ذلك؟ وكان يتركها هناك، بكل رفق، بكل رفق، برفق شديد. كان يعبدني، هل تفهم؟
ديلين: كان يعبدك؟(صمت)
ماذا يعني ذلك؟ إنه كان يعبدك؟ ماذا يعني ذلك؟(صمت)
تقصدين أنه لم يكن يضغط على رقبتك؟ أهذا ما تقصدين؟
ربيكا: كلا؟
ديلين: ماذا إذن؟ ماذا تقصدين؟
ربيكا: كان يضغط... قليلاً... على رقبتي، نعم. الى درجة أن رأسي كان ينقلب الى الوراء، برفق لكن بوضوح.
ديلين: وجسمك؟ الى أين يتحرّك جسمك؟
ربيكا: جسمي كان ينقلب الى الوراء، برفق لكن بوضوح.
ديلين: يعني أن ساقيك كانتا تنفرجان؟
ربيكا: نعم.(صمت)
ديلين: ساقاك كانتا تنفرجان؟
ربيكا: نعم.(صمت)
ديلين: تدركين بأنك منومة مغناطيسياً؟
ربيكا: متى؟
ديلين: في هذه اللحظة.
ربيكا: كلا.
ديلين: هذا ليس صحيحاً.
ربيكا: كلا.
ديلين: لِمَ لا؟
ربيكا: ممن.
ديلين: مني.
ربيكا: أنت؟
ديلين: في رأيك؟
ربيكا: في رأيي أنك خسيس.
ديلين: أنا خسيس؟ أنت تمزحين.
(ربيكا تبتسم)
ربيكا: أنا أمزح، أنت تمزح.(صمت)
ديلين: تعرفين لماذا أطرح عليك هذه الأسئلة؟ أليس كذلك؟
ضعي نفسك مكاني. أنا مضطر لأن أطرح عليك هذه الأسئلة. هناك أمور كثيرة لا أعرفها. لا أعرف شيئاً... عن كل هذه القصة. لا شيء. أنا في العتمة. أحتاج الى ضوء. أم أنك ترين أسئلتي غير مشروعة؟(صمت)
ربيكا: أي أسئلة؟(صمت)
ديلين: اسمعي. من الممكن أن يكون ذلك مهماً جداً لي... أيمكنك أن تصفي ذلك بوضوح؟
ربيكا: أصف ذلك؟ كيف هذا، أصف ذلك؟
ديلين: بشكل حسي. أن تقولي لي ماذا كان يظهر عليه. هل تتابعين؟ القول... العرض... كل هذا. ارتفاع، سماكة... افهميني... خارج... نواياه، مهما كانت.... أو مزاجه... أو موقفه الروحي... أريد فقط... أو الأحرى أحتاج الى أن أكوِّن فكرة أوضح عنه... كلا، حتى ولا فكرة أوضح... فكرة قصيرة. لأن ليس عندي أدنى فكرة... الأمور كما هي. رأسه كما كان... ماذا كانت أجواؤه؟ هل تستطيعين أن يعطيه شكلاً، شكلاً محسوساً؟ أريد صورة محسوسة عنه... يعني صورة أتمكن أن أحتفظ بها، في الواقع، أنت لا تتكلمين سوى عن يديه، يد على وجهك واليد الأخرى على عنقك، ثم الأولى على زلعومك. لا يمكننا أن نختزله الى يديه. وعيناه؟ هل كانت له عينان؟
ربيكا: أي لون؟(صمت)
ديلين: هو تماماً السؤال الذي أطرحه عليك... يا حبيبتي.
ربيكا: غريب جداً أن أدعى حبيبتي. لم يسبق أن دعاني أحد حبيبتي. ما عدا حبيبي.
ديلين: لا أظن ذلك.
ربيكا: لا تظن ذلك؟
ديلين: لا أظن أنه سبق أن دعاك "حبيبتي".(صمت)
أتجدين أنه من غير المشروع أن أستعمل هذه الكلمة؟
ربيكا: أي كلمة؟
ديلين: حبيبتي.
ربيكا: آه، نعم، قلت لي حبيبتي. كم هو غريب.
ديلين: غريب؟ لماذا؟
ربيكا: لكن... كيف يمكنك أن تدعوني حبيبتي. أنا لست حبيبتك.
ديلين: بلى.
ربيكا: لكنني لا أريد أن أكون حبيبتك. هذا آخر ما أريده. أنا لست حبيبة أحد.
ديلين: انها أغنية.
ربيكا: ماذا؟
ديلين: "لست حبيبة أحد...".
ربيكا: كلا، هي "أنت لست حبيب أحد"، وعلى كل حال، لم أستعمل كلمة "حبيبة".(صمت)
لا أريد أن أقول لك كيف كان يبدو.
ديلين: أنسيت؟
ربيكا: كلا، لم أنسَ. لكن ليس هذا هو الموضوع. على كل، لقد رحل منذ سنوات.
ديلين: رحل؟ الى أين؟
ربيكا: الى عمله. كان عنده مهنة.
ديلين: ماذا؟
ربيكا: عفواً؟
ديلين: أي نوع من المهن؟ أي مهنة؟
