خواطر ونثر

عندما استيقظ القلم .. نامت الفكرة تخبأت الحروف .. غارت الكلمات ..

لم هذا الخذلان يا معاني ..؟ لماذا تفضِّلين يا سطور أن تنعزلي بوحدتكِ؟؟أم أنَّك أنستِ لبياض الصفحة الخاوي وخنعت إلى تلكَ اللا مسؤولية الباردة الجوفاء؟؟؟

آهٍ منكِ يا عبَراتُ,كنتِ كلَّ يوم ٍ تخرِّ شين وجنتيَّ بملحك المرّ..ترقصين بجبروتكِ على شرياني العليل .. تُمَزِّقينَ أوصالي .. وتلعبين بخنَّة سعالي .. تقهقهين لحشرجة صدري … وتقطِّرينَ زرنيخكِ المسموم على صفحة فؤادي …. تستعذبينَ أنَّاتي .. وتتمايلين طرباً على وقع آهاتي…وأنتِ تسقينها زقُّومَ الحياةِ وهي لم تذق تسنيمها بعد ….


واليومَ لن أصمت …لن أستسلمَ لرشوى زق الشاي والرغيف….ها هي أقراص المنوِّم رميتها في الحاوية,وسيستيقظ اليوم دمي وتتفتّح روحي..وتصحو أعصابي ولن ترتجف يداي اليوم ..بل إنَّ جوارحي ستنتفضُ كلّها ….فقراتُ ظهري استوت,وخطواتي اتَّزنت..وعاد شعريَ المرجَّل بدويَّ التسريحة …. لم تعد نظَّاراتي المفيَّمة تعجبني  …. سأركلها على قارعة الطريق وسأتبختر في الطرقاتِ أحولاً …. إنَّ أذيال الخوف تنسلُّ هاربةَ من ثورة أضلاعي ,لتتسلّلَ إلى طيَّات صدري أشعَّةٌ ذهبيَّةٌ مطمئنَّة…


سوفَ تُنتِشُ في روحي بذرةَ اليقين … وستورق في صدري زيتونة … وسأسقيها من سحاب الأفكار المركوم … وسأجني الحبََّاتِ السودِ وأعصرها زيتاً لا شرقيَّاً … يشعلُني مشكاةً من نور … وسأطفي نارَ التَّنُّور ِ بماءٍ منهمر ٍ من دمع عيوني….وسيأتي الإعصارُ المشرقُ من أوردتي ..ليدكَّ جدارَ الوهم المرصودِ…ويُطيحُ بكلِّ الأوثانِ ويبقى المعبود..


سأفخِّخُ في عقلي فكرة…فإما أن تفجِّره فأحمل أشلاءه بينَ كفَّيَّ وأسيرُ هائماً على وجهي ,أنظرُ إلى اللامنظور متبختراً بقدميّ الحافيتين اللتين أدماهما البردُ والقذى … وأجدِّلُ شعري وأدلكُ جبهتي بفحم النسيان اللامقصودِ ثمَّ أعودُ إلى الحارة ِ بهلولاً….


