القصة والرواية

في حَضرةِ الأِف 16

حطّ على لوحِ السماء!

رأى بيتَ الصفيحِ كلبا ينبحُ، فابتسم، وكغولٍ كبسَ الأزرار

غاص البيتُ في الأرضِ السابعة!

لكنّ التربةَ تحتهُ تدافعت، ثمَّ اشتعلت بتلاوينَ خمائلَ انبثقت!

في العالي غامت عيناهُ

جلست شاردة الذهن خلف مكتبها , في جمود لوحة بديعة التكوين , تستعيد كل كلمة من كلماته , كما لو أنه يرددها بصورة مستمرة و بقوةٍ متزايدة لا يدركها الملل , كان يجلس بالقرب منها , و لكنها تصورته يعتلي منبرا , و يلقي من فوقه خطبته , فيجبرها بنبرات صوته الهادئة و العميقة على الإصغاء , دون أن تستطيع أن تبدي أمامه أي تململ أو ضجر , و كأنها كانت تتوقع منه مثل ذلك الكلام , فيما كانت نظرات عينيها الشذريتين تنصب على عينيه الواسعتين , و شعره الموشح بالشيب , و لحيته المشذبة التي تضفي على ملامح وجهه الجدية و الوقار , و ربما شيء من الرهبة , تلك التي زرعتها شخصيته فيها منذ اليوم الأول الذي انتقلت فيه إلى القسم , حيث اعتادت مناداته بالحاج , إسوةً بالبقية , من غير أن تعرف إن كان قد حج فعلا ليستحق ذلك اللقب أم لا , و رغم أنه لم يتعدَ الخمسين من العمر , كما سمعت أحد زملائها يقول ذات مرة , غير أنها تظنه أكبر من ذلك بكثير , بل وجدت صعوبة في تخيله شابا متحررا من تلك الرزانة الشديدة التي تلف كل تصرفاته حيناً , و العصبية المفاجئة التى تحوله إلى انسان آخر في لمح البصر حيناً آخر , عندئذٍ كانت تتجنب الاحتكاك به قدر الإمكان حتى تهدأ ثورته , المغالية في عنفها , و تتراخى قسمات وجهه , و تكف نظراته عن حملقاتها المخيفة , و يعود لينزوي خلف كثبان صمته من جديد .. و لكنه اليوم كان في أكثر حالاته هدوءا و صفاءً , أخذ يبتسم لها ابتسامة واسعة جعلها مقدمةً لما أراد أن يحدثها بشأنه كصديق يهمه أمرها , أو كأخٍ أكير , رغم أنه لو تزوج في شبابه , و رٌزق بأبنة , لأضحت الآن في مثل عمرها تقريبا .. 

 تنقلت نظراتها ما بين السجادة المطوية فوق مسند كرسيه و المسبحة ذات الحبات الصفراء الكبيرة الموضوعة فوق مكتبه , و التي يضعها كالسوار الواسع حول معصمه عندما يكف عن التسبيح بها , متمتماً بآياتٍ و أدعية هامسة , بعينين تظنهما قد غادرتا المكان , و راحتا تحلقَان في عالمٍ آخر , لا يبصر فضاءه سواه , ثم أخذت تتمعن في قسمات وجهها الناعمة , المكتسية ببريق المكياج الباهر , وخصل شعرها الكستنائية المنسدلة , مثل ستارة خفيفة , فوق جبينها العريض في المرآة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبة يدها , كما لو أنها ترى نفسها في شكلٍ مختلف , يمكن أن يغير حياتها بصورة جذرية ..

