نفحات

جلست شاردة الذهن خلف مكتبها , في جمود لوحة بديعة التكوين , تستعيد كل كلمة من كلماته , كما لو أنه يرددها بصورة مستمرة و بقوةٍ متزايدة لا يدركها الملل , كان يجلس بالقرب منها , و لكنها تصورته يعتلي منبرا , و يلقي من فوقه خطبته , فيجبرها بنبرات صوته الهادئة و العميقة على الإصغاء , دون أن تستطيع أن تبدي أمامه أي تململ أو ضجر , و كأنها كانت تتوقع منه مثل ذلك الكلام , فيما كانت نظرات عينيها الشذريتين تنصب على عينيه الواسعتين , و شعره الموشح بالشيب , و لحيته المشذبة التي تضفي على ملامح وجهه الجدية و الوقار , و ربما شيء من الرهبة , تلك التي زرعتها شخصيته فيها منذ اليوم الأول الذي انتقلت فيه إلى القسم , حيث اعتادت مناداته بالحاج , إسوةً بالبقية , من غير أن تعرف إن كان قد حج فعلا ليستحق ذلك اللقب أم لا , و رغم أنه لم يتعدَ الخمسين من العمر , كما سمعت أحد زملائها يقول ذات مرة , غير أنها تظنه أكبر من ذلك بكثير , بل وجدت صعوبة في تخيله شابا متحررا من تلك الرزانة الشديدة التي تلف كل تصرفاته حيناً , و العصبية المفاجئة التى تحوله إلى انسان آخر في لمح البصر حيناً آخر , عندئذٍ كانت تتجنب الاحتكاك به قدر الإمكان حتى تهدأ ثورته , المغالية في عنفها , و تتراخى قسمات وجهه , و تكف نظراته عن حملقاتها المخيفة , و يعود لينزوي خلف كثبان صمته من جديد .. و لكنه اليوم كان في أكثر حالاته هدوءا و صفاءً , أخذ يبتسم لها ابتسامة واسعة جعلها مقدمةً لما أراد أن يحدثها بشأنه كصديق يهمه أمرها , أو كأخٍ أكير , رغم أنه لو تزوج في شبابه , و رٌزق بأبنة , لأضحت الآن في مثل عمرها تقريبا .. 

 تنقلت نظراتها ما بين السجادة المطوية فوق مسند كرسيه و المسبحة ذات الحبات الصفراء الكبيرة الموضوعة فوق مكتبه , و التي يضعها كالسوار الواسع حول معصمه عندما يكف عن التسبيح بها , متمتماً بآياتٍ و أدعية هامسة , بعينين تظنهما قد غادرتا المكان , و راحتا تحلقَان في عالمٍ آخر , لا يبصر فضاءه سواه , ثم أخذت تتمعن في قسمات وجهها الناعمة , المكتسية ببريق المكياج الباهر , وخصل شعرها الكستنائية المنسدلة , مثل ستارة خفيفة , فوق جبينها العريض في المرآة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبة يدها , كما لو أنها ترى نفسها في شكلٍ مختلف , يمكن أن يغير حياتها بصورة جذرية ..

 عاد إلى الغرفة , و قطرات الماء تبلل وجهه , تناول السجادة و فرشها في ركنٍ قريب من الشباك , و لكنه لم يستطع إقامة الصلاة بسهولة , و وهجها يغشاه أكثر من كل يوم أخر , ضحكاتها فراشات تحوم حوله , و تؤطر سجادته , كما باتت تفعل في ليالي تهجُده الممسوسة بهواجس عربيدة لا تلبث أن تواتيه بين آونةً و أخرى , تلجئه إليها وحدته في ذلك البيت الصغير , متصدع البنيان , و الأشبه في خلوه من الأثاث تقريبا بصومعة ناسك .. استعدلت في جلستها احتراما لتكبيره , و شدت طرف التنورة للأسفل , فغطت ركبتيها , و قاربت بين ساقيها ناصعتي البياض , و اللتين أوشكتا أن تمسا طرف بنطاله , و هو جالس تلك الجلسة الساحرة بقربها , مثلما كاد  صدرها المستتر خلف قميصها الحريري يلامس ذراعه , كعصفور يحوم حول غصن متيبس , قبل عدة أيام فيما كانت تطلعه على إحدى المعاملات , فبدت له أزراره الفضية نجوماً تتلألأ في سماءٍ بعيدة , لا يمكن أن تصلها يداه ..

 أنهى صلاته المرتبكة , و راح يحرك شفتيه سريعا , و بصورةٍ آلية , من غير أن يدرك معنى لما تهمسان به , زفر أنفاسه بعمق , نهض عائدا نحو مكتبه , تسللت نظراته إليها , بينما كانت تنكب على الأوراق أمامها , تمنى أن يدفعها أي سبب كان للإقبال نحوه و الجلوس إلى جانبه , كأن تود الاستزادة من حديثه لها حول ضرورة ارتداء الحجاب , فينهال رذاذٌ من فتنتها الغضة , بشتى تفاصيلها الجذابة , على صحراء حياته الشاسعة من جديد ...

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

تسجيل الدخول

إصدار شعري

بحث متقدم