عشق تجار العقيدة

طباعة

رسمت أقداره البائسة ببسمة قاسية بثتها إياه براحة وتأمل، ليبادلها الطعنة بمشروع ابتسامة ومجموعة نظرات تافهة مع إحساس عال بالشموخ والكبرياء، فكرت كم هو رائع بعد كل سنين الحب هذه أن تكون لدى المرء القدرة على خداع الذات في لحظات، حين يقرر ببساطة التقدم خطوة للأمام على أرض يكون فيها البقاء على الهوى انسحابا للوراء، هي لحظة تفصل القرار عن التحقيق فتعيشها كأنها دهر كل ما به خالد سرمدي، قبضت خلالها على حبه الذي اجترعته مزاجا بليالي السمر والوحدة، حين كان يدركها الملل ولا يرضيها أكثر منه غير فكرة وجوده، وروعة شوائب شخصه التي أراحتها زمنا له، لاطمئنانه لحقيقة أن ليس من داع ليقاوم إنسانيته، وأن حريا به التسلي بها، فسهل عليها نسج رجل من جنس كثير التطلب لا يملك طلبا سواها، آمنت أن في نقائص الرجال شيئا يعلمنا التدبر، وفي حب نقائصهم شيئا يعلمنا القبول، ليصير الهوى عقيدة تجمع العقل بالروح، ولا شيء عندها في كمال عقيدة تنسجها لتعتنقها حينا وتنساها آخر، كان كماله في رفضه إنكار فضل عيوبه على ما يكونه، وما في هذا الفكر من تناقض عند امرأة ترى الكمال عيبا في حد ذاته، كم كان ليبدو سخيفا إن تظاهر بالعلم حيث يجهل، أو مبتذلا إن ادعى الشجاعة يوم أرقده الخوف الفراش، أو مضطربا عاجزا إن رسم البراءة حين يأثم قاصدا لذة الإثم و روعة الإحساس بالبطش والطغيان، ابتسمت من أعماقها مقتربة منه، همست له بصدق غير مصطنع ختمت به لحظتها الأبدية، وإن كان ذلك ليقينها أنه لن يصغي:

- أخاف على حياتك إن أنت ذهبت، إني أرى الموت.

- لم أعرفك متبصرة الحياة والموت فلم تبدئين الآن؟

- لا تحتاج البداهة لعرافة، بل لعين تبصر و تزن.

- وما وجدت؟ 

- سيدي المستشار، إن الجالس الجديد على العرش رجل عالم مثقف، ورغم كثرة مكرك لن يفيد المكر معه في شيء.

- تأكدي أن خوفك هذا دون سبب.

- ليس خوفا سيدي، ليس ذاك الذي تعرفه.

- أتذكرين الذي قبله؟

- و كيف لا أذكر رجلا يهوى الظلم للظلم، يتجرع دموع الغير كنبيذ فاخر، يدوس في لذة ملحونة جراح أطياف اصطلح على تسميتها بالبشر، وكنت ذا الحظوة لديه، يهوى الرجوع إليك بعد أن يعصف خرابا بشعبهن فيستريح لسماع أعذار نسجتها لتبرر جنونه  فيأمنك، يصدقك، ليس لأنه بحاجة لذلك، بل لأنه لا يمانع أن يكون هناك من يضفي عليه صفة القداسة.

- إلى أن رحل، و بقيت أنا، أتذكرين الذي قبله؟

- و كيف لا أذكر رجلا أخذ من الناس لنفسه، استكثر النحاس عليهم من أجل أوان من ذهب، هدم الأكواخ فوق أراضي اليتامى ليبني قصرا فوق ما كان مصدر رزقهم الوحيد، وكنت خير من يأخذ من جيوب الآخرين واضعا في جيبه، أبرع من يعرف من يسرق ومتى يسرق، حتى رضي عنك كل الرضا، فقد كنت له كما يكون لكل ملك إنسان أليف.

راح يضحك ويضحك بزهو وقال:

- إلى أن رحل و بقيت أنا، سيرحل الكل أما أنا فدوما سأبقى.

نظرت إليه باستخفاف صامت سائلة:

- هل تذكر يوم التقينا؟

- يخيل إلي أحيانا أننا التقينا قبل أن نتعلم التذكر، و الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني دوما أحببتك، و دوما أحببتني، بحسناتي و نقائصي.

- و كيف تطمئن لشخص مولع بالخطايا و الشوائب؟

- (باسما بثقة) أنا كامل في نظرك يا حبيبتي.

ثم رحل تاركا إياها تردد بيقين في سرها: إنه رجل ميت لا محالة.

 

دق عنق المستشار الأول.

تناقل الخدم و السيدات و الوزراء هذه الكلمات في القصر بعد بضع ساعات، كان الكل ينتظر ما سيحل بها بعد وفاته، تلك العرافة عاشقة المستشار، قدمت إلى القصر تجر أثوابها وعيون من يخشونها ويهوونها ويكرهونها سرا وعلانية، دخلت على الملك ليشير لمن كان داخل القاعة بالمغادرة، وقفت في منتصفها محدقة به، لم تخش اختراق نظراته لسطحها فما كان سيجد غير فراغ يتوهه، سألها:

 

- لم الآن تقدمين لي أنا رأسه وقد كان قبلي آخرون؟

- كان أفضل من جميعهم، أكثر ثغرات منهم مجتمعين، وأكثر حصانة ضد مغرياتها ما أعانه على استغلالها لمصلحته، كان كل منهم يرغب ولا يخفي رغبته، وكان هو لا يشبع لكنه آثر الجوع ليغنم الكل في النهاية، أراك تشبهه لكن بذكاء، أرى العيوب فيك مصقولة كدرع فاخر ليس غير فنان يجيد إتقان انحناءاتها، أتدري سيدي من أبلغ من الشيطان؟، شيطان مثقف.

- قد رضيت منك كلامك، لكن كيف أستطيع أن أثق بامرأة خانت الرجل الذي تحب.

- أنا هكذا أيها الملك، لست مجبرا على الوثوق بي، بل الوثوق بقدرتك على حشد دوافعي لخدمتك، ولن يصعب ذلك على ذكائك بعد أن رأيت أنني في الولاء أشبه بتجار العقائد، أقدم دوما القربان المناسب للرب المناسب، ما عليك إذن إلا أن تحرص على أن تكون لي دوما الرب المناسب.