 عاد إلى الغرفة , و قطرات الماء تبلل وجهه , تناول السجادة و فرشها في ركنٍ قريب من الشباك , و لكنه لم يستطع إقامة الصلاة بسهولة , و وهجها يغشاه أكثر من كل يوم أخر , ضحكاتها فراشات تحوم حوله , و تؤطر سجادته , كما باتت تفعل في ليالي تهجُده الممسوسة بهواجس عربيدة لا تلبث أن تواتيه بين آونةً و أخرى , تلجئه إليها وحدته في ذلك البيت الصغير , متصدع البنيان , و الأشبه في خلوه من الأثاث تقريبا بصومعة ناسك .. استعدلت في جلستها احتراما لتكبيره , و شدت طرف التنورة للأسفل , فغطت ركبتيها , و قاربت بين ساقيها ناصعتي البياض , و اللتين أوشكتا أن تمسا طرف بنطاله , و هو جالس تلك الجلسة الساحرة بقربها , مثلما كاد  صدرها المستتر خلف قميصها الحريري يلامس ذراعه , كعصفور يحوم حول غصن متيبس , قبل عدة أيام فيما كانت تطلعه على إحدى المعاملات , فبدت له أزراره الفضية نجوماً تتلألأ في سماءٍ بعيدة , لا يمكن أن تصلها يداه ..

 أنهى صلاته المرتبكة , و راح يحرك شفتيه سريعا , و بصورةٍ آلية , من غير أن يدرك معنى لما تهمسان به , زفر أنفاسه بعمق , نهض عائدا نحو مكتبه , تسللت نظراته إليها , بينما كانت تنكب على الأوراق أمامها , تمنى أن يدفعها أي سبب كان للإقبال نحوه و الجلوس إلى جانبه , كأن تود الاستزادة من حديثه لها حول ضرورة ارتداء الحجاب , فينهال رذاذٌ من فتنتها الغضة , بشتى تفاصيلها الجذابة , على صحراء حياته الشاسعة من جديد ...

التقيا صدفة عند مفترق طريق كان يهم بعبور الجسر الموصل إلى الطرف الآخر من الشارع بينما كانت هي تتجه في المسار المعاكس لسيره وعند نقطة الالتقاء وفي أقل من لحظة كانت كلمح البصر التقت العيون ودار حوار بليغ بينهما لم تتكلم خلاله الألسن ولا الأفواه وإنما تحدثت العيون وتكلمت القلوب وكان حديثاً طويلاً أجبره ودونما شعور وبلا إرادة منه أن يعود أدرجه إلى ذات الطريق العائد منه ليتواصل حديث القلوب الصامتة بينهما كلمات متبادلة وأطراف أحاديث لا تسمعها الآذان. ورغم أنه كان يمشي على خطوات غير قريبة منها ولا تراه أعينها ولكنها كانت تسمع قرع نعليه من دون جميع البشر الذين ازدحم بهم الطريق وتميز خطواته التي تلاحقها أينما سارت وعندما وصلت إلى بابا بيتها ومن خلف الجدار تلصصت القلوب والمقل علها تلتقي مرة أخرى فيروى ظمأ كان قد بلغ أشده ومداه، ولكنه كما الماء المالح لا يزيد شاربه إلا عطشاً فلا يسمن ولا يغني من جوع.

 

كانت الساعة قد قاربت منتصف الليل عندما امتدت يد أميرة إلى النافذة التي بدأ عليل الهواء البارد يزيح أستارها ويدفعه إلى الغرفة فينثر الأوراق المرتبة على المنضدة الصغيرة ويتسلل إلى أطرافها ليزيدها برودة على برودتها الصاقعة، وما أن اقتربت من تلك النافذة حتى ارتفعت خصلات شعرها الذهبي وتطايرت وراءها ليدخل في جسدها انتعاشاً ويذهب ما كانت تحاول جاهدة أن تستميله وتتوسل وصول سنة منه ولكن تلك النسيمات العليلة قد ألقت بكل جهدها لمحاربة السهر والبحث عن ما يجلب النوم إلى أجفانها، ولكن أمراً فاجأها وجعلها تسارع إلى غلق النافذة مسرعة وتسحب الستائر تترا وتركض إلى سريرها لتتدثر بلحافها خائفة مرتبكة، ثم لا تلبث أن ترفع الدثار لتسفر عن عينين قد خالطهما الخوف والفرح في آن واحد، وبعد تردد تنهض من سريرها تمشي على أطراف قدميها ورويداً رويداً تقترب من النافذة مرة أخرى وبكل هدوء وحذر تزيح جزء يسيراً من الستارة وتنظر مرة أخرى في شبح ذلك الواقف أمام البيت فإذا هو يقف مقابل الغرفة ولا تعلم كيف عرفها ويصل شعاع مصباح غرفتها إلى عينه لتلتقي الأعين مرة أخرى ويبدأ حديث جديد.