ربيكا: أظن أن الأمر كان يتعلق بوكالة سفريات. أظن أنه كان يعمل كمرافق. كلا. كلا، ليس هذا تماماً. كان تحديداً عملاً مناسباً. في الواقع، كان هذا جزءاً من عمله في الوكالة. كان يحتل منصباً رفيعاً جداً، أنت تعرف، كان عنده كثير من المسؤوليات.(صمت)
ديلين: أي نوع من الوكالات؟
ربيكا: وكالة سفريات.
ديلين: أي نوع من وكالة السفريات؟
ربيكا: كان دليلاً. هي ترى؟ كان دليلاً.
ديلين: دليل سياحي؟(صمت)
ربيكا: ألم أكلمك عن ذلك المكان؟ عن اليوم الذي أخذني فيه الى ذلك المكان؟
ديلين: أي مكان؟
ربيكا: أنا متأكدة من أنني كلمتك عنه.
ديلين: كلا، لم تكلميني عنه إطلاقاً.
ربيكا: هذا غريب. لكنت أقسمت بأنني أخبرتك بذلك.
ديلين: لم تخبريني بأي شيء. لم يسبق أن كلمتني عنه. لم تخبريني بأي شيء.(صمت)
أي مكان؟
ربيكا: آه، كان نوعاً من مصنع... كما يبدو لي.
ديلين: كيف هذا، نوع من مصنع؟ أكان مصنعاً أم لا؟ وإذا كان مصنعاً، فأي نوع من المصانع؟
ربيكا: يعني... كانت تصنع فيه أشياء... كما في كل المصانع. لكن لم يكن مصنعاً اعتيادياً.
ديلين: ولماذا إذن؟
ربيكا: كانوا جميعاً يعتمرون قبعات (كاسكيت)... العمال... قبعات من القماش Joile ... نزعوها عندما وصلوا معي... عندما مررنا بين صفوف العمال.
ديلين: ونزعوا قبعاتهم؟ ماذا، ليلقوا عليه التحية؟
ربيكا: نعم.
ديلين: ولماذا فعلوا ذلك؟
ربيكا: قال لي بعدها أنهم فعلوا ذلك لأنهم كانوا يكنون احتراماً بالغاً له.
ديلين: لماذا؟
ربيكا: لأنه كان يمسك جيداً بالأمور. وكان عندهم ثقة كاملة به، كانوا يحترمون كل... نقائه... قوة إيمانه... لا يترددون في اتباعه... وأنهم على استعداد للقفز في البحر إذا طلب منهم ذلك. بحسب ما قال لي. وهم ينشدون كلهم ككورس، وهو يقودهم. في النهاية، قال لي انهم كلهم كانوا موسيقيين.
ديلين: ومعك، كيف كانوا معك؟
ربيكا: معي؟ كانوا رائعين. ابتسمت لهم. ومن ثم، فقد بادلوني كلهم بالابتسام.(صمت)
لم يكن سوى إزعاج واحد... كان ذلك المكان شديد الرطوبة. بالغ الرطوبة.
ديلين: وهؤلاء القوم أولم يكونوا مجهزين لذلك؟
ربيكا: كلا.(صمت)
ديلين: لكن، قلت لي أنهم كانوا يشتغلون لوكالة سفريات.
ربيكا: هناك شيء آخر. أردت أن أذهب الى المرحاض. لكن لم أنجح في إيجاده. بحثت في كل مكان. كنت أعرف أنه لا بد من أن يكون موجوداً. لكن لم أجده إطلاقاً.(صمت)
نعم، كانوا يعملون لوكالة سفريات. كان دليلاً. وكان يذهب الى محطة محلية، كان يحاذي الساحة، وينتزع كل الأطفال من أذرع أمهاتهم اللواتي كنّ يصرخن.(صمت)
ديلين: هكذا؟(صمت)
ربيكا: في المناسبة، أنا قلقة بشكل رهيب.(صمت)
قلقة بشكل غير معقول.(صمت)
ألا تريد أن تعرف لماذا؟ مع هذا سأقول لك. وإذا لم أقل لك ذلك، فلمن عساني أقوله. إذاً مع هذا سأقول لك. هذا صدمني فجأة. بينما كان صوت الصفارات يصطدم بأذني، رحت أقول إنه كان يقوى أكثر فأكثر بالنسبة الى شخص آخر.
ديلين: تقصدين أن شخصاً آخر يسمعه في مكان ما؟ أهذا ما تقصدينه؟
ربيكا: نعم. دائماً. الى الأبد.
ديلين: وهذا يطمئنك؟
ربيكا: لا؟ هذا يقلقني! يقلقني بشكل رهيب.
ديلين: لماذا؟
ربيكا: أكره أن يبتعد الصوت. أكره أن يصطدم صداه. أكره أن أفقده. أكره أن يأخذه آخر. أريد أن أحفظه لنفسي، طوال الوقت. إنه صوت، جد جميل، ألا ترى ذلك؟
ديلين: لا تقلقي ستسمعين قريباً صفارة أخرى. هناك دائماً صفارة أخرى نحوك. صدقيني ستسمعين قريباً صفارة أخرى. بين دقيقة وأخرى.
