كانوا....

 

...ربما صورة نلمسها بعيون تقول لنا:

ـ أنتم ذلك الواقف مصنوع بخليط يسمى الإنسان، لا ندري ولكن، نقول:

ـ هم  ذلك، لأن الخليط الذي نلمسه يشبه أفكارنا ، غير أننا أحيانا نحاول أن  نتخيل أنفسنا بعيدا  عن  أفكارنا، حقيقتنا ستصبح مجرد ماض في  مكان ما، ونكون حينها بعيدا  عن تلك الذات التي كانت شكلا ما ...

  الليلة غريبة تلك الحالكة، الساعة تأخذ دور الجرس بدقاتها اللامتناهية تعلن عن مرور زمن قد يسمى ضياعا

في وقت ما.

الورقة البيضاء على طاولة الأحداث، القلم ينتظر بدموعه الحبيسة، والأوراق الأخرى في سلة المهملات، وصاحب كل هذه الأشياء هو الذي يتخيل نفسه خليطا مصنوع من حبر الإنسان.

   كانت الرؤيا عنده تحتل كل المكان ، ويداه ساهيتان في حمل رزمة من الأوراق وتحمل قضية سيدة بحقيبتها تنتظر قطارا في محطته الأولى، والدموع تنهمر من عيونها الزرقاء، كانت اللحظة التي أوقفته كي تكون ساهيا عندما لحق دورها في الورقة الثالثة وفي تلك الأوراق تقول:

ـ لا يمكن لعيوني أن تكون حبيسة الدموع وهي ترى مشهدا لا ترضاه، زوجي يصنع في بيتي امبراطورية غير عادلة، جعل من الإناث وزيرات ، وحكم على الأبناء بتربية الخادمات ، ويقف الولدان على بطنه وهو نائما  قدر ما يريد من الزمن ، لا يمكن لبيتي أن يعيش احتقار الفوارق بين الرجال والنساء.

      وقفت عيون المتأمل عند هذا المشهد راحلا بخياله بعيدا عن فحوى هذه الأوراق، وصار يعيش مع لوحة أخرى بعيدا عن الأرض ليعود إليها في يوم ما كماض ليس إلا.

لم يكن لديه العنوان ، لأنها ليست على الأرض ولا في الزمن ، هنا لا عاد ولا معدود، فقط أناس تصطف تنتظر ، وفي المكان المجاور ، يرى شخصا يتماطل في أجوبته وفي يده أوراق الأشجار المرة يأكل منها بلهفة شادة ويمد يديه إلى السماء طالبا التنازل ، لم يكن المتأمل يسأل عن هؤلاء والآخرين بقدر ما يسأل عن الرجل الذي قيل عنه:

ـ  الرجل كان طاغية في الأرض اسمه هولاكو، هو مجرد جلاد يتلقى الأوامر من الإمبراطور هولاكو. 

   حاول أن يتخيل وضعه بين هذه الجموع فاستحال عليه ذلك لأن الوضع أكبر من الخيال.

    رأى أشخاصا آخرين يعرفهم في الأرض لما كان صبيا لكنه يخشى من ذكر أسمائهم فقط لأنه مازال في الخيال، وقد يعود منه ويلتقي بهم في الأرض ويكون الوضع ثانية أكبر من الخيال. 

   لم يكن الأمر يهمه لأن الأشخاص كانوا أسرى هولاكو وهو يعرف قضيتهم كما يعرفون قضيته، وكانت لديه الرغبة في تخليد التاريخ ناسيا أن كل شيء سيكون بالنسبة إليه مجرد كان.

  المتأمل لكل ذلك يعض على شفته السفلى لأن الترتيب سيلتحق به ، خاصة انه كان شديد الميل إلى رؤية أخمص أرجل الآخرين و التلذذ بالواقع الذي ليس له ، دعته كل تلك الأقدار إلى رؤية ورقة أخرى شبه مبللة على سطح ذلك المكان الذي يتخيله أرضا، تلك الورقة كانت ملطخة الثنايا ، معوجة، لكنها بذلك الشكل أعطت صورة غريبة بشكلها العفوي، وكانت تقول في طياتها :

             ـ ريح الشرق الملطخة بالدماء، وكوكب يقول للجماهير الأرضية بأنه حامل الأرض من رأسها، وما دام هو الفاعل فهو الذي يستحق أن يكون بطلا على العالم ، وصار في تلك الأوراق ينبش عن تاريخ الأمم، واستغل أخطاءها وحولها إلى ملكيته وقومها وخاض بكل ما يملك ملكة الشر داعيا الأمم الأخرى ومنها يصنع ما يشاء ،ومنه ريح الشرق تأخذ نصيبها في ذلك اليوم الذي أصبح في الخيال مجرد ماض....

                                                                                                           إدريس الجرماطي