 

لم تكن الأيام لتمضي مسرعة كما هي الآن فبمجرد أن نشرت الشمس أشعتها على الكون وطويت صفحة الليل حتى رن هاتف البيت ويرد الأب مبتسماً ويرحب بالمتصل وبكلمة إن شاء الله يختم المكالمة ويتجه إلى الأم مباشرة ويتمتم معها بكلمات لتعم الفرحة البيت بأكمله، فخاطب جديد يتقدم ليحدد موعد قدومه ولأنه من عائلة معروفة بحسن الخلق فقد انفرجت أسارير الأب ورحب بالقادم دون تردد، وفي الموعد المحدد تم استقبال الضيوف وما أن رأته حتى عرفته فحديث الأعين لا يزال مستمراً ولكنه في هذه المرة كان مختلف.

 

بدأت حياة زوجية سعيدة بين أميرة وفارس لم يكن ليكدر صفوها شئ، يذهب الزوج إلى عمله كل صباح ويعود ليجد الزوجة المحبة في انتظاره قد أعدت له طعام الغداء وعلى الطاولة أطلت زهرة ندية يفوح منها أزكى عطر لينشر عبيره على حياتهما فيمدها بأطيب ريح وأحلى نسيم، وفي كل مرة كانت تتبدل الزهرة ويتغير عبقها، فمرة قرنفلة، وأخرى زنبقة، وتارة ياسمينة وكرة نرجس... وهكذا فلا يشعران بملل أو رتابة فحياتهما في تجدد مستمر وعيش هنيء مستقر، والضحكات لا تفرقهما والابتسامات لا تغادر محياهما كعصفورين متحابين يحلقان معاً يلتقيان بتغريد وشقشقة ويفترقان بغناء وزغزغة، ضمهما عش سعيد في شجرة غناء مزهرة حفتها الأزهار والورود من كل جانب وسط جنة مخضرة.

 

وذات يوم استيقظت أميرة من نومها على مغص وارتفاع في درجة حرارتها، منعها من النهوض من الفراش أياماً دون أن تعلم سبب هذا الألم المفاجئ فأحال مرضها حياتهما السعيدة إلى شقاء وألم، وحاولت أن تخفي مرضها عن فارس وتتحامل على نفسها وترفض الذهاب إلى الطبيب حتى لا تزعج زوجها أو تنغص عليه سعادته فتنهض متثاقلة وتعد ما تستطيع من طعام وتتصنع الابتسامة والفرح إذا دخل عليها وتبكي ألماً عندما يخرج من غرفتها. وكثيراً ما كان يسمع بكاءها وتوجعها فيلح عليها للذهاب إلى الطبيب ولكنها كانت ترفض بشدة وعندما لم يجد استجابة منها لطلبه بزيارة لجأ إلى أمها علها تستطيع إقناعها.

 

جاءت الأم مسرعة إلى بيت أميرة ونظرت إلى أميرة بقلق بالغ ولاحظت شحوب وجهها فلم تتمالك نفسها عندما رأت فلذة كبدها على هذه الحال فراحت تتحدث معها وتلوم زوجها أن صبر على مرضها دون أن يخبر أحداً وهو يحاول الاعتذار والدفاع عن نفسه وكانت أميرة تنفي هذه التهم عنه وتدفعها عليها، فأخذت الأم تستفسر منها وتسأل وبعد عدة استفسارات وتساؤلات علت ضحكاتها وضمت ابنتها إلى صدرها بحنان فنظر فارس إليها باستغراب فقالت:

مبارك يا أولاد ستكونان والدين وأكون جدة بعد تسعة أشهر.