أو أنَّ الفكرة لا تنفجرُ دفعة واحدة…بل تشتعلُ اشتعالَ عودِ الثقابِ في زيت الفانوس الغافي بزاوية الغرفة الشمالية المظلمة..فتنتعش تلافيف دماغي ويطمئنُّ دمي المتجمد للدفء المنبعث, وتتورَّدُ وجنتاي نشوى بالعبير القادم,فسيتقيمُ بصري ويستوي بعد أن تنجلي عن شبكيّته عتمة الجبن الذي قبع في صدري لآلاف السنين وآن لشبحهِ أن يُطردَ شرّ طردةٍ…ولسوف تستيقظ أوردتي حينها بعد سباتها المضجر,فتبتسم لها ثنايا جلدي التي ألفتِ العبوس قروناً…وأصيرُ بعدَ كلِّ تلك العتمة كما الفانوس الضاحك ,فأسرِّح شعري وأرجِّله ثم أفرقه كما استطعت أن أفرق بين حلو الحنظل المدفون ومرِّ العسل الملغوم,وأفنِّدَ قملَ الشهواتِ ,فأسحقها بترتيل الابتهالات ,ثمَّ أسوِّكُ أسناني التي تعشَّقها الإصفرارُ كما عشقتهُ أوراق الخريف ,ولسوف تبيضُّ نواجذي لأولِ مرَّةٍ في حياتها…فأكشِّرَ عنها لأغيظ كلَّ فتيات الحارة الحسناواتِ اللواتي لم يتفقَّهن في الحبِّ فخنَّ العهودَ فقتلن القلوبَ وسرقنَ الألبابَ..ثمّ أتين بالبهتاناتِ المفترياتِ أنَّهنَّ تعذَّبن في ضروب العشق …والعشق يقسم كلَّ ساعةٍ بأنّض حبالهُ بريئةٌ منهنَّ والشاهدُ قميصه الذي قُدَّ من دبر….فليعلمنَ ولتعلم جميع النسوة ويقطعن أيديهن مراراً وتكراراً عندما يرينَ أني عدتُ إلى الحارةِ بشيراً.


لقد سمعتُ أن الرياحين لا تزهرُ إلا في تربةٍ ضاحكةٍ قهقهَ الخصب فيها,وبأنَّ الكلأ لا يخضرُّ إلا إذا شربَ إكسيرَ السعادة مع قطراتِ ندى الربيع الراقصة فرحاً,وبأن النجوم لا تشتعلُ فلَّاً إلا إذا تجلّى عليها الربُّ فتخرَّ الجبالُ دكَّاً وتصعق السموات والأرض مغشياً عليها من شدة اللذة التي باشرتها مذ بشَّرتها سنا أنوار ٍ لاحت برووقاً سؤددية وعواصف نورانية تعشى بها العيون وتنطفئ بسحرها الأرواح…..وسمعتُ أيضاً أن الجمال برونقه البديع يطوفُ على الفتيات الوليدات …ثمَّ يناغيهنَّ بإصبعه المتلألئة كما البدر ,فإذا تبسَّمن له واستبشرن بطلعته…تلبَّسَهنَّ وفرشَ وشاحه الساحر على أجسادهن …. أما إذا عبسن في وجهه وتذمَّرن منه وصرخن باكياتٍ ..فرَّ مدبراً وجاءت الدمامة فتلبَّستهُنّ.


لأجل ذلكَ كله ……ولأنّ السعادة  زبدة الحياة وكوثرها المنشود…قرّرتُ أن أصبح بشـيراً ….


.أما البهلول فسأدعه لامرئٍ لم يلبس الجمال ولا السعادة …بل تلبَّسهُ جنيٌّ حكيمٌ يتنطّطُ بجسدهِ كيف يشاءُ وأنى يشاء…ولعله يتقمصني ذات يوم …أبعده الله عني…
نعم إني البشير

ما هو الوطن ؟ .. مكان للإقامة .. بيت و ظل و امرأة ؟ و أطفال أشقياء .. عائلة و قبيلة تحبك أو تكرهها ؟ 

فاتورة كهرباء و ماء و دواء .. أصدقاء ؟ يأتونك آخر الليل سكارى و يقصفون الرجعية والأعداء بالقصائد .. مخمورٌ يبكي و يرتمي في حضنك لأنه يعاني من الوحدة و رذالة الأهل و فراق الحقيقة ؟ و كأنني كنت أعيش في النعيم .. 

هل الوطن مجرد حضن شاسع يتسع لك و لهم ؟ أم انك ستنام كالعادة على ذات السجادة المهترئة ، تبتلع الغبار و المنهج المدرسي و خطب الزعماء .. 

في طفولتي كان الوطن هو صورة الأم ، أم هائلة .. ذراعيها ما بين الأرض و السماء ، حانية تغمرني بالدفء و الحنين ، و لما قلّبت الصفات و الصفحات بدأت أشعر بالغربة ، لم أعد أجدها تلك الأم الكبيرة : الوطن . 

رحلت عني هي و ألقتني على رصيف الوحدة و الوحشة واندملت أنا في حفرة عميقة .. 

