القصة والرواية

   قول العامة فيه أنه لا يوصف بوصف، واكتفى الدفاع بالقول أن الأمر خطير والعدالة فوق كل هذه الأمور تنتظر نهاية كل الأقوال لتصدر حكما كونها سلطة تقدير لكل الأحداث ، بينما ذلك العون البسيط مجرد صاغ لكل هذا وذاك، وفي خاطره تجول كل الأحداث وخاصة أن الأمر بين إنكار و طفولة تغتصب، وينتهي عند ريعان الشباب، وقصة امرأة يلفها الغموض، رافعة يدها دوما إلى الأعلى تعلن براءتها للجميع بعد أن حضرت لديها العاطفة حول الطفلة المنتهية التي لم تكن فاقدة الفتاة "تيفاوت".

تلك الصبية المترفرفة بين الدكاكين والمخادع التي غالبا ما تدخل إليها معبرة عن كبرها وهي كالفراشة المسترسلة في الطيران ، لم تكن الأم فاقدة الطفلة إلا أن تعلن للجميع أن السيدة الحاضرة المعلنة للبراءة هي من رسمت في نفسها  لغزا  غير مفهوم ، ولا تطلب منها إلا معناه ، وهي تحمل إليها دلوا به كيس وقميص مبللان ومن فوقهما كلأ للأغنام ، بينما السيدة غير معترفة بذلك الفعل  لكنها  تعيش لحظة إحباط،  لأن  أقوال فاقدة الطفلة  تتخللها دموع علها ترحم ذات العامة وذات  الأم. وتارة أخرى تهوي غضبا جنب قفص الاتهام الذي لا يشمل غير السيدة المحتارة بين الإنكار والتهم  الموجهة لها بإتقان , سئلت السيدة عن دوافع الاتهام فأعلنت عداءها للام فاقدة الابنة ذلك الأمر يخص خلافا سابقا على شرفة في واجهة دون بينة واضحة على الأوراق ، بينما الأم تنفي ذلك الأمر وطلبت منها العدالة الوضوح في قضية المنتهية تيفاوت وتقول:

ـ كنت رفقة تيفاوت صبيتي المعتوهة ، حملنا بعض الكلأ للأغنام كانت تمسك يدي بقوة كأنها تعلن النهاية، خرجنا من الإسطبل طلبت مني أن أدعها ترحل إلى بيت جدها لتمرح معه قليلا، بقيت هناك طويلا دون العودة إلى البيت سرت مهرولة سألت أبي ورد علي :

ـ منحتها قطعة نقود وانصرفت لتشتري حلوى.

خرجت معه لكي نبحث عنها، طرقنا أبواب أهل الحي ، خرجوا جميعا ، وركبنا موعد البحث عن "تيفاوت" ، فرق هنا ، فرق هناك، الكل يصرخ بأعلى صوته:

ـ تيفاوت..تيفاوت...تيفاوت

لم يكن الرد، لا من هنا، ولا من هناك، الصدى يمزق أطراف المكان ويرد:

ـ تيفاوت...تيفاوت...تيفاوت

 طواف من جديد حول كل الأركان مصابيح متناثرة على التراب بأضوائها الصفراء والبيضاء والنبات في الأرض يداس لكي توجد تيفاوت ، طال البحث ، ألياف الليل تتسابق إلى المكان ، أوراق الأشجار تصنع حسها المخيف، وقمر غير واضح في سماء لا بد أن تكون شاهدة وستعلن ذلك رسميا يوما ما.

السماء ينقصها البكاء، الصبية في الحي يعلنون الجوع، كلهم منزعجون لفقدان "تيفاوت"، الفراشة الجميلة ليوم هو النهاية، سيكون النهاية.

و من جديد تمدد الليل، في ظلمته الواسعة، ما زالت فرق هنا وهناك، وبعد وقت طويل توجه المصباح الذي زاد في طعم هذه القضية ، لكي تنسب التهمة لهذه السيدة دون عبث، هذا المصباح يعود لابنها الذي توجه إلى مكان الجثة ليعلن تواجدها ميتة ، وبعد تفحصها من طرف الضباط وجدوها مجددا كالشاة مرمية ورجلاها معلقتان في السماء ، بينما الرأس يسيل في بحر دام ، الطعنات لا يمكن أن تنسب لمن يحمل مثقال ذرة من إنسان، وجود لجثة تحمل حقيقة مختفية بين ضلوع هذا الكون الرهيب ، لكن شكوكي حول هذه السيدة الحاملة للدلو الحامل لقميص وكيس وكلأ ، طالبة عدم البوح عنها ، وعثور ابنتي  جثة، لا يمثل إلا حقيقة غير الحقيقة .

طلبت العدالة من السيدة تفسيرا لذلك:

ـ إن كانت الحقيقة هي ما تقول الأم، فأين الدلو الذي تدعيه؟

ـ إن كانت الحقيقة كل هذا ، فكيف لي أن اقتل الصبية في جنح الليل وسط المزارع؟.

ـ إن كان الابن قد عثر على الجثة ، فلم يكن غير فاعل خير.

العدالة تطلب من الأم إضافة في القضية

ـ عفوا ليست إلا شكوكا.

صدر الحكم لفائدة الشك.

ضاعت الأوراق ، وتضيع الصبية "تيفاوت" فداءا لكل شك.