كانت فرحة فارس وأميرة لا توصف بهذا الخبر السعيد، فقررا الذهاب إلى الطبيب للتأكد والاطمئنان، وجاءت نتائج الفحص كما أخبرتهم بها والدة أميرة فعادا إلى البيت وهما يكادان يطيران من الفرح.

 

***

استمر فارس في الاهتمام بأميرة وثمرة حبهما الكبير حتى حان موعد الولادة ووضعت أميرة طفلة كأنهما البدر في ليلة تمامه، سمياها قمر فكانت قمر والديها وزادت عرى الحب بين الزوجين ووثقت ما بينهما من روابط ومودة فكان فارس لا يطيق الغياب عن البيت حتى يعود مسرعاً إليه مرة أخرى، يجالس صغيرته ويراقب حركاتها ويستمع إلى صوتها، وكانت أسعد لحظات حياته عندما يصنع لها اللبن ويرضعها بنفسه أو يقوم بإلباسها ثيابها.

 

ولكن الحياة لم تكن لتستمر بهذا الهدوء وما بعد الربيع سوى الخريف ثم صيف حار حراق وشتاء مصحوب بأعاصير وعواصف تقتلع الشجيرات الواهية وتصمد في وجهها الأشجار القوية الصامدة ولكن تلك الأشجار القوية إذا رأت أن الرياح أقوى منها وأشد لا يمكن لها أن تقف صامدة طوال الوقت بل لابد لها أن تميل معها لا عكس اتجاهها فإن هي فعلت ذلك قلعت من جذورها وانكسرت جذوعها فلابد من حكمة وحنكة لمواجهة الأعاصير والعواصف.

 

وبعد فترة أحس فارس بمسؤولية الأب الحقيقية فالبنت بحاجة إلى رعاية وعناية خاصة ولابد من توفير جميع متطلباتها خصوصاً وإن موجة غلاء بدأت تنتشر في البلاد فما عاد راتبه يكفي للأسرة مكونة من ثلاثة أشخاص لذا قرر تأجيل مسألة الإنجاب إلى وقت آخر الأمر الذي كانت تعارضه أميرة فبدأت بعض المشاكل الصغيرة والتي لا يخلو بيت منها ولا تستمر الحياة بدونها، تدب في ذلك العش فيتعكر بشئ يسير منها ولكن لا يلبث ذلك العش أن يعود إلى سابق عهده وصفائه، ثم تعود الكرة مرة أخرى خصوصاً ,إن فارس استطاع الحصول على وظيفة جديدة ذات راتب أعلى من الوظيفة السابقة فبذل وسعه جد واجتهد لينجز مهامه الوظيفية على أكمل وجه ورغم التعب الذي كان يعانيه إلا أنه ما أن يتذكر أسرته حتى يجد أكثر لأن ذلك سيعود بالفائدة عليهما الأمر الذي نال من خلاله رضا مديره فرشحه إلى منصب مسئول في الشركة ولأن المنصب الجديد الذي رقي إليه يتطلب تأخره في العمل حتى ساعات متأخرة وخروجه في غير أوقات العمل وسهره مع أرباب التجارة والأعمال فقد تكرر غيابه وتأخره عن المنزل الأمر الذي فسرته أميرة بإهمال لها وللطفلتين فازداد خلافهما وكبر الشق بينهما وما عادا يجتمعان إلا وكان اللوم أول ما تبادره به فتبدلت كلمات الغزل إلى عتاب والحب إلى خصام ومع مرور الأيام انطفأت تلك الشمعة حبهما وخبت جذوتها وما عادت تشتعل مرة أخرى وذبلت الزهرة وغاب عبيرها وصار كل عصفور يحمل في قلبه هم وألم فلم يعد يمطرها بكلمات الحب وعبارات الغرام، ولم تعد هي تلك الفتاة الصغيرة المشتاقة إلى عودته لتتعلق برقبته كما تفعل البنت الصغيرة مع والدها، بل تستقبله بخصام وتودعه بخصام، حتى بعد أن تحسنت حالتهما المادية.

