القصة والرواية

  بدأ مفعول الحبوب المهدئة يحد من قبضات الاختلاج المتسلطة على جسدي, استرخاءٌ جميل يدب في أوصالي, أعرف أنه لن يستمر سوى لبعض الوقت, مداه مرهونٌ بي بالدرجة الأساس, الموسيقى الهادئة تجوب أركان الصالة, و لكنها لا تلج أذنيَ إلا لماما, يفوح عطر هيلدا في المكان, أنفاسها ما تزال تلفحني بعبقها, أتحسس جسدها اللدن, نعومة يديها التي مضت تمسد بشيءٍ من الانفعال جسدي من الرأس حتى القدم, محمومة بدفق الحب الأول, و شفقة متألمة, تترقرق في لمعان عينيها البنيتين, تحملني على الطفو و لو لحين, راح يتناقص مرةً تلو الأخرى, فوق سطح نهر رائق, أتهادى مع ترانيم أمواجه الهادئة في خدرٍ لذيذ يلف خلجاتي, شيءٌ من الوسن قد يسلمني لنومٍ متقطع, لا تعافه أحلامي اللاهثة القلقة, أثير استغرابها بتوقد فحولة عصبية ثائرة, ألمح في سحر تلكما العينين ذلك الاندهاش القديم من حمى أشواق الرجل الغريب, حنطي اللون, يتذبذب الشعر الرمادي في رأسه التي استكانت إلى ثراء صدرها العاجي طويلا, من قبل أن يقرر كل منا إفناء مآسيه في حياة الآخر, تلك كانت أيامنا الشقية الجميلة, عرفنا أن ما يجمعنا أكبر من نهم مهاجر جديد, يقاوم الانكفاء تحت ظلال ماضيه القاتمة, تلتهم الغربة أوقاته, و امرأة كانت على وشك إدمان المخدرات بعد قصة حب خائبة استنزف خداعها جسدها و أعصابها و أموالها التي ورثتها عن والدها, تركتها للاغتصاب من قبل الوحدة اليائسة وسط صقيع الليالي ..  

 لم أكن من أولئك الرجال العابرين في حياتك, يستلذون يجسدك الجميل, رغم ما يشوبه من وهن, ثم يرحلون بعيدا عن عالمك المضطرب, طلبتِ مني في أول لقاءٍ مخمور جمعنا أن أمثل دور العاشق, و أن أهمس في أذنكِ بعض الكلمات الرقيقة, بركاكة لغة كنت قد تعلمتها حديثا, أو حتى بلغتي التي لا تفقهين منها شيئا, و إن كنا لن نرى بعضنا مرةً أخرى ..

 استعجلتُ رحيلك .. خجلت أن تعاودني تلك القشعريرة المقيتة ما أن تكلميني أو تحاولين الاقتراب مني مجددا, يداخلكِ شبقٌ جموح لاستعادتي بالكامل, رغم ما أرسته تشنجاتي فيكِ من إنهاك, تجرعته بمزيجٍ من اللذة و العذاب, كنت تبحثين في عينيَ عن سرٍ لا أعلم عنه شيئأ, و أنا أتفصد عرقا باردا يبلل شعر صدرى الكث, يدركني خواءٌ تام, لا أشعر سوى برغبة البقاء بمفردي, لا أتجرأ حتى على السؤال عن إبننا جو, يوسف كما أحب أن أناديه, ذلك الصبي الأشقر المنصهر في دمي, قبل أكثر من شهر رجوتكِ إبعاده عن أزماتي الغريبة, ارتجاف يديَ, الجفلة المفاجئة التي تعتريني مع إصدار أي صوت, و إن كان صرير باب, و كأني أتوقع انفجار لغم سوف يحيل المبنى إلى ركام في غضون ثوانٍ, أو لدى دخوله بمرحه الطفولي أينما أجلس, كما لو كان يجر في أعقابه مجموعة من المسلحين, بألبسةٍ و لغاتٍ مختلفة, ينوون إبادتنا بإصرارٍ وحشي, كنت ألاحظ خبو وميض عينيه, ذهوله الذي يمحو عن ذهنه ما أراد محادثتي بشأنه حول زملائه و آخر أخباره و نوادره, كما عودته, لم نعد نتشارك سماع الأغاني و المواويل التي شقيت بإفهامه معاني كلماتها, و لا صار بمقدوري أن أقرأ له قصص الأطفال باللغة العربية و أنا أحثه على ترديد بعض جملها ورائي, رغم صعوبة نطقها بالنسبة إليه, و محاولة كتابتها في كراسه الصغير الذي رسمت فيه خارطة بلادنا بلونٍ أحمر قاني .. لم أعد أستطيع النظر إليه كلما سمعته يسألك عن غرابة أحوالي, و هل هو مرض خطير يستدعي ذهابي إلى المستشفى .. لا أستطيع أن أفجر غضبي في وجهه من جديد, أو أعرضه لموقف محرج آخر أمام أيا من أصدقائه, كما حصل عندما أتى أحدهم للمبيت عندنا في إحدى عطل نهاية الأسبوع, بعد أن استوقفني لدى خروجي من المطبخ, مرتبك الخطى و الحركات, فقط ليسألني عن حقيقة أخبار المعارك الناشبة في موطني الأصلي منذ أعوام .. خرجت رغما عني صرخة مكتومة, صاحبتها ارتعاشة سرت في بدني كتيارٍ من كهرباء, كما لو كان يوجه لي اتهاما ما, أجفلت الصبيين فلم يصغيا لانفعال إجابتي المتقطعة, المبهمة حتى عني ..