                                                                                إدريس الجرماطي    

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رسمت أقداره البائسة ببسمة قاسية بثتها إياه براحة وتأمل، ليبادلها الطعنة بمشروع ابتسامة ومجموعة نظرات تافهة مع إحساس عال بالشموخ والكبرياء، فكرت كم هو رائع بعد كل سنين الحب هذه أن تكون لدى المرء القدرة على خداع الذات في لحظات، حين يقرر ببساطة التقدم خطوة للأمام على أرض يكون فيها البقاء على الهوى انسحابا للوراء، هي لحظة تفصل القرار عن التحقيق فتعيشها كأنها دهر كل ما به خالد سرمدي، قبضت خلالها على حبه الذي اجترعته مزاجا بليالي السمر والوحدة، حين كان يدركها الملل ولا يرضيها أكثر منه غير فكرة وجوده، وروعة شوائب شخصه التي أراحتها زمنا له، لاطمئنانه لحقيقة أن ليس من داع ليقاوم إنسانيته، وأن حريا به التسلي بها، فسهل عليها نسج رجل من جنس كثير التطلب لا يملك طلبا سواها، آمنت أن في نقائص الرجال شيئا يعلمنا التدبر، وفي حب نقائصهم شيئا يعلمنا القبول، ليصير الهوى عقيدة تجمع العقل بالروح، ولا شيء عندها في كمال عقيدة تنسجها لتعتنقها حينا وتنساها آخر، كان كماله في رفضه إنكار فضل عيوبه على ما يكونه، وما في هذا الفكر من تناقض عند امرأة ترى الكمال عيبا في حد ذاته، كم كان ليبدو سخيفا إن تظاهر بالعلم حيث يجهل، أو مبتذلا إن ادعى الشجاعة يوم أرقده الخوف الفراش، أو مضطربا عاجزا إن رسم البراءة حين يأثم قاصدا لذة الإثم و روعة الإحساس بالبطش والطغيان، ابتسمت من أعماقها مقتربة منه، همست له بصدق غير مصطنع ختمت به لحظتها الأبدية، وإن كان ذلك ليقينها أنه لن يصغي:

- أخاف على حياتك إن أنت ذهبت، إني أرى الموت.

- لم أعرفك متبصرة الحياة والموت فلم تبدئين الآن؟

- لا تحتاج البداهة لعرافة، بل لعين تبصر و تزن.

- وما وجدت؟ 

- سيدي المستشار، إن الجالس الجديد على العرش رجل عالم مثقف، ورغم كثرة مكرك لن يفيد المكر معه في شيء.

- تأكدي أن خوفك هذا دون سبب.

- ليس خوفا سيدي، ليس ذاك الذي تعرفه.

- أتذكرين الذي قبله؟

- و كيف لا أذكر رجلا يهوى الظلم للظلم، يتجرع دموع الغير كنبيذ فاخر، يدوس في لذة ملحونة جراح أطياف اصطلح على تسميتها بالبشر، وكنت ذا الحظوة لديه، يهوى الرجوع إليك بعد أن يعصف خرابا بشعبهن فيستريح لسماع أعذار نسجتها لتبرر جنونه  فيأمنك، يصدقك، ليس لأنه بحاجة لذلك، بل لأنه لا يمانع أن يكون هناك من يضفي عليه صفة القداسة.

- إلى أن رحل، و بقيت أنا، أتذكرين الذي قبله؟

- و كيف لا أذكر رجلا أخذ من الناس لنفسه، استكثر النحاس عليهم من أجل أوان من ذهب، هدم الأكواخ فوق أراضي اليتامى ليبني قصرا فوق ما كان مصدر رزقهم الوحيد، وكنت خير من يأخذ من جيوب الآخرين واضعا في جيبه، أبرع من يعرف من يسرق ومتى يسرق، حتى رضي عنك كل الرضا، فقد كنت له كما يكون لكل ملك إنسان أليف.

راح يضحك ويضحك بزهو وقال:

- إلى أن رحل و بقيت أنا، سيرحل الكل أما أنا فدوما سأبقى.

نظرت إليه باستخفاف صامت سائلة:

- هل تذكر يوم التقينا؟

- يخيل إلي أحيانا أننا التقينا قبل أن نتعلم التذكر، و الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني دوما أحببتك، و دوما أحببتني، بحسناتي و نقائصي.

- و كيف تطمئن لشخص مولع بالخطايا و الشوائب؟

- (باسما بثقة) أنا كامل في نظرك يا حبيبتي.

ثم رحل تاركا إياها تردد بيقين في سرها: إنه رجل ميت لا محالة.

 

دق عنق المستشار الأول.

تناقل الخدم و السيدات و الوزراء هذه الكلمات في القصر بعد بضع ساعات، كان الكل ينتظر ما سيحل بها بعد وفاته، تلك العرافة عاشقة المستشار، قدمت إلى القصر تجر أثوابها وعيون من يخشونها ويهوونها ويكرهونها سرا وعلانية، دخلت على الملك ليشير لمن كان داخل القاعة بالمغادرة، وقفت في منتصفها محدقة به، لم تخش اختراق نظراته لسطحها فما كان سيجد غير فراغ يتوهه، سألها:

 

الصفحة 46 من 54