 

وتستمر الحياة بينهما على ذلك أيام وشهور وتتراكم المشاكل حتى تبدأ رويداً رويداً بالظهور على السطح ومن مشكلة بسيطة يدب خلاف كبير بين الطرفين ويشيع بين الأهل ويظهر كما تظهر قمة جبل الجليد ويلجأ كل طرف إلى أهله ويبث شكواه إلى معارفه وبدل أن يعمل الأهل والمعارف على إذابة الجليد وإطفاء جذوة المشاكل يقف كل طرف مع صاحبه فيضرم النار ويزيدها اشتعالاًَ، وعندها يكون القرار الخاطئ عندما يقرر كل طرف ترك منزل الزوجية والذهاب إلى بيت الأهل الذي يجده مفتوحاً على مصراعيه مستقبلاًَ غائبه، وتستمر القطيعة وتمر الأيام وفي لحظة ضعف تقرر الزوجة وضع حد لحياتها معه فتقرر طلب الطلاق.

 

نزل قرار أميرة على والدتها كالصاعقة، وأخذت تتغير موقف ابنتها فطلبت منها التفكير في مستقبلها ومستقبل طفلتهما.

 

وبينما كانت أميرة تفكر في طلب الطلاق وإجراءات توكيل محام لرفع القضية في المحاكم كان فارس يعيش قصة حب جديدة مع سكرتيرته في العمل التي استقلت الخلاف بين الزوجين فراحت تحيك شباكها حول فارس، وترسم الخطط والمؤامرات وتبالغ في الاهتمام به وبشئونه ورغم علم فارس بسيرة تلك السكرتيرة ومغزى هذا الاهتمام إلا أنه استأنس بهذه حتى استطاعت إسقاطه في حبائلها وأردته في بئر الخيانة فوقع أسير شهواته وصار عبد لذاته، وتكرر خروجه مع السكرتيرة الشقراء، وانتشر خبر العلاقة الآثمة بين الموظفين حتى وصل إلى أميرة فازدادت إصراراً على طلب الطلاق.

 

وذات يوم وبينما كانت أميرة تلاعب قمر على سلم البيت تعثرت وهي تحملها وسقطت من يديها فكان منظرها والدماء تسيل من رأسها يثير الفزع فلم تجد أميرة بد من الاتصال بفارس لنقلها للمستشفى وهناك التقيا مرة أخرى وتلاقت العيون، فاضطرمت نار كانا يظنان أنها قد انطفأت وعاد شريط لقاؤهما الأول يدور أمام أعينهما حياتهما السعيدة وفرحتهما بقمر، فقال فارس:

انظري إليها إنها تذكرني بيوم لقائنا الأول.

أميرة: أو لا زلت تذكر ذلك اليوم؟

فارس: وكيف أنسى اليوم لذي غير حياتي وبدلها.

أميرة: إلى الأسوء أليس كذلك؟

اقترب فارس من أميرة وضمها إلى صدره بحنان وقال: بل كان ولا يزال أسعد يوم في حياتي.

لم تتمالك أميرة نفسها وأخذت تبكي والدموع تنهمر من عينيها.

مد فارس يده ومسح دموعها وقال بحنان: يجب أن نعود مرة أخرى

وقبل أن يكمل جملته ابتعدت أميرة عنه قالت بغضب وكأنها أفاقت من حلم: لن أعود إلى رجل خان ودي أذهب إذا شئت إلى سكرتيرتك الشقراء وانعم  بعلاقة آثمة معها، هل تظن أن أخبارك لا تصلني لقد ذاع خبركما وانتشر بين الناس وساءت سمعتكما.