  قدح الشاي يهتز في يدي حتى كاد ينسكب شيء منه على البرنص الذي ارتديته بعد خروجي من الحمام الساخن الطويل, بمجرد سماعي صافرة سيارة إسعاف, و لعلها كانت سيارة شرطة أو إطفاء, مرقت في الشارع سريعا, نظري مصوب نحو التلفاز المطفأ, لم يعد بإمكاني مشاهدة أي قناة إخبارية, كما أوصى الطبيب النفسي الوسيم, هادئ الأعصاب دوما, لا أدري أي جنون أو يأس ألقى بي على باب عيادته الأنيقة, بعد أن عجز طبيب الأعصاب عن حل ما يكمن في جسدي من ألغاز, كما لا أعرف أي قدرةٍ تواتيني على ترجمة كل ما أهجسه و ما يختلجني أمامه, أوَ كان سوف يكون الأمر أسهل لو أنه يتكلم ذات لغتي الأولى, لعلنا سوف نتمكن من التواصل أكثر عندئذِ, فلا أرى في عينيه تلك النظرة الجامدة, و لا في ملامح وجهه الباردة البلادة التي تكاد تدفعني إلى لكمه أحيانا, ربما أستطيع أن أسمع شيئا من تلك النبرة العصبية التي يطالبني بالتخفيف منها قدر استطاعتي, نزع فتيل الذكريات المتنامية داخل رأسي كخلايا سرطانية تزرعني في أرضٍ غادرتها منذ أعوام قبل الانفجار ..

 أنت هنا, هنا و لست هناك, لا الآن و لا قبل سنوات, أفهمت, مآسي حروبك قد مضت, و آن لك أن تحيا  في دنياك الجديدة التي كافحت للوصول إليها بسلام حقيقي, فدمارك لن يكسب بلدك شيئا .. كان يصوغ مقاطع كلماته و كأنه يلقن تلميذا بليدا درسا أعاد شرحه مراتا و مرات, و القصف يواصل أزيزه في كل مكان, صياحٌ و عويل, تكتم الأنفاس رائحة اللحم المحترق, و دخان قانم السواد يحوم في السماء مثل إعصارٍ ساحق ..

 تساءلت عن عدد المحطات التي يتوجب علي المرور بها حتى أبلغ مدن الجحيم البعيدة, أحث جسدي على النهوض و البحث عن جواز السفر, شهادة ميلادي الثانية, احتفلت و هيلدا به في متنزهٍ واسع, كانت مشرقة و ضاجة بالأنوثة, افترشنا الحشيش الناعم, توارينا خلف جذع شجرة كبيرة, ثملنا, ارتوينا, أبصرت جنوننا النجوم, رغم تكَور بطنها, و سطوع قمر غاب عن تيهي و رفاقي في الصحاري المعتمة, و الطائرات تحلق على علوٍ منخفض فوقنا, ركلت خوذة أحدهم لدى هرولاتنا نحو قطعاتنا الخلفية, التي لم نجد لها من أثر, كانت تضم رأسه المهشمة فوق الرمال, لزوجة  الدماء لا تزال تندس بين أحشائي من حينٍ لآخر, كما لو أنها تتفجر بين قدميَ من جديد ..

