القصة والرواية

 


                                                 ( 1 )   

الهجعة الليلية التي يستلزمها الجسد ، وتسبح روحي  في فضائها ، لا أعرف كينونتها ، سوى تلك الأخذة التي تجذب روحي ، من عالم الأحياء ،و الحركة والثرثرة ، إلى سُبات الجسد . هل الروح تسكن أيضًا ؟  لا أذكر ، من هجوعي – في ليلتي  تلك – إلا هذا التماوج الذي عايشته ، وجوهًا …، نعم .. نعم .. ، لمن أعرفهم ، أحبهم .

 

--------------------------------------------------------------------------------


أبي ، أمي ، جدي …. ، كانوا يبتسمون لي ، يضحكون، تمدّ أمي يديها لي .   أُفْعَمُ بنشوة وراحة ، لذةٍ أستشعرها ، وكأن خلاياي تنطلق في ملكوت سرمدي . ……………   هدأة الليل ، النفوس  ، هل تسكن الأرواح ؟   

أضع المفتاح في باب المسجد ، أضغط زرًا فيتوهج مصباح . آيات القرآن ، تنساب بحنجرتي ، رطبة ، والفؤاد عائم .     أصدح بالآذان . يأتي عم عبد الرزاق :

-         صوتك خافت اليوم يا عبد الحميد ؟!

-          إنه مثل كل يوم . يتفحصني بعينيه ، يصمت ، ويترنم بجواري بأوراده الصباحية .

قلتُ : -         ماذا بك ؟تطلع نحوي ، عيناه غائمتان :

-         أنتَ ماذا بك ؟ صمتي ، قلبي منتشٍ .

يردف : -         سلّم عليهم .

-          ……………؟ !

غاص في تسبيحاته . اصطففنا للصلاة . قالوا لي وهم يصافحونني أمام المسجد :

-         أطلتَ السجود كثيرًا ؟!

-          أخذني الرجاء . …………………   استيقظتْ أختي ، وأنا ألج البيت .

قالتْ : -         صبحك الله بالخير .

-          الخير كله لكِ .

-          ستفطر ؟ -          ……………..  

تحركتْ ، متحسسةً ما حولها ، تحفظ أركان البيت ، انزويت في غرفتي ، خرخشة يديها وهي تغسل الآنية ، وتحرّك الوابور .   استلقيتُ على الكنبة ، أسندتُ رأسي ، النشوة تتجاذبني ، تغرقني ، كانوا يبتسمون ، ابتسمتُ ، أسبح في طاقات نورانية ، أتحرر من ربقة الجسد ، أتلاشى .. ، الملكوت يسعني ، أصافحهم . 

(  2  )

-         عبد الحميد ! الفطور ..

أكرر مناديةً عليه ، لا يحلو الفطور إلا به ، سيحكي لي عما ينوي فعله اليوم ، أتحسس الخبز الساخن، وطبق الجبن القريش والعسل ..

-         عبد الحميد ! قم ، الفطور .. أخذه النوم ؟  

أتحرّك ، أدفع باب الغرفة ، صوت خطوي يطرق أذني .

-         عبد الحميد .. ، قم يا أخي ..

أتحسسه . صمتي .

 الجسد نصف بارد ، جبهته تترقرق بعرق متجمد . -         فعلتها يا عبد الحميد ؟     فعلتها .. !الوحدة تتماثل أمامي ، أودُّ الصراخ ، أصرخ ، الصوت بلا صدى . الخواء في أعماقي .                                                   

(  3  )   

الضجيج والزحام . الناس متجمعون أمام المنزل .

-         كان لا يزال في عزه .

-          صلّى بنا .

آخرون في ركن  وهم جالسون على المقاعد الخشبية المستأجرة :

-         لم يتزوج ، وعاش من أجل أخته الضريرة .

-          ربنا أعطاه من التجارة كثيرًا .

-         يده لم تخرج فارغة من جيبه . النسوة متشحات بالسواد .

يقلن :-         عجيبة أخته ، لم تنحْ عليه ، فقط الدموع ، ولا حتى صرخة !……………..

تقول أخته : -    ظننته نائمًا على الكنبة كعادته وهو يسبّح ،

سبقتني  ، وفعلتها ، كنتُ أمني نفسي بأنك لن تفارقني ، وأنا أكبرك في السن ، وستحملني إلى ………………..عم عبد الرزاق المطرق تحت شجرة الكافور ، أمام البيت :

- شفتُ البشرى في عينيه ، عقبا لي .             

الصفحة 50 من 54

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

تسجيل الدخول

إصدار شعري

بحث متقدم