نظر فارس إلى أميرة بغضب وقال: هكذا أنت دائماً تغتنمين الفرص لتعكري كل لحظات الحب والسعادة.

نعم إني على علاقة معها وسوف أتزوجها شئت ذلك أم أبيت إنها رغم ما يقال عنها لم تسمعني في يوم كلمة تجرحني.

أميرة: وأنا التي كنت سبب شقائك وتعاستك

ثم راحت في نوبة بكاء ونحيب صامت وانزوت في ركن من الغرفة.

قال فارس وهو يهم بالخروج أنت سبب هذه العلاقة فلولا خروجك من المنزل لما استطاعت تلك السكرتيرة أن تأخذني منك.

ثم أغلق الباب وخرج.

فازداد بكاء أميرة وراح صوتها يرن في أذنيه وهو يمشي في ممرات المستشفى فما أن وصل إلى سيارته وهم بركوبها حتى عاد يعود مسرعاً ويصطدم بالممرضات والمرضى في الممرات حتى إذا وصل إلى غرفة قمر فتح الباب بقوة واتجه نحو أميرة وضمها إلى صدره وراح يبلل رأسها بدموعه وهو يقول:

أرجوك يا أميرتي سامحيني لن استطيع العيش بدونك سوف أترك العمل إذا رغبت وأتوب إلى الله من تلك الخطيئة الآثمة.

أميرة: فارس أرجوك أنت سامحني فقد عذبتك بغيرتي وأحلت حياتنا شقاء وكنت سبب هذا الحال الذي ألنا إليه.

فارس: بل أنا السبب لأنني كنت أناني وأهملت أسرتي بسبب العمل.

وقبل أن يتم جملته دخلت أم أميرة الغرفة ولما رأتهما على هذه الحال لم تصدق عينيها فراحت تبكي فرحاً لعودة ابنتها إلى زوجها وانتهاء تلك الأيام السوداء.

***

انقضت بضعة أيام استطاع فارس خلالها أن ينهي علاقته بتلك السكرتيرة ويفهمها بأن علاقتهما كانت لمصالح مشتركة بينهما وإنه رجل محب لبيته وأسرته ولابد أن يتوبا إلى الله من تلك الخطيئة.

حاولت السكرتيرة أن تتصنع الحب وأن تثنيه عن قراره وتقنعه بأنه تحبه ولم تحب أحد قبله وإنها ما بذلت نفسها لأحد غيره، ولكنه ضحك من كلامها وقال:

على هامان يا فرعون.

ولما تيقنت عزمه على قطع علاقته بها أسقط في يديها وقالت:

انتظر سوف ترى انتقامي منك قريباً وستندم على كل كلمة قلتها ولن أغفر لك حتى لو ركعت تحت قدمي.

ضغط فارس على زر المكتب وقال بحزم وهو يقدم لها ورقة ويقول: هذه ورقة نقلك إلى فرع الشركة في الجنوب مع ترقية ولا أريد أن أرى وجهك هنا ثانية وإن لم تخرجي الآن سلمتك ورقة إقالتك وأمرت الموظفين أن يرموا بك خارج الشركة.

ولما رأت جديته وحزمه تظاهرت بالغضب خرجت من مكتبه وأغلقت الباب بقوة وهي فرحة بهذا النقل الذي جاء في موعده لتبحث عن صيد آخر ترمي شباكيها عليه خصوصاً وأن مدير فرع الجنوب شاب أعزب وسيم فسيكون صيداً سهلاً.

