رائحة البنج

رجعت منهك القوى ...
آهاتها وتوجعاتها مازالت تنخر بعظامى ورائحة البنج لا تزال عالقة بأمعائى وعلى كل فقد تعودت ..
لقد طالت اقامتها بعنبر النساء
منذ أسابيع .. لا..لا ..بل أشهر وذلك الخرطوم يلازم ذراعها.. لا تعرف ان كان قد نبت من معصمها امتدادا لعروقها أم أنه قد تدلى من ذلك الحامل الحديدى .
حالتها الصحية لا تسوء ولكن لا تتحسن .. المرض يرفض أن يغادر تلك الغرفة .. بل هذا السرير.
أروح وأغدو دوما لزيارتها وأمر به .. أجده ما زال ثابتا بمكانه .. متجردا تماما من ثيابه يبرز أعضائه وعضلاته الفذه فى شموخ وبهاء كبطل من أبطال المصارعة .. لا يهمه البرد ولا حتى طل الصباح .. لا يمل الفلاشات المنبعثة من كاميرات هؤلاء الآتين خصيصا لرؤيته من شتات البلدان .
(( ميدان رمسيس )) لقب أعطى للمحيط الملتف حوله .. بإعتقادى أنه لقب لا يوافيه حقه .. هل حالت له ملكية هذا الميدان فقط دون سائر المملكة ؟ أم منح له ( بوضع اليد ) ؟ ... ألم يكن هذا العملاق يستحوذ على المملكة كاملة ؟
أبعد كل هذا العمر أشهر .. وسنوات .. وقرون .. قضاها فى صنع هذه الحضارة وهذا المجد .. أبعد أن مرت عليه كل هذه العصور وتلك الأجيال بداية من عصر الأسرات وحتى أسراتنا الحالية .. أسراتنا المفحمة من أجل لقمة العيش أو حتى ((الرغيف الحاف)) جال فيها بكفاح جم .. وأيضا لم يتبق له ولا يمتلك الآن سوى تلك الرقعة الضيقة من الميدان وشارع "أعترف أنه طويل سمى باسمه .

لا يفرغ ذهنى من الحديث عنه الا عندما ترتطم أنفاسى ثانيا برائحة البنج المعتق وتنبهنى أصوات المرضى المؤلمة ورنين هذا الضخم الذى لا يتركنى أمر بالعنبر الا بعدما ألقمه واحدة من لفافات التبغ الغامق
(( داهية تلعنك وأنت عامل زى الفيل ))
هكذا كل يوم ألعنه - فى سريرتى طبعا- وأهمه بإبتسامة خفيفة أكون غير راض عنها .
هذه الزيارة غير سابقاتها ..
داهمتنى الممرضة ومنعتنى من الدخول .. (( الزيارة ممنوعة )) كان ذلك هو تعللها بأمر الطبيب .. فأزمتها حادة اليوم ولا داعى لأن يقلقها أحد ومحتمل أن تدخل فى عناية مركزة فى الفترة القادمة

تراكمت كل عذابات السنين فوق صدرى .. ولا أحد يدرى بالكم الهائل من جرعات الدم التى استهلكها مخى فى تلك اللحظة ..
إيمانى قوى بالله وأعلم جيدا أن أمره نافذ فى أى وقت لا محالة سأعود الى المنزل وسأضع أوجاهى وهمومى جنبا الى جنب بهذا الصندوق المتوارث أبا عن جد .

الشارع طويل والليل أطول .. ويداى المثلجتان فى رفض دائم لأى دفء ...
الطريق يريد أن ينتهى لكن قدمي لم تعد تتحملنى ..
كم مرة وأنا أروح وأجئ من هذا الشارع فى اليوم الواحد .. حواريه ومنعطفاته .. الزنقات والأزقة ..
نعم الطريق يعرفنى جيدا .. العملاق يبدو لى من بعيد .. بدأت هامته الناصعة تلمع لى فى ضوء الشمس .. ينظرنى بحذر .. يرمينى بنظرات تؤكد لى أنه بإنتظارى .. أحترمه ويحترمنى .. بل ويحترم كل المارين المبالين به به والغير مبالين ..
ثباته ينم عن كبرياء جبار وتأدبه فى الوقفة يؤكد أنه من عائلة محترمة .. أتمنى لو أجالسه
ترى ما مدى أدبه فى الحديث والجلسة ؟
آه لو يسمح له الشرطى ويعتقه من تلك الوقفه التى ورمت قدميه
بداخلى أسئلة جمة وبداخله شكاوى متراكمة

حاولت أن أخدع الشرطى وإنتهزت فرصة ذهابه المرحاض ليفرغ ما بداخله من تقلصات ويريح مثانته من عصارة العرقسوس (( أبو بلاش )) الذى أكثر من تناوله من هذا (( الشرباتلى الغلبان ))
محاولة ناجحة .. فلحت خطتى .. دنوت منه .. هو أيضا يساعدنى فى ذلك .. يرمق الشرطى فى حذر ويراقب النوبتجية
اتفقنا أن أخلصه من هذه الوقفة ليذهب حيث يشاء فهو لم يذنب ولم يرتكب أى إثم تجاه أى فرض لقد أقسم لى إنه مظلوم لم يسرق لم يتعد على أحد ولا توجد له قضايا شغب أو آداب فى سجلات الحكومة ولا أى صحائف جنائية
هو صادق
حديثه أكد لى أنه حقا من أسرة محترمة لا تفعل العيب
اذا بالتأكيد .. إنها رزالة من الشرطى .. أوقفه ولم يج معه بطاقة الهوية ولا الخدمة العسكرية .. حرر له محضر تحرى وتحفظ عليه ووقف بجانبه يحرسه حتى يثبت كفاءته بين صفوف الشرطة
وسيبقى المسكين منتظرا دوره فى التحقيق معه

آآآآآآآآآآآآآه ........... ايه اللى بيحصل بالظبط ؟!!!!