 يفزعني من نومٍ خفيف متقطع, أشبه بسكرةٍ تطوِح العقل بين أراجيح الهذيان, لحنٌ يحمل لمحةً من شجن عالمي الآخر, رغم إخفاض صوت الهاتف إلى أقل درجة, تترامى الحروف من على شفتي يوسف ترامي قطع الثلج من فوق سفح جبل شديد الانحدار, يستنجد بضعفي حتى أطلب سيارة الإسعاف لوالدته .. وجدها مغشيا عليها, مزرقة الوجه, على أرض صالة الشقة التي انتقلا إليها, كما راح يخبرني في المستشفى, أمام غرفة فتح بابها الطبيب بعد أكثر من عشرة دقائق : تناول جرعة كبيرة من المخدرات التي يظهر أنها قد عادت إلى تعاطيها منذ شهر تقريبا ..

 هيلدا الجميلة في رقدتها شبه الملائكية على السرير, رغم شحوب وجهها و ما يستحوذ على جسدها الناعم من إعياء, رقيقة الروح إلى درجة قد توحي لك أنها لن تبرح طفولتها أبدا, رأسها الرقيقة اعتادت أن تتوسد صلابة كتفي العريض منذ سنوات, تغمض عينيها في صمتٍ يكاد يكتم صوت أنفاسها, تطلب مني الكلام, في أي موضوع, المهم أن تسكن خشونة صوتي أذنيها, يتكوَم جسدها في حجري, ذراعاها تتعلقان في رقبتي بقوة, تنفرج شفتاها عن ابتسامةٍ مطمئنة, حميم عناقنا يصهر جمود خلافاتنا و اختلافاتنا خلال لحظات من توقنا العميق ..

 انصرف و ذلك الصبي التعيس للجلوس في الطرقة, ظل ينقِل عينيه المحمرتين من طول السهر في هلعٍ و شدوه بين الغرفة التي ترقد فيها والدته فاقدة الوعي و عمق شرودي, حتى عاود جسدي بعض اضطرابه, فلا أجد سبيلا غير النهوض من جانبه, علَ السير يمتص بعض انفعالات جسد يتلبسنى فجأة و يغادرني فجأة, تملي عليً تشنجاته جل تصرفاتي المنسلخة عن رجل جاوز منتصف عقده الرابع, ألتهم حبة مهدئ, دون ماء تعودت ابتلاعها, في حديقة المستشفى الخلفية يصعقني بردٌ قارس, رغم رفعي ياقة المعطف, كفايَ مدسوستان في جيبيه الجانبيينن, تتلمس أصابعي المتجمدة جواز السفر الذي كنت قد وضعته في أحدهما, ما أن عثرت عليه بين فوضى أحد الأدراج, و غلالة من ضباب الفجر الكثيف تلفني كشرنقةٍ تهيم بالأشياء من حولي ...

                          

                            .....................................................

                                                                      22 ـ 4 ـ 2008 عَمان

كاتب عراقي مقيم في الأردن

-         ما كل هذا الهدوء .. ؟ المنشية لا حس فيها و لا خبر .. عهدي بها .. لاتنام إلا مع الفجر الجديد ؛ فالناموس يحاصرها داخل حجرات النوم .. ما بالها ونحن فى عز الصيف .. الجو حار .. والجدران يلهب صدرها قرص الشمس طول النهار .. ما من هبة طرية .. النجوم هي الأخرى تخايلني ضنينة .. تعزف على أغنية " غاب القمر يابن عمى .. يللا روحنى " إنها لم تدق الثانية عشرة بعد .. إحساس مخيف يعشش .. يطبق على صدري !!

انساقت شفتاها بعفوية .. رددت بعض الآيات و الأدعية .. ارتعش بدنها .. تطوحت .. تقنفذت في خوفها الزاعق .. تدافعت خطواتها .. شعرت بالإيناس وقت سماعها دبيب قدميها . أقبلت ثلة من الكلاب من عطفة جانبية .. استدارت .. أناخت أخطامها .. همهمت .. نبحت .. تعاركت في ضراوة .