ربيكا: أنت متأكد؟
ديلين: طبعاً. إنهم أناس منهمكون كثيراً، الشرطة، لديهم شغل كثير. كثير من الأمور ليرتبوها، ويراقبوها، يتلقون نداءات بلا توقف، تقريباً كلها بلا شيفرة. ليس عندهم دقيقة واحدة في اليوم لا يشحنون فيها من أقصى الأرض الى أقصاها، في سياراتهم الدورية، الصفارات في الريح. إذاً هذا لا بد من أن يريحك. أليس كذلك؟ لن تكوني وحدك إطلاقاً. لن تحرمي إطلاقاً من صفارة الشرطة. أعدك بذلك.(صمت)
اسمعي. هذا الرجل الذي تكلمت عنه منذ قليل... هذا الرجل الذي كنا تكلمنا عنه... إذا تجرأت على القول... متى تعرفت إليه بالضبط؟ أقصد ماذا حصل تحديداً؟ لا أتوصل الى... كيف أصوغ هذا؟ أكان قبل أن تتعرفي إليّ أم بعد ذلك؟ هذا سؤال متوسط الأهمية، وأنا متأكد من أنك تأخذين بالاعتبار ذلك.
ربيكا: في المناسبة، هناك شيء أريد أن أقو له لك.
ديلين: ماذا؟
ربيكا: عندما كتبت تلك الملاحظة. تلك الكلمات القليلة للمغسل... لائحة الغسيل. أي عندما وضعت الستيلو على الإسكملة الصغيرة تدحرج الى الأرض.
ديلين: لا؟
ربيكا: تدحرج مباشرة على السجادة. أمام عيني.
ديلين: يا إلهي!
ربيكا: هذا الستيلو، الستيلو البريء براءة ناصعة.
ديلين: لا يمكنك أن تقولي أنه كان بريئاً.
ربيكا: لماذا؟
ديلين: لأنك لا تعرفين الى أين انجر؟ لا تعرفين كم من الأيدي مرّ بها، كم من الأيدي كتبت به، ما فعل به أناس آخرون. لا تعرفين شيئاً عن تاريخه لا تعرفين تاريخ أهله.
ربيكا: ليس للستيلو أهل.(صمت)
ديلين: لا يمكنك أن تجلسي بهدوء وتقولي شيئاً مماثلاً.
ربيكا: أنا جالسة بهدوء.
ديلين: لا يمكنك أن تبقي جالسة بهدوء وتقولي شيئاً مماثلاً.
ربيكا: ألا يحق لي، في رأيك، الجلوس هنا؟ أترى أنه ليس من حقي الجلوس في فوتيه، في البيت الذي أعيش فيه؟
ديلين: قلت أنه لا يحق لك الجلوس في هذا الفوتيه، أو في أي مقعد، وتقولين شيئاً مماثلاً... سواء عشت أم لا تعيشي هنا لا يغير من الأمر شيئاً.
ربيكا: ألا يحق لي أن أقول أي شيء؟
ديلين: إن هذا الستيلو كان بريئاً؟
ربيكا: أتظن أنه كان مذنباً؟(صمت)
ديلين: أمرر الأسفنجة. تلاحظ.
أتركها تنزلق. لكن أكون أنا الذي ينزلق. هذا خطر. هل تلاحظين؟ أنا في الرمال المتحركة.
ربيكا: كالعناية.ديلين: العناية؟ العناية؟ أتظن أن العناية العليا تغرق في الرمال المتحركة؟ هذا مفهوم منفّر فعلاً. هذا إذا استطعنا أن ننسب ذلك الى كلمة مفهوم الجميلة جداً. حذار من الطريقة التي تتكلمين بها عن العناية. إنها العناية الوحيدة المتاحة لنا. إذا تركتها تذهب، فلن تعود. لن تنظر حتى من فوق كتفها.
وعندها ماذا ستفعلين؟ أتعرفين كيف سيكون مثل هذا الفراغ؟ سيكون كانكلترا وهي تلعب ضد البرازيل في ويمبلي من دون أي متفرج. هل تتصورين ذلك؟ اللعب في الشوطين في ملعب خال تماماً. في صمت مطلق. من دون أي نفس تعيش في المنصات.صمت مطلق... ما عدا صفارة الحكم ورشقات الشتائم التي يطلقها اللاعبون. إذا تخليت عن العناية الالهية فيعني أن رياضة كرة القدم الكبيرة والنبيلة ستسقط في أدراج النسيان الكامل. من دون أي أهداف، أثناء التمديد بعد التمديد، أي أهداف أثناء وقت بلا نهاية، حتى أطراف الأبدية. الغياب. هدف ملغى. عالم بلا فائز.(صمت)
آمل أن تري الخطة.(صمت)