يبدو أن نسبة البنج التى استنشقتها كانت عالية كما أن الصور العالقة بذهنى لحالات المرضى المختلفة ما زالت متمكنة منى
يجب أن أركز وأتمالك أعصابى قليلا ... ف"أقدامى ما زالت بمنتصف الشارع

آآآآآآآآآآه آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه ...... مش قادر ,,, لن أذهب الى المستشفى ثانية فأنا لا أحتمل رؤية هذا المكان الذى تصدعت حيطانه وتشققت أركانه من كثرة الآهات والتوجعات
آآآه .... حرارتى تعلو شيئا فشيئا
تملكتنى الحمى .... ورغبتى فى القئ عارمة ... لكن أكرهه
فهو يمزق أمعائى ويفكك أوصالى

آآآآآآه ....

إقترب الفجر وبدأت (( السخنية )) تنزل واحدة واحدة وبدأت أشعر بالبرد
فتحت الصندوق المتوارث عن جدى وأخرجت منه غطاءا صوفى وزعته على جسدى كله ورحت أغط فى يوم عميق
غبت يومين عن الدنيا لا شئ سوى المسكنات وخافض الحرارة
بعد نهار وليلتين بدأت الشمس تعلن عن نهار جديد وثمة صوت جهورى دافئ يعلو بآيات الذكر الحكيم من المصحف المرتل لإذاعة القرآن الكريم
فرغت من صلاة الصبح بحمد الله ... نزلت الى الشارع قاصدا المستشفى .... سأزورها بكل تأكيد
فهى لا ذنب لها بما حدث ..... إن كانت قد أصابتنى الحمى لساعات ... إذن فليكن الله فى عونها ...محتملة المرض أشهرا معدودات

أوقفت تاكسى فأوصالى ما زالت مفككة وأنبهت السائق بأن يمر من ناحية الميدان

__ ميدان إيه يا أستاذ ؟؟
__ رمسيس لو سمحت .
__ التانى واللا التالت ؟ كل سنة وأنت طيب .

لم أبالى بكلمات المسطول
مررنا من الميدان .. جن جنونى .. أوقفت التاكسى ثم إنصرف

أين الميدان ؟ وأين رمسيس ؟ ما هذا التغيير ؟
لا توجد ميادين ولا يوجد بالساحة أى رمسيس
أين ذهب الشرطى به ؟
تغير المكان تماما بعدما أخذوه وضاعت معالم الميدان وضاع العملاق
جموع الحاضرين أبلغونى أنهم نقلوه الى المتحف
إذن ل عام وأنا طيب وليرزقنى وليرزقه الله بطيلة العمر
على أية حال سأكتم حزنى ولن أبوح به الا عندما أزوره بالمتحف

إقترب ميعاد الزيارة بالمستشفى وما زال التمثال فى رأسى
دخلت العنبر ولم أنتبه الى الفيل ... تابعنى بكرشه المنفوخ وقذفتنى زلومته بألفاظ ممتلئة بقلة الأدب لم يكف عنها ولم أعتن بها ... ترى كيف كانت الطريقة المناسبة لنقل التمثال ؟
هل قيدوه ؟ لا ربما أجلسوه!
إحتمال ضعيف .... وهل سمح لهم دون مقاومة
بالتأكيد تحسبوا جيدا لهذه النقطة وأعطوه بنج

هاه ... بنج إيه ؟
آآه ..أنفاسى مكتومة ... أكاد أختنق
أخرجونى من هنا .. فليساعدنى أحد
أين الفيل ؟ أين الفيل؟

استقبلتنى الممرضة وأخبرتنى أنهم نقلوها الى غرفة الجراحة وهى بحاجة إلى نقل دم
نسبة الأوكسجين بدمى قليلة ..أود الخروج من هذا المكان
جاء الضخم ولاحظ وجهى .. أجلسنى على كرسى بمقربة منه وبدأالشهيق والزفير يتحسن نسبيا
جاءتنى ثانيا وبيدها قربة من الدم وبدأت دقات القلب تضطرب تدريجيا وأنفاسى لم تجد راحة و تأكدت أن أمبولا واحدا من هذا البنج يكفى رمسيس للوصول بسلامة الله إلى المتحف !!!
أنهت الممرضة حديثها ونهرتنى بقوة :

فصيلتك إيه يا أستاذ ؟؟

هاااااه..!! لأ O !!!

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

تسجيل الدخول

إصدار شعري

بحث متقدم