يستبد بها قنوط .. تلتصق بجدار .. تتداخل فيه . ينفرط عقد المعركة .. حسم الموقف أفحل الكلاب ..انفلتت مطأطئة رؤوسها !!

-         كنت مرتاحة البال .. أرصد ساعة تزف الشمس إلى حضن عريسها .. لا يتعبني أي شيء .. أرقب أمي و أخوتي عودة أبى في حب و تهلل .. آه يا أبى .. لولاك ما خرجت . معشوقك الذي أفنيت معه عمرك شاخ .. أصبح عاجزا أمام هذا الغزو .. ياما جلبت لى من عمل يديك – المزوى و الحرير و المقصب و السكروتة – اليوم تدخل البيت عابس الوجه ، محملا بأثقال الدنيا .. مكدودا .. تسترخي بجانبنا على الحصير .. تتوجع .. تزعق من آلام الروماتيزم .. و آلام العجز الذي يطاردونك به .. يرتسم على جبينك أخدود عميق الأسى و الحزن .. سرعان ما أفزع .. أخطف الطبلية .. وأحضر كسرات الخبز الجاف التى نديتها بالماء .. وصحن البطاطس المحمرة بالزيت .. وبعضا من حزمات الفجل و الكراث .. لكم تآوهتَ .. تباكيت على ولدك البكرى الذى لم تنجبه .. ولكم شعرت بالحزن لأجلك .. آلمنى كثيرا هذا العجز المفروض على كونى أنثى !!

انعطفت .. اقتربت من حارتها .. اختنقت حد الخوف و الرهبة .. أحست بهسهسة وحركة .. تلفت .. انبسطت أساريرها .. أمعنت النظر .. لا شيء .. تجمدت .. ذابت فى بعضها !

-         كان أبى يحرم على الخروج بعد صلاة العشاء .. أصبح الأمر لا يهم الشركة فى شيء .. كانت فيما مضى تراعى هذه الأمور .. ما عادت تفرق بين بنات و أولاد .. تحدت العرف .. وفضت بكارته .. كأنها تنتقم من تاركيها – من الرجال – في صورنا نحن !!

-         كم مرة أسمع أصواتا .. و لا شيء إلا الخوف .. حتى لدرجة ذوبان المفاصل و البلل .

اصطدمت بحجر .. اندفعت مقدمتها بقوة لمسافة كبيرة .. تماسكت .. تهالك جسدها .. أخيرا تهلل وجهها .. هدأت أعصابها المتوترة .. إنها حارتهم .. انعطفت – ظلام كثيف يخيم على كل شيء .. شعرت بقرف و ضيق !

-         لا أحد يهمه أن تكون الشوارع نورا .. لم تعد تهم أحد .. حتى مؤسسة الكهربا .. لا تهتم إلا بالسحب و الخدمة .. لا يهم إن نمنا فى العتمة أو ... سيان أصبح الأمر .. ليتنا كنا نسكن هناك .. فى محب و لا السبع بنات و لا القوتلى .. حيث الدنيا ظهر .. و البيوت تلمع كالبدور .. و الشوارع كأنها عرائس مزدانة بقوس قزح .. كثيرا ما علق أبى لمبة فى الشارع ، لكن شياطين الليل كانت له بالمرصاد .. حتى زهق ..ولم يعد يهتم هو الآخر !!

-         و لا كلمة ..!!

ألم يكاد يثقب ظهرها ، ويد حديدية تعتصر ذراعها الضعيفة !

-         لو رفعت صوتك هاجيب كرشك .

هبط قلبها .. متهالكا تخلى عنها .. فى قدميها كان .. وعجز لسانها عن مجرد آهة .. احتوتها رعشة ذابت معها كل مقدرتها على الرؤية و الاتساق .

-         يا ربى .. البيت في آخر الحارة !!

حاولت خطف نظرة من صاحب الصوت الغليظ .. ضغط على ذراعها حتى كاد ينكسر .. تآوهت .. تلوت متداخلة في بعضها .. ناخت بركبتيها على الأرض .. استفزها ..جذبها بقوة .. التصق بها .. المطواة تنفذ فى عمودها الفقرى !

تشعر بالدماء تغادرها .. لحق بهما أخرون .

