القصة والرواية

 

...ربما صورة نلمسها بعيون تقول لنا:

ـ أنتم ذلك الواقف مصنوع بخليط يسمى الإنسان، لا ندري ولكن، نقول:

ـ هم  ذلك، لأن الخليط الذي نلمسه يشبه أفكارنا ، غير أننا أحيانا نحاول أن  نتخيل أنفسنا بعيدا  عن  أفكارنا، حقيقتنا ستصبح مجرد ماض في  مكان ما، ونكون حينها بعيدا  عن تلك الذات التي كانت شكلا ما ...

  الليلة غريبة تلك الحالكة، الساعة تأخذ دور الجرس بدقاتها اللامتناهية تعلن عن مرور زمن قد يسمى ضياعا

                 عيناه تتابعان حركتها المستمرة بين الطاولات, في كافتيريا أحد الفنادق الكبيرة, حيث اعتاد الجلوس و ملاقاة أصحابه و من تربطه بهم صلات عمل كثيرة و متشعبة, يرقبها بنظرات ثاقبة تتمعن بذلك القوام الممشوق, و الوجه الغارق في سحره الجميل, و الشعر فاحم السواد, المتهدل على كتفيها, تداعبه بين الحين و الآخر بابتساماتها و غمزاتها المثيرة, خفيةً عن الجميع, فتزيد من توقه إليها, و كأنه ما ظفر بفتاةٍ في مثل هذا الجمال من قبل, و قد تقترب منه بحجة سؤاله إن كان يريد أن يطلب شيئا آخر, فيأخذ كرشه بالارتفاع و الانخفاض بسرعة, و قهقهاته تلفت نظر الجالسين, ما أن تبدأ الهمس بكلماتٍ ذات رنين خاص في أذنه الكبيرة, يلتصق بها أغلب الوقت الهاتف الصغير, فتبدو و كأنها تهم باحتوائه, عندئذ تغزو الجدية و الصرامة ملامح وجهه الأسمر, و قد تبرز عروق جبهته العريضة, و ربما تتفصد منه بعض قطرات العرق رغم برودة الهواء المنبعث من التكييف المركزي, مع تزايد حدة صوته مع محدثه .. يتكلم عن تحويلات و قروض بنكية, عمولات يجب أن تصله إلى أي مكان في العالم يريده, دون أن ينسى إخفاض صوته عند ذكر مبالغها .. يهدد و يتوعد, يأمر حينا, و يتملق حينا آخر, يكرر مرارا : من كان بيته من زجاج .. ثم يضحك بقوة, فيعاود كرشه الاهتزاز ..

 رمق فتاة جميلة تجلس مع شاب إلى طاولة قريبة منه بفضول نهم, و كأنه يود التنصت على ما يدور بينهما من كلام, أو ربما دعوتها للجلوس معه, حتى اضطرهما في النهاية إلى النهوض و مغادرة المكان, لاحظ نظرة النادلة الحسناء الحانقة إليه, تتهمه بفراغة العين, انبسطت أساريره لأنه تمكن من إثارة غيرتها, ترك أصابعه تداعب شاربه الكث في فخر, راح يتأمل خواتمه ذات الأحجار الكريمة الغالية, أخرج هاتفا آخر من جيبه, و شرع بالتكلم من جديد ..

 نظر إلى ساعة يده المرصعة بالماس, دفع الحساب و نهض, تمازحه .. ألم تترك لي بقشيشا ؟ .. اهتز كرشه مجددا, همس في أذنها, و ترك شفتيه تلامسان خصل شعرها الحريرية .. سوف أرسل لك السائق بعد ساعة, لا تتأخري ..

 وضع النظارة الشمسية على عينيه ثم غادر المكان, يلتحق به إثنان من حراسه الشخصيين, كانا يجلسان إلى طاولة أخرى, تجوب عيونهما الطريق من حولة حتى يركب سيارته الفارهة و يأمر السائق بالانطلاق سريعا ..

 ـ لا, نمضي السهرة عند أحدنا, حتى نستطيع أن نتصرف و نتكلم بحريةٍ أكبر .. و ماذا يعني, الشباب ينقلون كل شيء إلى هناك في أقل من ساعة .. طبعا, النقاشات لا تحلو بدونهنَ .. يضحك .. و ماذا يريد أكثر, يستطيع أن يصَدر ما يشاء, و مهما كانت الكمية, و لن يتكلم معه أحد .. بالتأكيد, لقد تفاهمت مع الوزير المسؤول, و مع جماعته أيضا, لا تنسى إن لهم مصالح كثيرة عندنا أيضا .. نعم, تمت المصالحة أخيرا .. يواصل الكرش الاهتزاز داخل السيارة المتجهة إلى قصره المحاط بالحدائق الغناء ..

 قبل أن تغادر جناحه الخاص في الطابق العلوي, يطلب منها أن تختار له ما سيرتديه خلال مشاركته في أحد البرامج السياسية المعنية بمناقشة وضع بلاده المتأزم دوما, و الذي سوف تبثه إحدى القنوات الفضائية على الهواء مباشرةً ..

 تكلم عن أمورٍ شتى, بنبرات تراوحت ما بين الثقة المطمئنة و الانفعال و التهكم .. و الصراخ, هاجم بشكلٍ مباشر و موجع حينا, و لمح أحيانا, قاطع ضيف البرنامج الأخر في أكثر من مداخلة, و تصدى بشراسة لكل مقاطعة مقابلة .. أشار إلى حلول عدة, يمكن أن تعمل على تحسين الوضع الأمني و المعيشي للمواطن البسيط, الذي شكا بحاله كثيرا حتى تحشرج صوته, و إنهاء الخلافات المستمرة بين الأخوة المتخاصمين ..     

 عند نهاية الحلقة , سأله مقدم البرنامج عن موعد عوته مجددا إلى أرض الوطن ..

أجاب مبتسما , و عطر فاتنته يفوح في أنفه , و كأنها تقف على مقربةٍ منه , تغمز له إحدى غمزاتها المثيرة : في أقرب وقت , في أقرب وقت ..

 

         .............................................                                                     

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.                                                              11 ـ 6 ـ 2007 عَمان                                                                                                                              

كاتب عراقي مقيم في الأردن    

 

 

 

 

الصفحة 52 من 54