أبي ظل بعيداً ، مرة في الجيش ثم ابتعد طويلاً في الغربة – للعمل – و لبناء بيت صغير يأوينا ، و لما عاد ليستقر في " الوطن " وجده خراباً ، و مات بالسكتة القلبية .. و سكت نهائياً و تركني وحدي هائماً على وجهي في الطرقات !! 

كنت أعتقد أن الوطن هو الحب ، أو شيئاُ كهذا .. أحببت كثيراً ، حد اللوعة و لكن .. لا إمرأة أحبتني – كما كنت أرتجي - و تركنني وحيداً أقارع القصائد القديمة و التخيلات الغبية ، في مرحلة من المراهقة العمرية السياسية قلتُ : سأقاتل ! 

فألقوا بيّ صبياً في وسط اللهب ، و نجوت بالصدفة بعد أن هرب القادة و خذلونني و برائتي الوطنية .. و سذاجة قديمة لازلت أحمل الكثير من أعبائها .. 

لا زالت فكرة الوطن تحوم فوق رأسي كفراشة صغيرة ، شاحبة ، لا لون لها ، وحيدة أخاف أن أسحقها بيديّ لأنهم قالوا لي أن الفراشة في البيت : فال خير .. أي خير و في أي بيت ؟ 

و بيتي لم يعد بيتي ، و زوجتي إعترفت لي في لحظة تاريخية و بوجه متجهم ، أرعبني لفرط تجهمه أنها لم تعد تطيق رؤيتي في البيت .. هي اكتفت من إنجابي سلالة من الأطفال تفتخر بهم أمام عائلتها التي تحب فكرة التكاثر !! و هذه القبائل تشعر بالإعتزاز بخصوبة نسائها و قدرتهن على تفريخ المزيد من الكائنات الجديدة .. أما عائلتي - أنا – فلم تأبه بفحولتي - و كأن مافعلته هو مجرد تحصيل حاصل و لا يستحق الإحتفاء ! 

أنا كنت مجرد المنتج الغبي لتلك الحيوانات المنوية التي ستصير أرقاماً وطنية تضاف إلى دائرة الإحصاءات الرسمية .. وهي ما سيسمى فيما بعد بالمواطنين ! و هم جمهرة من أشياء / كائنات تكون جاهزة للإستهلاك و لإستقبال قذائف الأعداء بسكينة غريبة توحي لها أنها لو تعرضت للإبادة فإنها سنعيش في مكان آخر في مجرة بعيدة قرب السماء ، و السماء من تحتنا و حولنا ، في هذه الكرة الأرضية لا سماء فوقك و لا تحتك هذه السماء مجرد فكرة سديمية ليست علوية بأي حال ، و فلكياً هي الفراغ الذي يحيط بك ، فراغ سرمدي لا تلمسه و لكنك تراه كمجرد فراغ لا منتهٍ .. 

" و أنت معنى الكون كله " 

هل الوطن مجرد بقعة من هذه الكرة الأرضية ؟ 

أم أنه و كما يقول المتصوفة : 

و كل أرض الله مسجدي ؟ 

لا زلت أبحث عن فكرة الوطن .. " الوطن " تحديداً كما لا أعرفه ..

 

غزة لم تهزم ولم تنكسر..

 غزة لا تريد مؤتمراتكم أيها العرب ... ولا تريد شجبكم أيها العرب  ...

 ولا تريد أموالكم الملطخة بدمها

فقط إصمتو واتركوها تلملم جرحها و جثث شهدائها وتبحث عن كفن ,

 

تظل غزة صامدة بشهدائها بجرحها بأرضها...

 

ويظل المناضلون والزعماء العرب يعتلون منابر الخطابة ويرفعون سيوفهم المبتورة والمصنوعة من الخشب ، ويعلنون الحرب.. فتهتف الشوارع وتعلو اناشيد الغضب .

 

تظل غزة.. تحمل جثث أطفالها ونسائها وتبحث عن قبر عربي يواري تلك الجثث .