-         إنها عصابة .. ياويلى .. ياسواد ليلى . رفعت ثقب عينها .. التقطت جانبا من ملامحه .

-         أكاد أعرف هذه الملامح .. ليست غريبة على .. أيكون هو ؟!!

-         طيب بس قولوا لى ..إن كنتم عايزين الشنطة خدوها .. بها خمسون قرشا.

صفعها صفعة دامية ، أخلت بتوازنها

-         اخرسي ياحيلة أمك .. وامشي من سكات .

-         نعم هو .. أي مصيبة حطت على .. من أسبوع خطف البنت رجاء بنت جارتنا نبوية .. أمي كثيرا ما حذرتني من هذه السحنة .. أخذ رجاء .. ساقها إلى الغيطان .. وهناك فرط رمان صدرها .. وقلبها .. و أشربها الذل ..ما ترك مكانا إلا لوثه .. ولم يكن وحده .. أربعة بغال نالوا نصيبهم .. ضبطهم الفلاحون هناك .. وطاردوهم .. ولكن متى .. ؟ يا لمصيبتى .. هل جاء دوري ..؟!!

التووا بها بين العطف ميممين صوب الخلاء .. فقدت القدرة على تمالك نفسها .. بهت كل شيء .. همدت أنفاسها .. و نقمة ترتفع حدتها تجاه الحي كله .

-         رجاء .. تهجم عليها أحد الفلاحين .. و الغيظ يأكله .. لطمها كثيرا .. راحت فى نوبة بكاء .. انهار غيظ الرجال وقت كشف لهم القمر الملابس التى غاصت فى دمائها ..والممزقة من دبر ومن قبل .. وعدم قدرتها على الحركة .

-         قالت : نفس الفلاح الذي ضربني ، كان يرتق لي الثوب ، وهو يبكى ، و يصرف بأسنانه .. وساقوها إلى قسم الشرطة بعد أن خيروها بين الستر و الفضيحة .. كان هناك بلاغ بغيابها ، و أكف غلاظ .. و أرجل تعشق الركل. لو صرخت فلن يتورع هؤلاء الشياطين عن قتلى ، و الناس فى عمق البئر يغطون .. من سيسمعنى ؟ أسحب هكذا و على بعد خطوتين آدميون نائمون .. ملعونة هذه اللقمة .. ملعون كل شيء .. وماذا بعد ؟ يضيع كل شيء بين الأنياب .. و لا شاهد إلا خيال شجرة .. انطمست معالمها في غبشة الليل .

جن جنونها .. أحجمت عن الحركة .. حاولت أن تصرخ .. لطمها أحدهم .. تكالبوا علي جرها قسرا .. فزعت من قعدتها بركلة ، شعرت أنها فصلت عجيزتها عن بقية جسدها .. يدفعها ثانية .. تجحظ عيناها .. تشهق !

-         ياربى .. غير معقول أن تكتب على أن أكون بنتا عديمة الشرف .. أتُكتب فضيحة ياربى ؟!!

ما أسأت إلى أحد .. ما قلت لأبى مرة يا " خى " .. ما رفعت صوتي في وجه أمي .. وما رددت سائلا وقف ببابنا .. حتى الأولاد فى الحارة يستغلون طيبتى ..و يستغفلونى .. أنا البنت الساذجة .. ما ضربت واحدة من أخواتي .. لم أسرق .. ما كذبت إلا مرة واحدة .. يا ربى .. غير معقول أن يكون ما أنا فيه مكتوبا .. أترضى أن يعريني هؤلاء .. أترضى ..؟!! أنا لا أرضى .. والموت أحب إلى .. المطواة أرحم لي .. أطوح بجسدي على حدها المغروس فى ظهري .. و ليفعلوا ما يحلوا لهم .. أما و في نفس يتردد .

تغمض حدقتيها .. تحاول التلفت .. يستحثها هاجس . صوت شخير يعلو من خلف البنايات .. تتكتل الأصوات .. نباح كلب يعلو مزلزلا كيانها المصادر .

-         أكثر .. أكثر يانباح النذير .. أكثر .. افزع النيا م .. الموتى !!