وما أن خرجت السكرتيرة من مكتبه حتى أحس فارس براحة نفسية كبيرة وأمسك سماعة الهاتف وراح يتصل بأميرة يريد أن يزف لها الخبر، ولكن ما أن سمع صوتها حتى غرق في حالة نفسية غريبة وكأنه يسمعه لأول مرة فقال:

مرحب بالطهر والجمال، مرحباً بالعفاف والدلال.

ضحكت أميرة من كلامه وأحمر وجهها وكأنها عروس جديد تسمع هذا الكلام من زوجها لأول مرة، فقالت بدلال:

أعرف أنك ضليع في كلمات الغزل فلا تحاول أن تخدعني، لن أستسلم لك.

ضحك فارس وقال: بل أنا الذي أعلن استسلامي وهزيمتي أمام جمالك ورقتك التي لو علم بها الإغريق أو الفراعنة لاتخذوها إله.

ضحكت أميرة وقالت: وماذا سيكون هذا الإله؟

فارس: إنك إله الرقة والحب والحنان

لاحظ جميع من في الغرفة السعادة التي غمرت أميرة وتورد وجهها فعلموا أن فارس على الطرف الآخر يكلمها فانسحبوا بهدوء من الغرفة دون أن تلحظ ذلك.

فقالت وهي تتصنع الجد: أستغفر الله يا رجل ولا تكفر، ودع عنك هذا الكلام إن موعد خروج قمر قد حان فقد أذن لها الطبيب بالخروج ووالدي ينتظرنا للعودة إلى منزله.

فارس: والله لن تركبا سيارة غير سيارتنا ولن تضعي قدمك في بيت خارج اليوم قبل أن تضيئي بها بيتك الذي ينتظرك بفارغ الصبر وعظيم الشوق.

أميرة: لن أعود قبل أن تنهي علاقتك بتلك السكرتيرة.

فارس: لو صبرت لأريتك قرار نقلها إلى فرع الجنوب، ولو كنت أملك أقالتها لفعلت.

أميرة: لا تتأخر فأنا في انتظارك

فارس: ستجديني عندك قبل أن تضعي سماعة الهاتف.

 

خرج فارس مسرعاً من مكتبه واتجه إلى السيارة وأدار المحرك وانطلق مسرعاً إلى المستشفى وقبل أن يصل توقف أمام محل الورود وطلب أن تجهز السيارة وترسل إلى المستشفى ثم ركب سيارة المحل بجوار السائق الذي انطلق مسرعاً يشق الطريق حتى وصل إلى المستشفى.

دخل فارس غرفة قمر ولكنه وجد قمر نائمة وحدها ولم تكن أميرة بجانبها فظن بأنها مختبئة خلف الستارة كعادتها فتظاهر بالخروج ثم انقض على الستارة وأزاحها وهو يقول وجدتك ولكن أميرة لم تكن هناك فطرق باب الحمام علها تكون بالداخل ولكنه وجد الباب مفتوحاً وليس به أحد فانتابه قلق وخوف على زوجته ثم قال يبدو أنها ذهبت تنهي إجراءات خروج قمر، ولكن كيف تترك قمر وحدها، فخرج يسأل عنها الممرضات فقيل له بأنها أحست بألم وتم نقلها إلى غرفة الطبيبة للتأكد من حالتها.

خرج فارس هائماً على وجهه يسأل عن غرفة الطبيبة وما أن وصل إليها حتى منعته الممرضة من الدخول، فأخبرها بأنه زوج المريضة التي بالداخل ولكن الممرضة طلبت منه الانتظار.

كانت الدقائق تمر بطيئة وفارس في قلق وخوف على حبيبته، حتى إذا ما بلغ القلق عنده منتهاه قرر دخول غرفة الطبيبة مهما كان الأمر وقبل أن يصل إلى الغرفة فتح الباب وخرجت أميرة وعلى وجهها شحوب ولما رأته ازداد شحوبها وتسارعت دقات قلبها، ولما رأى فارس وجه زوجته أسرع يسألها ما بك يا عزيزتي؟ ماذا حدث؟

نظرت أميرة إليه وقلت: أرجو أن لا تنزعج من هذا الخبر.