إذاً اسمحي لي أن أقول لك هذا. لحظة. أشرت... كيف أسمي هذا... تلميحاً مدارياً نوعاً ما عن زميلك... عشيقك؟ عن أطفال وأمهاتهم. وعن ساحات ومحطات. استنتجت أنك كنت تتكلمين لا أعرف عن أي فظاعة. إذاً اسمحي لي بتوجيه سؤال إليك. من مطلق أي سلطة تملكينها وتخولك مناقشة مثل هذه الفظائع؟
ربيكا: ولا أي سلطة. لم يحدث لي. لم يحدث شيء لأصدقائي. لم أتعذب أبداً. وكذلك أصدقائي.
ديلين: أفضل.(صمت)
فلنتكلم بطريقة أكثر حميمية، هل تريدين؟ فلنتكلم عن مواضيع أكثر حميمية، عن شيء يمس تجربتك المباشرة. مثلاً، عندما يتناول الكوافور (المزين) بين يديه ويبدأ بغسل شعرك برفق مدلكاً جمجمتك... بينما يفعل ذلك، حينما تغمضين عينيك، وهو يقوم بذلك، لك ملء الثقة به، أليس كذلك؟ فليس رأسك وحده الذي يتناوله بيديه، أليس كذلك؟ إنها حياتك، وجودك... الروحي.(صمت)
إذاً هل ترين، ما أردت معرفته هو هذا... عندما كان عشيقك يضع يده على عنقك هل كان يجعلك تفكرين بحلاقك؟(صمت)
أتكلم عن عشيقك . عن الرجل الذي حاول قتلك.
ربيكا: قتلي؟
ديلين: يغتالك.
ربيكا: لا، لا. لم يكن يحاول قتلي. لم يكن يريد قتلي.
ديلين: كان يخنقك. شيء من هذا القبيل. بحسب روايتك. أليس صحيحاً.
ربيكا: لا، لا. كان لديه حنو نحوي.. كان يعبدني.(صمت)
ديلين: كان له اسم، ذلك الرجل؟ كان غريباً؟ وأين كنت، أنا في تلك اللحظة؟ ماذا يفترض بي أن أفهم؟ كنت تخونيني؟ لم لم تعترفي؟ كنت شعرت بنفسك أحسن بصراحة. كان يمكن أن تعتبريني بمثابة كاهن. كان يمكنك أن تخضعيني للتجربة. لطالما حلمت بأن أخضع للتجربة. كان من طموحات حياتي. والآن فوّت فرصتي. إلا إذا تم كل ذلك قبل أن أتعرف إليك. وهذا لا يلزمك أن تقولي لي أي شيء. ماضيك لا يعنيني. ولا يرد في بالي أن أروي لك ماضي. ليس لأنه ليس عندي. عندما نعيش حياة كجامعي، لا تهتم بالحقائق الهشة، كما تعرفين، الحيل، والاثداء... عندك هموم أخرى في البال، هل تدليك مؤخرتك جيداً بك، هل تستطيع أن تطلب منها بيضاً مع الباكون بعد الحادية عشرة ليلاً، هل السرير دافئ، هل تشرق الشمس من الجهة الجيدة، هل الحساء ليس بارداً كثيراً؟ مرة كل أسبوع تدغدغ مؤخرتي خادمة الغرفة، في حال افترضت أن هناك واحدة... خادمة غرفة... وليس مؤخرة. لكن بالتأكيد لا ينطبق شيء من هذا إذا كان هناك امرأة. عندما يكون عندك امرأة، فأنت تترك الأفكار والتأملات تتبع مجراها. وهذا يعني أنك تمنع الأقوى من جرفها. في المراحيض الأقوى، هذا هو حظي منذ البداية. انه الانسان الذي يحني الرأسي ويتطور ضد الرياح والعواصف يربح في الوصول. الانسان الذي لديه مخ وتركيز.(صمت)
الانسان الذي ليس عنده ما يتركه. الرجل الذي يتمتع بحس حاد بالواجب.(صمت)
ليس من تناقض بين هذين التأكيدين. صدقيني..(صمت)
هل تتابعين خيط منطقي؟ترجمة: بول شاوولالشخصيات
ديلين، يتجاوز الأربعين بقليل ربيكا، في الأربعين.الديكور
بيت ريفي.
قاعة نزهة في الطبقة الأرضية، باب شرفة يطل على المدينة.
كرسيا فوتي. كونسول بقنان وكؤوس، مصباحان كهربائيان.
نهاية بعد ظهر في الصيف
النهار يأفل شيئاً فشيئاً أثناء المسرحية، ليحل محله ضوء المصباحين الكهربائيين.
في النهاية، تختلط تماماً ملامح القاعة والحديقة.
الأضواء الداخلية قوية لكن لا تنير الخشبة.الزمن
في أيامنا هذه.السبت 27 كانون الأول 2008