يطنطن فى الآذان أزيز بعيد .. يتضخم الأزيز .. لا ترى شيئا على مدد الرؤية .. الصوت يدنو .. يدنو .. يتهافت صدرها .. قلبها .. تلوى رقبتها .. تتابع الصوت .. تنامت قشعريرة .. ارتج جسدها ..طفحت دموع غزيرة معانقة دماءها المتفجرة من أنفها الدقيق .. سكن الأزيز .. تهاوت أربطة القوة .. تساقطت نزيفا خرق الحجاب .. اختنقت سبل الاستشعار .. هيمنت جمادية هيكلها الضعيف .

أتاها الصوت مجسما .. أمعنت .. تلبدت مكانها .. علا الصوت .. برزت عربة منطلقة فى سرعة عالية .. أحاط الأولاد بها .. أصبحت شيئا محصورا لا تناله عين .. دنت العربة .. أحجم الأولاد .. تحركوا بأمر من كبيرهم .. توقفت العربة .. تتفادى بركة فى الطريق .. صعق الشياطين .. تماسكوا .. الموتور يعمل .. العربة تتأرجح كأنها تعانى مغصا مأساويا .. تتحرك .

-         أيكون عم زكريا .. أم محسن ابن خالتى زكية .. يا ربى .. ماله لا يتوقف .. قد يكون وحده .. وهؤلاء كثرة .. الكل يبحث عن السلامة .. قال أبى : ماعاد خير فى الدنيا .ما أعلمنى .. قد يكون مترددا .. تتمحور فى داخله المبررات - : و أنت مالك .. هل اشتكت ؟ .. هل طلبت منك الخلاص .. افرض إني ساذجة أو بنت من إياهم .. ألا تمنع مصيبة .. أهذا يحتاج تصريحا منى أو إذنا .. أترتضى بنت فى الدنيا هذا العار مختارة إلا فى عرف الكلاب .. ؟!!

استجمعت قواها السائبة .. تجمعت حروف الكلمة .. ما بقى إلا أن تعبر متاهة الحنك .. خرجت شائهة ..قتلتها يد غليظة ..حطت على حروفها . العربة تبتعد ببطء .. تبتعد .. رجاء تنتصب عارية : ازعقى .. ازعقى ياخائبة .. ازعقى يابنت .. !!

انثنى جذعها تحت رشقة المطواة .. ازعقى ياخائبة .. قضمت الكف فى سعار . تألم .. ارتخت قبضته ..حطت ثانية بقسوة و لكن بعد أن تجاوزت حروف النداء حدود البئر . سلط السائق أنواره .. ارتد بقوة أكثر .. داهم الأولاد .

يتطايرون كل فى اتجاه .. متداخلين فى بعضهم مطأطئى الرؤوس .. يسترون ملامحهم . و السائق خلفهم : حلق ياجدع . يجاهد للنيل من أحدهم . وهى بهستيرى ترتعش .. كائن ينزف حتى الموت .. تهالكت فى إعياء .. بان وجهها قانيا مشربا بالصفرة .. استكان ذراعها ..تتدفق الدماء من ظهرها إلا أنها كانت تهمهم فى ضحكات واهنة ؛ بينما النوافذ و الشبابيك ترفع أستارها متحفزة !! 

   دخل من الباب الأمامي بدل الخلفي خطأ..استقبله نفسه بدلا منها ..أراد ان يتحدث لكن لسانه تخشب..أدار وجهه في كل الاتجاهات بحثا عن تبريرات..وحين لم يجد شيئا قبَّل يَد الواقف الذي لم ينبس بكلمة ، لكن صفعته المدوية قالت كل شيئا وعلمت المغلوط كل شيء.

 

 

 

 

لم يكن استبدادا منى ، حين قلت لها :" لن تذهبي إلى عملك اليوم ".

فقد أدهشنى أنها غدت أكثر ارتباطا بعملها هذه الأيام ، و بشكل لم يسبق له مثيل ، حتى و أنا طريح الفراش ، رهين المرض !

ربما حامت برأسي هواجس و شكوك ما ، و اتهمت نفسي بالغفلة ، أو البعد عن أرضى وموطني ، لكنني حين أومأت برأسها موافقة ، و هى تردد بفرح عجيب ، وتدخل في لحمى :" لن أذهب اليوم .. و لا غدا .. و لا بعد غد .. أنت عندي أهم من العالم ".

تأكدت أنى غاليت  ، و على أن أقدم لها اعتذارا يليق بها !!

 

الصفحة 48 من 54