قال فارس بلهفة: وما هذا الخبر الذي سوف يزعجني ما بك يا أميرتي؟

قالت أميرة وهي تغالب الدموع: لن أكن أود أن أسمعك هذا الخبر في يوم عودتنا للمنزل، وأعلم أنك لم تكن ترغب به ولكن قضاء الله لا مفر منه.

قاطعها فارس وقال بخوف وقلق: أرجوك لا تطيلي تعذيبي أخبريني ما الأمر

قالت أميرة وهي تبكي بمرارة: أنا حامل.

ضحك فارس واتجه إليها يحملها بين ذراعيه وهو يقول: يا لك من مجنونة لقد كاد قلبي يتوقف من شدة الخوف عليك وأنت خائفة من هذا الخبر السعيد.

ضحكت أميرة من فعل فارس وقالت وهي تلف عنقه بذراعيها: أنزلني بسرعة لقد فضحتنا أمام الناس كيف تحملني بين ذراعيك هكذا أنزلني هيا.

ولكن فارس لم يصغ لكلامها: وقال لن أفعل وسار بها حتى وصلا إلى غرفة قمر ووضعها على السرير أمام ضحك ودهشة الممرضات والمرضى.

ثم حمل حقائب قمر وسارا إلى الخارج فوجدا السيارة بانتظارهما وقد زينت بورود وأزهار وكأنها سيارة عروسين.

ضحكت أميرة عندما رأت السيارة بهذه الصورة فتقدم فارس وفتح الباب وقال بكل أدب: تفضلي يا سيدتي فهذه عربة سيندريلا بانتظارك.

وضع فارس الحقائب في السيارة وانطلق نحو المنزل وهو يضحك ويتحدث طوال الطريق وكان منظر السيارة يثير الاستغراب فكيف بسيارة عرس تجوب الشوارع في النهار وكلما توقفوا عند إشارة كان أصحاب السيارات يطلقون الأبواق فرحاً بموكب العرس ومشاركة للعرسان فرحتهم فتزداد سعادة أميرة وفارس مما جعل فارس يجوب طرقات المدينة وكأنه في موكب عرس جديد وبينما هم في هذه الفرحة وفجأة خرجت حافلة ركاب كبيرة على السيارة فلم يستطيع فارس أن يتجنبها فتحطّمت السيارة وتناثرت الورود على الشارع ودهستها السيارات والأقدام وانقلب موكب العرس إلى عزاء وارتطم رأس فارس في الزجاج الأمامي، واختلطت رائحة الزهور برائحة الدم، وتحطمت السيارة بالكامل ولم يبقَ سوى المقعد الذي تجلس عليه أميرة، وعلى قدميها قمر، وبفضل الله ورحمته أصيبت ببعض الخدوش والرضوض وتم نقل أميرة وفارس إلى المستشفى وأدخلا غرفة الإنعاش وبعد خمسة أيام أفاقت أميرة من غيبوبتها فرأت والدتها تقف إلى جانبها وهي تحمل قمر وفي عينيها دموع وفي قلبها ألم، وما أن رأت أميرة قمر بخير حتى دخل قلبها اطمئنان وسكينة وجالت بعينيها في الغرفة تبحث عن فارس فلما لم تجده قالت:

أين فارس أريد أن أراه الآن.

سكتت الأم ولم تنطق وانهمرت الدموع من عينيها

فتحاملت أميرة على نفسها وحاولت الجلوس رغم الألم وقالت وهي تبكي:

أين فارس يا أمي، أين فارس أخبريني

حاولت الأم أن تمنع أميرة عن الكلام ولكن أميرة استمرت تسأل فقالت والبكاء يغلبها والدموع تنهمر من عينيها: هل أصابه مكروه

فقالت الأم وهي تبكي: إنا لله وإن إليه راجعون.

 

الصفحة 51 من 54