الراحل هارولد بنتر العابث في المسرح والملتزم في السياسة,

العبث في المسرح  هارولد بنتر، المسرحي، الشاعر الذي اسس بتراثه الآدبي مدرسة والذي فاز بجائزة نوبل للادب عام 2005، والذي رحل عن عالمنا ليلة عيد الميلاد ، اختار آكثر آشكال الاعمال الادبية بعدا عن الالتزام بمفهومه الضيق، ولكن كانما كان يريد ان يلقن درسا بنشاطه السياسي لاولئك النقاد الذين يفسرون معنى الالتزام بحرفية جامدة.

بنشاطه السياسي كانما اراد بنتر ان يقول ان التمرد بصيغته الجمالية (وهو ما كان يمثله بنتر في اشكاله الادبية المتفردة) لا ينفصل عن الاحتجاج بمفهومه السياسي المباشر.

بنتر، احد الاقطاب المهمين لمسرح العبث، لم ينأ بنفسه عن النشاط السياسي المباشر، ولعل اسمه ليس غريبا عن القارئ العربي البعيد باهتماماته الحياتية عن مسرح العبث، فقد برز اسمه في الاشهر التي سبقت شن الحرب على العراق كآحد كبار المعارضين لها.

الا ان الحرب على العراق لم تكن المجال الأول للصدام بين بنتر والسياسة الأمريكية، فقد سبق ان طرد من احتفال في السفارة الأمريكيD8 في تركيا أقيم على شرف الكاتب أرثر ميلر، وكان بنتر يرافق الأخير في جولة في تركيا قبل نحو عشرين عاماً للتحقق من انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي أثناء الحفل بدأ بنتر بالحديث عن ما سمعه من تعذيب المعتقلين السياسيين، فما كان من السفير الأمريكي إلا ان أمر بطرده، فرافقه ميلر تضامنا.

عالم بنتر
كانت مسرحية "حفل عيد الميلاد" أولى مسرحيات بنتر الطويلة، وقد كتبها عام 1957.