 

ويظل القادة العرب يرتدون نفس الدروع الصدئة ويزايدون على بعضهم في الصباح، بينما

يفتحون قواميس الردح والادانة في 'المساء'، دون ان يتقدم واحد منهم خطوة واحدة باتجاة غزة .

 

 يظل كل واحد منهم يلقي بتلك الجثث في خارطة الآخر حتى يغسل يده من دمهم، ويعلن في نشرات 'المساء' قصائد الرثاء.

 

 تظل بيوت غزة تتفتح على السماء.. وتنكفئ في شوارعها على بحر الدم المسفوح والأشلاء والدموع ،

وتظل عيون الاطفال تبحث عن لحظة من الامان دون جدوى .

 

ويظل القادة العرب، يتشنجون فوق عروشهم ويعلنون دولة الغضب، كل واحد فيهم يعلن نفسه البطل والمخلص، ويمنح نفسه الاوسمة ، دون فعل واحد، ويمنح الأخرين شهادات الخيانة والعمالة والتآمر، كل واحد يلقي بالمذبحة على الأخرين

 

ويظل هذا العدو القذر يقتل أطفال غزة  اينما يشاء.. ووقتما يشاء ، ويعلن إنتصار، في كل قنبلة تسقط على غزة. ويظل العرب يجتمعون ويصرخون ويعلنون الشجب والادانة , ثم يهدهم التعب، فيدعون الله ان يخلصهم من هذه الغمة وتموت غزة .

 

كلهم مدانون ، كلهم ساهم في مذبحة غزة ثم وقف يتفرج عليها، فلا ترفعوا اصواتكم ، ودعوا الشهداء والجرحى يستريحون قليلا في العراء ، إلتفوا بعاركم واسكتوا.. ولا تنظروا الى صور الجثث الملقاة في الشوارع حتى لا تفسد عليكم عشاءكم الفاخر.. أغمضو عيونكم حتى لا تجرح مشاعركم المرهفة صور الاطفال القتلى والأشلاء وسفك الدماء .. اصمتوا جميعا.. ودعوا غزة تدفن شهداءها

اصمتوا.. فلم تعد قصائد البطولة والمدائح  تمنع الرصاصة القاتلة

 او تواري الجثث قبرها الأخير . 

و لكني لست المفتونة بكلماته و إن كنت أؤمن، لست القارعة على باب الخيال و إن نسجه ليصدق، لست الثملة و بيني و بين كأس أشعاره قداسة المدينة، و أي دعاء لا يصرخ بالثورة إلحاد لا غزل على الأرض يشفع له، إلا رصاصة، عبثا حاولت تليينه علني أحمل البندقية أو السكين، فيجيب أن وجودي أدفأ من نار، و ذكائي أحد السيوف، أطلب إليه أن يعلمني كيف أزرع لغما، يمسك بيدي و يقول أن أحاديثي حقل ألغام لا يخشى أن تمزقه و تنثره لتبعثه في صورة ترضيني و لن يبالي إن لم تكن ترضيه، دوختني قدرة هذا العاشق على إعطاء نفسه الحق بأن يفوقني وطنية، و القلب في كل يوم يخون حبه مع أحلام جهادية، سألته كيف يرفض أن أحمل معه خطاطيف القضية التي تعنيني بقدر ما تعنيه،... غضب، صرخ أن من واجب الرجل حماية عرضه و عليها الاكتفاء بقبول الحماية، قلت أنه ابن القدس، معها لا يمكن أن يكون ثائرا و شرقيا،... صمت...

و ها أنا اليوم أرتدي السواد، أجلس في غرفة ترتدي السواد و النحيب، تصرخ إحدى النسوة قائلة:" لمن تركتني بعد رحيلك، لمن تركت أطفالك؟"، و تقول أخرى:"من بعدك يملأ مكانك يا حبيبي؟ من؟" ... وجهي تغطيه الدماء بدل الدموع، تحجبه سحابة دخان السيجارة، أنظر عبر النافذة و أقول نصف منكرة و نصف منهارة:" رحل قبل أن يعلمني كيف تشحذ الكلمات سكينا ينتقم.".

 

الصفحة 36 من 44