أحزان الماضي

سطع في السماء شئ من الضياء.... يبدو لمن يراه كوجه تهلل باللقاء.... بعد ان أعياه مراره الفراق... وتغنى الطير بألحان ساقها حب الصفاء.... فكأنه قضى ليله كله في شقاء... وظهرت في الأفق أنوار من شفق الشروق ..ظهرت مصحوبة بأرواح جميع الموجودات . ذلك النور الذي ما هو ٳلاضياء شمس الروح التي اكتسبت ضوئها من فيض الكمال الٳلهي الذي أُغدق عليها...وتلقت القلوب نسمات الصباح ...فهدأت من طول البعد وطول الفراغ ....فكأن الأرواح قد عادت بعد أن تغذت بأحلام النجاح ....فمُلأت النفس بأنوار الفلاح ..ولكن...أبت آلام الماضي أن تتخلى عن ثكناتها ...وقاومت المحو بأنوار الرحمات ...........فرأيت في نومي وكأنني اسير في طريق مظلم تترامى على جانبيه أشلاء من الزمان تساقطت بسلاح الأيام... ساقها من كهفها شبح الهيام ...فنقلها من ظلال الكهف الى ظلام الاكوان ..........وظهرت بعد الاشلاء شئ من دلائل البقاء ظهرت في صوره بحر من الدموع تساقطت من عينٍ كشمعه تذوب في الظلام بجوار الشمعه هناك طفل يبكي من الآلام تركته امه بغدره من الزمان فأصبح هو والشمعه سيان لايبدو ايهما جماد وايهما بإنسان .

ثم ظهرت بعد الدموع شجره جرداء فكأنها سيف سقط من السماء فأنغرس سنه في رمال الصحراء .

تغذت الشجره من بحر الدموع فبدأ يظهر فيها بعض من الاوراق تبدو لمن يراها كمقله العين كثر من فوقها الندى ..وارتفع من غصنها شئ من الانين أصدره طائر تجاذبه الحنين... الحنين الى سماء تعلو فوقه فلا يرى حافتها بنور العين ولو سار ضوء عينه مر السنين ..فسقطت من عينه دمعه تداخلت مع دمع الاوراق الذي بقى حزنا على عمرها الذي ضاع .. فقد قرب موعد سقوطها ولم تستخدم في الشفاء او يستخدمها حيوان ليتقوى على البقاء او تتحد مع زميلاتها فتكون ظلال وسط الصحراء فتحمي ضائعا احرقه شوق اللقاء .

ثم اكملت طريقي فرأيت نورا يظهر في أفق السماء فلا أدري ٳن كان حقيقه ام سراب .فكأنني بصوت طفل يضحك بصوت مبحوح فكأن ضحكه ظهر بعد صراخ وكأني بصوت حفيف طائر يرقى في السماء وكأنني بصوت غصن يهوى على رمال الصحراء..........يبدو وكأن الطفل قد فرح بأبيه ولكن هيهات ان ينسى الحنان وفرح الطائر بالسماء بعدما كسر الغصن من تحته ولكن هيهات ان يهوى اسفل مما كان ... وتوقفت الورقه عن البكاء فقد هوى عليها الغصن فخلصها من الاحزان وخلصها من مراره فوات الزمان .

 

فعلمت ان هذا النور ماهو الاسراب ساطع ظاهره مظلم باطنه مفرح ظاهره مبكي باطنه .

فاستيقظت من نومي على هذا الضوء وقد تكشفت خبيئته وشعرت بأنني علمت من الدنيا ما يكفيني ...نظرت من حولي فوجدتني ملقى على الارض مفترشا حصيره من سعف النخيل ما يغطيني سوى صفحه من جريده كتب عليها من الكلمات ما يفتح الحياه الى مد البصر فإن من الكلمات ما إن تقرأها إلا وتشعر انك في الحياه سيدا او اميرا وان منها ما ان تقرأه الا وتشعر انك فيها وحيدا شريدا ليس لك فيها وليا او نصيرا ...فنهضت من نومي ضيق النفس يبدو شعري كلهيب النار فكانني كعقب السجائر استهلكتها الدنيا في فم يد من عبادها سيدته عليها الدنيا فانهاها ثم رماها فتلقفها طفل صغير اراد ان يعرف منها مايجهله ...فتلقفني يومي الجديد ولكنه هو من سيؤثر في ولست انا من سيكون له عليه تأثيرا فمثلي كمثل الثور مربوط بساقيه ما عليه سوى اللف والدوران ...يجري الزمان فألهث وراءه فلا أجد منه سوى الجلد والشتمان .....ولذا عقدت عزمي على ان اختار قيدي الذي يربطني بالساقيه وان ارسم بقدمي أثناء الدوران ما ينسيني كل لفه سابقه ويجعلني أتطلع إلى كل دوره قادمه لأتم على الارض ما ترسمه وتخطوه قدمي ..ولكني أعلم ما نهايه ما ترسمه فستمحى من على الارض بجسد من رسمها فمازال القيد في عنقه يجره بعد موته ليمسح به كل أفعاله وما زال الزمان يدور ويجري بدوران الشمس والقمر ...آه لو استطيع بجسدي قطع هذا المدار الذي تدور فيه الشمس فأغيرها عن مسارها ...أو اعود بالزمن آلاف السنين إلى الخلف حيث كان الزمن يمر سريعا ..لتمر أيامي علي سريعا لعلي اغفل عن مرارتها .  ونظرت من حولي فلم أجد زادا ولا متاعا ....فحمدت ربي على أن حرمني مما يثقل على دوراني..توجهت نحو وعاء من المياه املأه كل ثلاثه أيام فحتى الماء الصافي يخدعنا بصفاءه فإذا ترك تعكر وخرج منهما كان يخفيه فما بالك بمن يتولى سلطه وتبدو عكارته من أول يوم فماذا سيصبح بعد عشرات السنين .

غسلت وجهي من اثار الزمن وليت لي مثل تلك المياه لأغسل ما علق بقلبي ....ولكنها تكفي لتشعرني بأني مازلت حياً........وتلقت ملابسي جسدي فأدخلتني مره واحده فهي تكفي لتذكرني بكفني ..ولا تصعب على من يغسلني أمر نزعها .

 

 

 

 (كنت قد قررت أن استكمل بقيه أحزاني ولكن قدر الله أن يتغير معنى الحياه في فتره قصيره ،فقررت أن أجعل أحزاني وقودا يدفعني على الطريق الجديد عساني أدرك للزمن معنى جديد فقد قلت :

-ولكنه الزمن .....الزمن الذي يغير كل شئ ...فقد رأيت احلامي واحلام من حولي  تتغير ...فلا أعلم ان كانت هي من تتغير ...ام إن العجز قد شوهها ...فقد اكتظت ألسنه الناس بألفاظ التبرير..فإذا كثر التبرير فأعلم بأنه يستحيل التغير.

 

- أنا كالهارب من مصيده المكان ليكتشف انه داخل مصيده من الزمان والمكان فالزمن قد توقف بين الناس ........أردت ان اصرخ فيهم لأعيدهم الى وعيهم ...اردت ان أقول لهم لا تسيروا في طريقكم كالطفل السائر في ظلمه الليل فقدت أمه صغيرا وقبض على والده - طوارئ - كبيراولكن صوتي لم يخرج مني فشارب الخمر لايستطيع تحريمها.

ولكن قدر الإله أن يتم التغير فقررت أن أنتظر قليلا لأدرك معنى الزمان الجديد ،حتى لا أعطيه ما لا يستحقه أو أسلب منه ما كان واجب مني ناحيته . )

 

 

 

محمد موسى سعيد