ملاك النوم

 

ركاب البواخر، الجذور ، أصابع اليد ، كل هذا في الأجسام يعني التلاحم ، هذا ما قاله الكاتب الانجليزي "هارولد  " في قرارة نفسه و هو في رحلة إلى جنوب إفريقيا، تناول وجبة العشاء في ضيافة الأمواج رفقة مجموعة من الأردنيين، وهندي من أصل روسي وعشيقته الألمانية ، الحديث كان حتما على مستجدات الدائرة المغلقة، الأرض، احدهم على أن الوضع في بدايته ، الآخر هناك بلا موقف والآخرون  منهم من يعلن النهاية...

السيد الكاتب بمنظوره الخاص للحياة نطق:

ـ إذا حطم الموج هذه السفينة، كل هؤلاء في البداية، وبدون موقف في قضية الآتي، ولكنها نهاية في جميع الحالات.

أسئلة وهواجس أخرى تحط رحيلها في مخيلته الشاملة على ما لا يراه غيره من الخلق، وهو صامت في ركنه المتأمل بعيدا عن كل شيء...

وقف الركاب كل بلغته وتلملم لسانه:

ـ نلتقي مجددا في هذا المكان.   

اكتفى الكاتب بابتسامة معبرة عن القبول، وجوه الآخرين تحمل نفس المعنى.

بلغ جوف الليل كلهم نائمون، الربان يصارع لعبة الموج، والكاتب يطل من شرفة غرفته، نظرات متتالية، واحدة في السماء، أخرى في الموج المحاذي لعيدان الباخرة، وبعد وقت طويل، الكل يقصر.

أسدل الكاتب الستائر، شيطان اليقظة يرحل بعيدا ، وملاك النوم يحل ضيفا على عيونه ، مشهد ومشاهد، طبشورة ، آلة صناعة البشر، مقابر جماعية، سقوط مبنى ، وردة في قمة جبل ، لا جرعة ماء، ، كل ذلك لم يكن محل تأثير على المشهد الذي مازال يتوالى بترتيبه العفوي ، سقطت التفاحة من الأرض إلى السماء،  صورة" إسحاق نيوتن"عالقة في ذلك المشهد ، الناس يمشون على الأيدي ، والرؤوس منحنية إلى الأسفل بينما الأرجل في القمة ، النجوم تسقط من الأرض نحو السماء ، الأرض تتدحرج نحو المجهول، المشاهد تأخذ تدافعها العنفي ، أراد أن يأخذ الورقة وجدها حبرا بحث عن الحبر لم يجد شيئا، تذكر مكتبته التي لا ينبغي أن تضيع وجد عوض الكتب خبزا آخر، لم يكن يدري أن النجوم التي كانت تسقط هي من مزق الرفوف هو على ظهر الباخرة وسط مشاهده المريعة أراد أن يطل على البحر لم يجد غير الصخور الحمراء تطفو عليها ذات كبيرة جدا  حدق في اللوحة وجد الذات تحمل ملامحه، رغم انه قبل المشهد كان نحيلا، الكل تغير ، الخوف يحل ضيفا على إطلاله الغريبة، أصدقاؤه لم يعودو هناك ، أجساد صماء، أشكالا بشرية أخرى تحل بالمكان ، صاح:

ـ  الهي من تكون هذه الأشكال؟؟

أجابت الأشكال:

ـ  حكمت الطبشورة ، الآلة البشرية ، المقابر الجماعية ، المبنى والوردة وكل تلك الأشياء على انه لم يعد للإنسان مكان في الأرض هو في المنظومة تابع للأموات ، أما أنت فلك الاختيار  أن تكون مثلنا سعيدا تترقب الجثث ، أو أن ترحل مثلهم...

انكمش جسده الرهيف تذكر انه لا مجال للعودة للأرض ، أراد أن يعيش وفق المنطق الإنساني .

طلب إرجاع  أصدقائه إلى المنظومة ، أعطيت الأوامر لإحضار الركاب ، حضروا علامة العياء بادية على وجوههم ، طلبوا توضيحا على ما يجري ، أجاب انه لا حل بدون، إعادة البداية حتى النهاية ، بناء مراسيم الأرض من جديد،  العودة من هناك إلى هنا ، الهناء في القضية الإنسانية الآنية الآلية ...

صرخ احدهم:

ـ نريد الأرض كما كانت، نعيد المشهد الذي كان فيك، يومها كان حلما لنعود إلى الإنسان الأصل..

فتح الكاتب الانجليزي "هارولد" عيونه ، سمع صوت الماء.

قال مع نفسه:

ـ  هو على الحق ، نريد الأرض كما كانت

 ضحك من المشهد الذي كان حلما ...                 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.