هذه المسرحية والعديد غيرها التي كتبها لاحقا، مثل "العودة إلى البيت" و"الخيانة" وغيرها، تنتمي الى ما يسمى بمسرح العبث، وهي مدرسة مسرحية انطلقت في أوروبا في منتصف الخمسينات ومن أهم أعلامها بالإضافة إلى هارولد بنتر يوجين يونسكو وصاموئيل بيكيت وادوارد أولبي وغيرهم.

في مسرح العبث "عبث" المؤلفون بكل المقومات التقليدية للعمل المسرحي، فلم نعد هناك بداية ووسط ونهاية، كما لا يمكن الحديث عن حبكة درامية، والحوار هو العبث بعينه وكأنه تجسيد لما نسميه "حوار الطرشان"فليس صالحا للتواصل أو الإيصال المباشر لأي مضمون للطرف الآخر.


مسرحيات بنتر اثارت جدلا
مسرحيات بنتر اثارت جدلا
الأحداث في مسرح العبث تتطور بالتداعي كما في الأحلام وليس وفقا لأي منطق سائد.

هل من رسالة ؟

من يؤمنون باضطلاع الأدب بوظيفة اجتماعية يقولون ان كل عمل أدبي يريد إيصال رسالة محددة للقارئ، فهل يمكن أن نتصور أية رسالة يضطلع بها مسرح العبث ؟

أليس في ذلك تناقض مع الاسم والمضمون ؟

ليس بالضرورة، فالحركة التي قادها هؤلاء الكتاب في مجال الأدب كانت حركة رفض وغضب.

في بداية الخمسينات من القرن الماضي كانت الشعوب الأوروبية لا تزال تلعق جراحها التي خلفتها حربان عالميتان نشبتا في أقل من ريع قرن.

ونشأ جيل فقد ثقته بكل القيم الأخلاقية والأنظمة السياسية السائدة، جيل عدمي لم يعد يؤمن لا بالدين ولا بالايديولوجيا ولا بأخلاقيات المجتمع بسبب فشلها في منع نشوب الحربين التين أودتا بحياة الملايين وخلفتا أجزاء من أوروبا ركاما.

من بين هؤلاء نشأ الكتاب الغاضبون من أمثال جون أوزبورن مؤلف مسرحية "أنظر وراءك بغضب" ، ومن أوساطهم أيضا نشأ جيل مسرح العبث ومنهم هارولد بنتر الذي ولد عام 1930 أي كان في منتصف الع قد الثالث حين كتب مسرحية "حفلة عيد الميلاد".

أجواء بنتر
يطغى الغموض على مسرحيات بنتر، فالقارئ أو المشاهد لا يجد تفسيرا معقولا للشخصيات ولا للأحداث وأحيانا يكون ظهور الشخصيات في الزمان والمكان المحدد اعتباطيا، أو هكذا يبدو.

الجو العام في المسرحيات مجازي ان صح التعبير، فيه نوع من المحاكاة للواقع، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي. الواقع السائد في مسرح العبث هو أشبه بالكاريكاتير في مبالغاته، ولكنه كاريكاتير مخيف وغامض بدل أن يكون طريفا ومسليا.

الحوار أو غياب الحوار بمفهومه المألوف هو رمز للاغتراب والوحدة اللذان يعاني منهما إنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي نجا من براثن الحرب ليقع في براثن غول أفظع: المجتمع الاستهلاكي في س باقه الفظيع من أجل مراكمة المزيد من السلع التي تمنح المستهلك وهم الاكتفاء والاستغناء عن الآخر، وبالتالي الاستغناء عن التواصل معه والتحدث إليه.

إ الحوار التقليدي معدوم بين الشخصيات وان وجد فهو لا بعكس اهتماما بالأخر بل انفصاما عنه وعجزا عن فهمه أو إيصال أي مضمون إلى مداركه.

إذن، هارولد بنتر قام بإيصال رسالة من خلال اعماله المسرحية وان كانت غير مباشرة، ولكنه اوصل رسالة مباشرة من خلال حضوره السياسي المتميز مفادها: حتى الوسائل الاكثر تجردا في التعبير عن الاحتجاج هي الوجه الاخر للرسالة المباشرة: لي صوت مباشر ايضا وراي مباشر في كل ما يمس حياتنا في هذا العالم. يذكر ان المسرح القومي السوري قدم مسرحية الحارس لبنتر :

الحارس 1988: تأليف: هارولد بينتر إخراج: عماد عطواني

الصفحة 3 من 4

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

تسجيل الدخول

إصدار شعري

بحث متقدم